» باحث سعودي: المرأة السعودية لم تلبس عباءة قديمًا.. والمطلق يؤكد: العباءة غير إلزامية   » نفذ أمام الناس.. جلد أزواج بسبب ”العناق العلني“   » كلمة المرجع الخراساني مع بداية الدراسة الحوزية للعام الجديد   » امرأة من بين 16 في أميركا.. اغتصبت في أول تجربة جنسية   » 👌🏼 ما هي نعمة الستر؟؟👌🏼   » صحيفة جهينة :أهالي القطيف يدينون استهداف بقيق .. ويشكرون القيادة على نجاح موسم عاشوراء   » حرمة التدخين..   » 🌸الاجتماع العائلي ؛؛💐   » وزارة العمل.. وفرصة قرار 24 ساعة !   » القطيف تستحوذ على 36 % من نتائج التسريع  

  

22/11/2009ظ… - 4:48 ص | مرات القراءة: 1039


يرى السيّد محمد حسين فضل الله العنف في الإسلام وقائيا دفاعيا، ويعتبر "الأصوليين" الذين يرون العنف أساسا في الإسلام يعانون من فهمٍ خاطئ. ويرجع فضل الله إطلاق كلمة "الأصوليّة" على "المتطرّفين المسلمين" الى جذوره الغربية، باعتباره أول من عاش الأصوليّة، خصوصا في حرب الحملات الصليبيّة التي كان يقودها الباباوات.

لمّا كنّا نتحدث عن العلاقة بين السلطتين السياسيّة والدينيّة، فهل تعتقد أنّ هدفَ الإسلام هو إنشاءُ دولة إسلاميّة؟
لا بدّ أن ندرس أساسَ تركيبة الدولة. فمن الطبيعيّ أنّ الدولة تتمثّل في قانونٍ شاملٍ يحْكم كلَّ أوضاع الناس، اقتصاديّة أو سياسيّة أو أمنيّة أو اجتماعيّة... وعندما نضع المسألة في هذا الإطار، فإننا نتصوّر أنّ الإسلام يَختزن الدولة، باعتبار أنّ الشريعة الإسلاميّة تمثّل ثروةً قانونيّةً شاملةً لكلّ نواحي الحياة، بقطع النظر عمّا إذا كان بعضُ الناس يناقشون هذا القانونَ أو ذاك؛ فالقانون ينطلق من خلال اجتهادات العلماء، وربما تطوّر من خلال اجتهادٍ يتحرّك في زمنٍ ما، واجتهادٍ يتحرّك في زمن آخر.

إنّ الاجتهاد الإسلاميّ يجعل حركةَ القانون الإسلاميّ متحرِّكًا لا جامدًا: فهو يَخضع لاجتهادات، تمامًا كما يَخضع القانونُ الوضعيُّ للاجتهادات. وقد يَصدر قانونٌ من أيّ دولة، ثم ترى الجهاتُ المعنيّةُ بإصدار القوانين أنّ المصلحة تقتضي إلغاءه وإصدارَ قانونٍ آخر. في الاجتهاد قد يختلف التوصيف؛ فقد يَجتهد المشْرفون على الدولة، إذا كانوا من المجتهدين، في تشريع قانونٍ معيّن، ثم تأتي جهةٌ أخرى (أو تأتي الجهةُ الأولى نفسُها) فتكتشف خطأ ذلك القانون في مجالٍ ما. ونلاحظ بالتجربة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عندما هاجر من مكّة إلى المدينة، بادر إلى إيجاد نوعٍ من التكافل الاجتماعيّ أو "المواطَنة" بين الناس هناك، فعقد وثيقة المدينة كما ذكرنا سابقًا: فهناك معاهدة بين الأوس والخزرج،

 وهما العشيرتان الرئيستان في المدينة وكانتا تعيشان حروبًا تاريخيّة (وفي القرآن: ﴿واذكروا نعمةَ الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّفَ بين قلوبِكُمْ فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾)؛ ثم حاول أن يَعْقد هذه المعاهدةَ بين المسلمين المقيمين في المدينة (الأنصار) والمسلمين المهاجرين، ثم بين المسلمين واليهود. وهناك نقطة أساسيّة يمكن أن نستوحيَ منها معنى الدولة، وتبرز في الآية القرآنيّة: ﴿لقد أرسلنا رُسُلَنا بالبيّناتِ وأنزلنا معهُمُ الكتابَ والميزانَ ليقومَ الناسُ بالقِسْط﴾؛ فهذه الآية تبيّن أنّ كلّ الرسالات، وكلَّ الكتب المنزِلة المقدّسة، وكلَّ الموازين التي توزَنُ بها الحقوقُ والأوضاع، قد شَرّعها اللهُ من أجل إقامة العدل.
وعندما نأخذ كلمةَ "العدل،" التي تعني أن نعطيَ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فإنّه لا يمكن أن يتحقّق من دون دولة: إنه عدلُ القانون، عدلُ الحكم، عدلُ الحاكم، عدلُ الناس مع الحكْم، ومع بعضهم البعض. ولا يمكن أن تقيمَ العدلَ في مجتمع كبير من دون أن تكون هناك سلطة.

 والسلطة في الإسلام ليست سلطةً مطلقةً بل تخضع للقانون. يخاطب الإمامُ عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وكان خليفةً آنذاك، الناسَ، قائلاً: "فلا تكلّموني بما تكلّمونَ به الجبابرةَ، ولا تتحفّظوا منّي كما يُتحفَّظُ عند أهل البادرة [البادرة هي القوة، السيف]، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنّوا بي استثقالاً لحقٍّ قيل لي، أو لعدلٍ يُعْرض عليَّ؛ فإنّ مَن استثقلَ الحقّ أن يُقال له، والعدلَ أن يُعرضَ عليه، كان العملُ بهما عليه أثقل. فلا تكفّوا عن مقالةٍ بحقّ، أو مشورةٍ بعدل، فإنني لستُ بفوق أن أخطئ، إلاّ أن يكفي اللهُ منّي ذلك." فالإمام الخليفة يدعو الناسَ هنا إلى أن ينقضوه، وإلى أن يتحدّثوا معه كما يتحدّثون بعضُهم مع بعض، لا كما يتحدّث المحكومُ مع الحاكم! ونقرأ النصّ النبويّ الشريف: "إنما أهلَكَ مَنْ كان قبلَكم أنّهم كانوا إذا سرق الشريفُ تركوه، وإذا سرق الضعيفُ أقاموا عليه الحدّ؛ واللهِ لو سرقتْ فاطمة بنتُ محمّد لقطعت يدَها."

 وفي كتاب الإمام عليّ عليه السلام لبعض ولاته الموظّفين عنده: "لو أنّ الحسنَ والحسينَ فعلا ما فعلتَ لما كان لهما عندي هوادة." إذن، الحاكمُ في الإسلام يتقبّل المعارضةَ ويتقبّل النقدَ، بل يدعو الناسَ إلى أن يَرْصدوا حكمَه وأن ينقدوه. ولذلك نقول إنّ بعض الذين يتحدّثون ]سلبًا] عن الدولة في الإسلام ربّما نظروا إلى تاريخ الحكّام المسلمين الذين كانوا يعيثون في الأرض فسادًا ويحاولون أن يَحْكموا على الناس بالقوة؛ غير أنّ هؤلاء ليسوا مظهرَ الحكم الإسلاميّ، لأنّ القرآن يؤكّد على العدل حتى مع الأعداء: ﴿ولا يَجْرِمَنْكم شنآنُ قومٍ على ألاّ تَعْدِلوا اعدلوا هو أقربُ للتقوى﴾، و﴿وإذا قلتم فاعدِلوا ولو كان ذا قُرْبى﴾، و﴿يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامينَ بالقِسْطِ شهداءَ للهِ ولو على أنفسِكُمْ أو الوالديْن والأقربِين﴾.

 

 

بما أنّ الدولة الإسلاميّة التي تقترحها ليست يوتوبيا، فمن يَضْبط الحاكم؟
الشعب! من حقّ الشعب أن يثور على الحاكم ويسقطه.


لكنْ ما الآليّة؟
ليس في الحياة كلِّها مطْلق، سواء حَكَمَ الواقعَ الدينُ أو العلمانيّةُ أو أيُّ مبدإ من المبادئ. الحكم تجربة، وقد يخطئ الحاكمُ وقد لا يخطئ. لذا فإنّ القانون لا يعطيه السلطةَ المطلقةَ، بل يطلب من الناس أن يتابعوه ويرصدوه؛ فإنْ أخطأ قوّموه أو أسقطوه. نقرأ في القرآن الكريم قصص الأنبياء: {إنّ فرعوْنَ علا في الأرض وجَعَلَ أهلَها شِيَعًا يَسْتضعفُ طائفةً منهم يذبِّحُ أبناءَهمْ ويستحيي نساءَهُمْ﴾، و﴿قل أنا ربّكم الأعلى﴾، و﴿فاستخفّ قومَه فأطاعوه﴾. إنّ القرآن حين يتحدّث عن كلّ هؤلاء الطغاة فإنه لا يتحدّث عن التاريخ بل يقول: ﴿لقد كان في قَصَصِهِم عبرةٌ لأولي الألباب﴾. لذلك فالحاكم المسلم لا يمكن أن يدّعي لنفسه القداسةَ.

النبيّ نفسُه، صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم، وهو مقدّس، لم يدّعِ لنفسه القداسةَ؛ والإمامُ عليّ والخلفاء الراشدون أيضًا. في بعض الحالات يَعترض الناسُ على الحاكم بشكلٍ طبيعيّ، وهو يتقبّل ذلك. ونجد امرأةً تقف أمام الخليفة، وتقول له أخطأتَ، فيتقبّل منها ذلك. وفي الفتنة الكبرى التي وقعتْ بقتل الخليفة عثمان مثلاً، بقطع النظر عن الحقّ والباطل في هذا المجال، نجد أنّ المسلمين ثاروا عليه عندما قَرَّبَ عائلتَه واستغلّ المالَ حسب دعواهم. لذلك أعتقد أننا عندما ندرس القوانينَ الإسلاميّة والقيمَ الإسلاميّة والنظامَ الإسلاميّ الاجتماعيّ والاقتصاديّ والأمنيّ، فإننا نلاحظ أنّ الدولة الإسلاميّة، لو أُسّستْ بالخطّ الذي ينطلق من هذه القوانين، فإنها تنطلق من الدولة العادلة.

 


هل الآليّة في إسقاط الحاكم تنطلق من روح العصر، أمْ هناك قواعد ثابتة؟
لا، من آليّات العصر. ففي التجربة الإيرانيّة، بقطع النظر عمّن يوافقها أو يخالفها، دعا الإمامُ الخمينيّ، وهو رجلٌ فقيه، إلى الحكومة الإسلاميّة، لكنه أجرى استفتاءً شعبيّاً يسأل فيه الناسَ إنْ كانوا يريدون الإسلامَ أمْ لا يريدونه، وهل يريدون قانونًا إسلاميّاً أمْ لا؟ ثم أسّس مجلسَ الشورى، ومجلسَ الخبراء، ومجلسَ صيانة الدستور، وأكّد أنّ من حقّ الأمة ومجلس الخبراء أن يُسقطا الوليَّ الفقيه إذا فرضْنا أنه انحرف عن الخطّ. والوليّ الفقيه نفسُه يأتي بالانتخاب؛ فالوليّ الفقيه الموجود حاليّاً في إيران حصل على سبعة وستّين صوتًا من أصل ثمانين، الأمرُ الذي يعني أنْ لا فرضَ لديكتاتوريّةٍ أو وراثيّةٍ في هذا المجال.

 


من أُسسِ بناء الدولة نظامُها الاقتصاديّ. والمفروض في العالم اليوم شكلٌ أحاديٌّ من ذلك النظام، سمّه رأسماليّاً، أو رأسماليّاً متوحّشًا، أو غير ذلك. فماذا عن النظام الاقتصاديّ في "الدولة الإسلاميّة"؟
ثمة نظامٌ إسلاميّ يقوم على أساسٍ واقعيّ عادل. فالإسلام ألغى الرّبا لأنّ النظريّة الإسلاميّة تقول إنّ المال لا يُنتج المال؛ إذ حين أُقرضكَ مالاً، فإنّ هذا المال لا يُنتج لي مالاً. وأما في الإسلام فهناك نظامُ المضاربة، وهو التزاوجُ بين العمل والمال: شخصٌ يَمْلك رأسمالاً ولا يملك عملاً أو خبرة، وشخص ثانٍ يملك العملَ والخبرةَ لكنه لا يملك رأسمالاً، فيتشاركان على أساس أن يكون لكلّ واحد منهما نصيبٌ من الربح إذا حصل؛ وإذا لم يحصل الربح، فالخسارة على رأس المال، لا على العامل لأنه خسر عملَه أصلاً. هذا النظام هو البديلُ عن نظام الرِّبا لأنه يوجِد للعامل حقّاً من خلال عمله في رأس المال الذي هو ملْكٌ للآخر، ويجعل لرأس المال أيضًا حقّاً لأنه قَدّم للعامل فرصةَ الكسب.
وحرّم الإسلامُ الغشّ، والنصبَ، وأكْلَ المال بالباطل، وما إلى ذلك. ثم إنّه لم يسلّط أحدًا على ثروات البلد؛ فالمعادن والبترول وغيرُ ذلك هي ملْك الأمة، ولا بدّ أن تُصرف من قِبل وليّ الأمر أو النظام الحاكم على مصالح الأمّة. ولذلك كلّه نعتقد أنّه لو طُبّق النظامُ الإسلاميّ لكان نظامًا عادلاً من الناحية الاقتصاديّة.

 

 

ما العمل عندما تتعارض الشريعةُ المنبثقةُ من النصّ مع حقوق الإنسان الفرديّة؟ من أين تأتي حقوقُ الإنسان الفرديّة؟هل تأتي من ذاتيّاته الشخصيّة؟
المفروض أن الذاتيّات تتنوّع؛ فلكلّ إنسان ذاتيّاتُه التي تنطلق من أهوائه وأطماعه وأوضاعه الشخصيّة. ولكنّ هناك نظامًا أخلاقيّاً ينظر إلى مصلحة المجتمع كلّه، سواء من الناحية المعنويّة أو الماديّة أو من نواحي الأمن وما إلى ذلك. في مثل هذه المسألة نقول إنّ للإسلام نظامًا في حقوق الفرد، بمعنى ألاّ تطغى هذه على حقوق الجماعة.
وللإسلام أيضًا نظامٌ أخلاقيّ يُنقذ الإنسانَ من ظلمه لنفسه ومن إضراره بنفسه، إذ لا حريّة للإنسان في أن يُضرّ بنفسه: ولذلك حرّم اللهُ الخمرَ لأنّه يضرّ بالإنسان عقليّاً (فيجعله غيرَ عقلانيّ لمدة معيّنة) أو صحّيّاً؛ وحَرّم القمارَ لأنّه ليس الوسيلة الطبيعيّة للحصول على المال؛ وحَرّم المخدّرات. بل إننا أفتينا بتحريم التدخين لأنه قد يصل بالإنسان إلى حدّ التهلكة أو الضرر البالغ.

وكذلك أطلقْنا فتاوى في تحريم ما يفعله بعضُ الشيعة من ضرب رؤوسهم بالسيف أو ضرب ظهورهم بالسلاسل وما أشبه ذلك. والإسلامُ حَرّم الزنا أيضًا لأنّه يَعتبر أنّ العلاقات الجنسيّة لا بدّ أن يكون لها نظامٌ داخل الحياة الزوجيّة. كما حرّم الاعتداءَ على الآخر؛ فلا يجوز للزوج أن يعتدي على زوجته مثلاً، لأنّ ما يحْكم العلاقةَ بينهما هو العقل، فليس للزوج حقّ على زوجته إلاّ بما يقتضيه عقدُ الزوجيّة. والإسلام لم يجد الحريّةَ الجنسيّةَ من حقوق الفرد مثلاً. كما لا يرى من حقّه الزواجَ المثليّ، الذي هو مخالفٌ للطبيعة لأنّ موقع العمليّة الجنسيّة لم يهيّأ في جسد الإنسان لهذا...
إذنْ هناك حريّاتٌ فرديّةٌ بالفعل، لكنْ لا بدّ أن تخضع للنظام الأخلاقيّ والاجتماعيّ العامّ، بحيث لا تُضرّ بسلامة المجتمع ولا بقيمه الروحيّة والإنسانيّة.
للاستيضاح فقط، أباح النصُّ القرآنيّ للزوج في علاقته مع زوجته أن يضربها...
هناك مسألة في العلاقة الزوجيّة يَفْرضها العقدُ الزوجيّ، وهي مسألةُ حقّ الزوج في الاستمتاع بزوجته ليحفظَ نفسَه من الانحراف الجنسيّ، أي الزنا. كما أنّه جعل للزوجة الحقَّ في الجنس أيضًا: فنحن نرى أنّ لهنّ مثلَ الذي عليهنّ بالمعروف؛ فكما أنّ للزوج حقّاً على زوجته بالجنس، فإنّ لها حقّاً في الجنس أيضًا.

لكنْ لو امتنعت الزوجةُ عن منح الزوج حقَّه الجنسيّ، فماذا يفعل وقد مَلَكَ ذلك الحقَّ بالعقْد وبموافقة الزوجة بإرادتها عليه، وهو عقدٌ يرتكز على أساس المسألة الجنسيّة؟ القرآن يقول: ﴿واللاتي تخافون نشوزَهنّ فعِظوهنَّ﴾. إذنْ، حاوِلْ [أيّها الزوج] أن تبيِّنَ لزوجتك أنّ هذا النشوز يفْسد العلاقةَ الزوجيّة، وأنه قد يضطرّه إلى أن يبحث عن زوجةٍ ثانيةٍ أو عن علاقةٍ غير شرعيّة أو غير ذلك. وبعد ذلك حاولَ النصّ أن يتطوّر في المسألة، فإذا بالزوج يهْجر زوجتَه وينام في مكان آخر. لكنّ ذلك لم ينفعْ، فماذا يفعل؟ هل يرفع الأمرَ إلى المحاكم؟ هل تضع المحكمةُ في غرفة النوم شرطةً تجْبر الزوجةَ على الاستجابة لزوجها؟ هذا غير واقعيّ.

 إذنْ، بيْن أن نهدمَ الحياةَ الزوجيّة، فيرحلَ الزوجُ لأنّ الزوجة لا تقْبل، وبين أن نحافظ عليها، أباح النصُّ أن يضربها ضربًا غيرَ مبرّح، ضربًا "تربويّاً." فإذا انتهت المشكلة يقول النصّ: ﴿فإنْ أطعْنَكُم فلا تَبْغوا عليهنَّ سبيلاً﴾. المسألة، إذنْ، من باب الضرورة، لا من باب الحالة الطبيعيّة. وإلاّ فليس من حقّ الزوج مطلقًا أن يَضْرب زوجته لأنها لم تقم بشغل البيت (فهذا ليس حقّاً يفرضه العقدُ) أو بتربية الأولاد أو بإرضاع الأولاد أيضًا.
ومن الأمور التي قد يستغربها الناسُ أنّ للزوجة الحقَّ في أن تَطْلب أجرًا كأيّ عاملةٍ على شغل البيت، حتى في ما خصّ إرضاعَ الأولاد. لكنّ الإسلام ينصحها بأنّ الزواج غير قائم على الجانب القانونيّ (﴿فجعل بينكم مودّةً ورحمةً﴾)، لأنّ الزوج يضحّي وهي تضحّي. وقد أصدرتُ قبل مدّةٍ فتوى أثارت الجدلَ في الواقع الإسلاميّ كله، وهي أنّه إذا اعتدى الزوجُ على زوجته بالضرب المبرّح الذي يؤدّي إلى كسور وأضرار، ولم تكن لها طريقٌ للهروب أو الاحتماء، فلها أن تدافع عن نفسها بضربه ﴿فمن اعتدى عليكُمْ فاعتدُوا عليه﴾.
إنّ الضرب الناشئ من امتناع الزوجة عن إعطاء حقّ زوجها الجنسيّ هو لمصلحة الزوجة أولاً، حتى لا يسعى الزوجُ إلى إشباع رغبته الجنسيّة خارج البيت، الأمرُ الذي سيُحْدث تأثيرًا سلبيّاً في الحياة الزوجيّة. وهذا بالطبع مشروط بألاّ يكون للزوجة عذر (عذر نفسيّ فوق العادة أو عذر صحّيّ...).
لو انعكست الآية، والزوجُ هو من امتنع عن زوجته...
لها الحقّ في حال عدم اقترابه منها، إذ يُعتبر هذا خطيئةً شرعًا. لكنّ الضرب لا يفيد في هذه الحال، لكونها غيرَ قادرة على الحصول على حقّها عندما تَضرب الرجلَ (فالقضيّة تنطلق من واقعيّة المسألة). وللزوجة أن ترفع أمرَها إلى الحاكم الشرعيّ، وله ـ وهو المجتهدُ العادل ـ أن يطلّقَها إذا طلبت الطلاقَ، لأنّ زوجها لم يقم لها بحقّها الجنسيّ (أو لم ينفقْ عليها).

 

 

هل تؤيّدون التعليم الدينيّ في كلّ المدارس، ومن ثم فرز المتعلّمين تلقائيّاً خصوصًا في المدارس المختلطة؟ وما هي ضوابطُ مثل هذا التعليم؟
لعلّ المشكلة هي أنّ التصوّرات الدينيّة لدى الأجيال الطالعة، بشكل عامّ، لم تنطلقْ من وجدانٍ دينيّ متوازن في المعرفة الدينيّة. فهي كثيرًا ما تأخذ هذه المعرفةَ من بيتٍ جاهلٍ على طريقة ﴿إنّا وَجدْنا آباءَنا على أمّةٍ وإنّا على آثارِهِم مُقْتدون﴾. ومن هنا فإنّ تصوّرهم الدينيّ يتحرّك في خطّ العصبيّة، في خطّ المفردات التي تجعل من الدين مشكلة لا حلاً. وهذا ما ألاحظه في الواقع الإسلاميّ الذي يتوزّع على سبّ المذاهب الإسلاميّة، إذ أرى نموّاً في العصبيّة يجعل المسلمَ حاقدًا على المسلم، وفي قضايا التكفير أو التضليل، أو في قضايا الإساءة إلى الشخصيّات المقدّسة. وبهذا فإنّ مسألة التعليم الدينيّ في المدارس أمرٌ ضروريّ، شرطَ أن ينطلق من الخطوط العامّة للدين من أجل بيان العقائد الأساسيّة التي تَربط الأديانَ بعضَها ببعض، والتي تؤكّد المسألةَ العقائديّة في الخطّ الثقافيّ لا الغريزيّ. وعندها لن يكون الدينُ مشكلة بل حلّ.

 

 

بالحديث عمّا يقرّب الأديان، هل تعتبرون أنّ الإصلاح الدينيّ مدخلٌ إلى حوار حقيقيّ بين المذاهب الإسلاميّة، وبين الإسلام والأديان الأخرى؟ أمْ أنّه سيُنتج مثلَ هذا الحوار؟
علينا أولاً أن ندرس مَنْ هو المُصلِح. ذلك لأنّ المُصلح من الناحية الرسميّة، كما ذكرنا، قد يَختزن في نفسه الكثيرَ من الإفساد الدينيّ بفعل الإرث العصبيّ الذي ورثه في بيئته عن آبائه وأجداده. وعند تصوّر الإصلاحَ الدينيّ، لا بدّ أن نركّز على بعض الأمور. أوّلاً المنهج القرآنيّ الذي خاطب به اللهُ أهلَ الكتاب عندما قال: ﴿قل يا أهلَ الكتاب تعالوْا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينَكم ألاّ نَعْبدَ إلاّ اللهَ وألاّ نشركََ به شيئًا ولا يتّخذَ بعضُنا بعضًا أربابًا من دونِ الله﴾. فهنا نلاحظ أنّ القرآن أكّد أنّ هناك أرضًا مشتركةً بين الإسلام من جهة، واليهوديّة والنصرانيّة اللتين يعبَّر عن أتباعهما بـ "أهل الكتاب" من جهةٍ أخرى؛ فهو يدعوهم إلى أن نلتقي على الكلمة السواء، وهي وحدانيّة الله، وعلى الوحدة الإنسانيّة، وهي ألاّ يكون الإنسانُ ربّاً للإنسان ومستعليًا عليه.

وفي حين تَشهد التفاصيلُ العقيديّة، وفي مسألة توحيد الله تحديدًا، خلافًا بين أتباع الأديان، فإنّ القرآن يتحدّث عن التوحيد: ﴿قلْ هوَ اللهُ أحد اللهُ الصمد لم يلِدْ ولم يولدْ ولم يكنْ له كُفُوًا أحد﴾؛ في حين ينطلق المسيحيّون في صلاتهم باسم الآب والابن والروح القدس إلهٌ واحد، وهو يعني تثليثَ الأقانيم للوصول إلى الإله الواحد؛ ويُنسب إلى اليهود أنهم يقولون عزير هو ابنُ الله. فالقرآن، إذنْ، ركّز على ضرورة أن نلتقي عند مواقع الوفاق، ونتركَ التفاصيلَ للحوار.
وفي الدائرة الإسلاميّة ذاتها نجد أنّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿واعتصِموا بحبلِ اللهِ جميعًا ولا تَفَرّقوا واذكُروا نعمةَ اللهِ عليكمْ إذْ كنتمْ أعداءً فألّفَ بين قلوبِكم فأصبحتُمْ بنعمتِهِ إخوانًا وكنتم على شفا حفْرةٍ من النارِ فأنقذكم منها﴾. ثم يؤكّد أنه قد تكون هناك خلافاتٌ بين المسلمين في الأبحاث الكلاميّة، وفي الحسن والقبح العقلييْن، وفي قضيّة الخلافة والإمامة، وفي النظرة إلى الشخصيّات التي يقدّسها فريقٌ دون آخر، وفي غير ذلك من المسائل الفقهيّة التي يلتقي فيها المسلمون الشيعةُ والسنّةُ بنسبة تسعين في المائة، لأنهم إذا خالفوا مذهبًا التقوْا في المذهب الثاني. وعلى هذا الأساس يقول الله: ﴿فإنْ تنازعتم في شيء فرُدُّوه إلى الله والرسول﴾.

فما دمتم أيها المسلمون تؤمنون بالكتاب والسنّة، فادرسوا في اختلافاتكم ماذا يقول الكتابُ لتلتقوا عليه، وما تقول السنّةُ الصحيحةُ الثابتةُ عن النبيّ لتلتقوا عليها، واعتمدوا الأسلوبَ العلميّ، وتحرّكوا بالحوار الموضوعيّ العقلانيّ لدرس القضايا من مصادرها، ولا تحاولوا أن تتحرّكوا في خلافاتكم كي يسجِّل كلّ فريقٍ نقطةً على الفريق الثاني؛ بل المسألة هي كيف يمكن أن نلتقي على القضايا التي توحّدنا وتقارب بيننا إذا لم نستطعْ أن نتوحّد.
ونلاحظ أنّ القرآن الكريم يؤكّد الجانبَ الإنسانيّ في قضيّة الحوار بين الأديان، فنقرأ: ﴿ولا تُجادلوا أهلََ الكتابِ إلاّ بالتي هيَ أحسنُ إلاّ الذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهُنا وإلهُكم واحد ونحن له مسلمون،﴾ و﴿ادعُ إلى سبيلِ ربّكَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلْهم بالتي هي أحسن﴾، و﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾.

 فالإسلام يريد من أتباعه عند حوارهم مع أهل الكتاب أن يجادلوهم بالأسلوب الذي يَفتح العقولَ والقلوبَ. واللغة التي تُستخدم في هذا المجال مهمّة، لأنّ بعض الكلمات قد يثير العصبيّةَ، والبعضَ الآخرَ يثير التفكير: فعندما أختلف معك، هناك فرقٌ بين أن أقول لك "إنكَ لا تفهم" وأن أقول لك "إنّ هناك وجهة نظر تختلف عن وجهة نظرك." النتيجة واحدة، لكنّ الكلمة الثانية تثير فيك التفكيرَ، بينما الأولى تثير العصبيّة.

 

 

بالحديث عن شخصيّة "المصْلح،" ظهرتْ في بدايات القرن الماضي شخصيّاتٌ إصلاحيّة، مثل الأفغاني وعبْده. كيف تقرأ الحركة الإصلاحيّة التي بدأها هذان الشيخان؟
بعد سقوط الخلافة العثمانيّة، حاول عبده والأفغاني أن يفتحا آفاقًا جديدةً لفهم النصّ القرآنيّ أو السّنَّتيّ. وربما نسجّل بعضَ الملاحظات على بعض منهج عبده، الذي حاول أن يُخضع الكثيرَ من المفردات القرآنيّة للاكتشافات الحديثة. أما بالنسبة إلى الأفغاني فقد حاول أن ينفتحَ على الوحدة الإسلاميّة في العلم الإسلاميّ، حتى يلتقي المسلمون على الفكر الأصيل الذي يجمعهم من خلال الكتاب والسنّة. ولذلك نعتبر أنّ هذين القياديين استطاعا أن يمثّلا بدايةَ عصر النهضة.
ثم نشأتْ بعدهما "حركةُ الإخوان المسلمين" على يد حسن البنّا، الذي كان وحدويّاً لأنه كان يقول إننا نلتقي على ما اتفقنا عليه ويعْذر بعضُنا بعضًا في ما اختلفنا فيه (ونحن نعلّق فنقول: بل يحاور بعضُنا بعضًا في ما اختلفنا فيه، على أساس النصّ القرآنيّ في ردّ الأمر إلى الله ورسوله).
ثم جاءت حركةُ التقريب بين المذاهب الإسلاميّة التي قادها الشيخ محمد تقي القمّي، بإشراف المرجع الدينيّ السيّد حسين البروجُردي في إيران، وأيضًا العلماء الأزهريّون مثل الشيخ عبد المجيد سليم والشيخ محمود شلتوت. وأعتقد أنّ هذه الحركة لو قُدِّر لها أن تمتدّ لاستطاعت أن تركّز الخطّ الإسلاميّ الأصيل من الناحية الثقافيّة، ومن الناحية الاجتماعيّة والسياسيّة في الاتجاه السليم.

 

 

ألا تعتقد أنّ أحد معوّقات الوصول إلى هذا الحوار وجودُ دولٍ ترعى مذاهبَ معيّنةً؟
من الطبيعيّ أنّ هناك دولاً ترتكز في سلطتها على المؤسّسة الدينيّة المتعصّبة، التي تكفّر المسلمين من السنّة أو الشيعة لمجرّد وجود اختلافاتٍ في تفسير آية أو حديث، الأمرُ الذي أكسبها قوّةً في واقع البلدان التي تَحْكمها. ونَذْكر في هذا المجال الفكرةَ الوهّابيّة التي يعتمد عليها الحكمُ في ذلك البلد، وربما في بعض بلدان الخليج. بل سمعنا أخيرًا أنّ مسؤولاً في ذلك البلد طالب المسلمين الشيعة بأن يحترموا المذهبَ السّنّيّ السلفيّ، ومعناه الوهابيّ الذي تأخذ به أكثريّةُ الشعب السعوديّ. وقد نُقل عن بعض المسؤولين أننا لا نستطيع الاصطدامَ بعلماء الدين لأنّهم يمثّلون القوّة التي يرتكز عليها النظام.

ومن الطبيعيّ أنّ ذلك أدّى إلى نشوء منظّمات كـ "رابطة العالم الإسلاميّ،" وبعض هيئات العلماء من أهل السنّة وربّما من الشيعة أيضًا، والتي أكّدت المفردات المثيرةَ للعصبيّة كـ "التكفيريين" في جانب، أو "التفسيقيين" في جانب آخر، أو الإساءة إلى مقدّسات هذا الفريق أو ذاك. ونحن نَعْرف من خلال الشعار الذي انطلق به الاستعمارُ البريطانيّ، "فرِّقْ تسُدْ،" أنّ الدول الكبرى التي تعتمد في ثرواتها ومصالحها على الثروات الطبيعيّة الموجودة في العالم العربيّ، وربّما في العالم الإسلاميّ، لا يمكنها أن تنال استقرارَها وحريّتَها في تحقيق مصالحها إلاّ من خلال الخلاف بين المسلمين الذين يمثّلون الأكثريّةَ في تلك المناطق. ولقد عاش السنّةُ والشيعةُ تاريخًا طويلاً من الخلافات، التي ربّما أدّت إلى الكثير من المآسي؛ وهو ما دفع، بدوره، إلى اختلاط الجانب السياسيّ بالجانب الدينيّ، وتحرّك فيه جانبُ التخلّف بجانب العلاقات الدوليّة، أو علاقات الحاكمين الذين هم شبهُ أمّيين.


سماحة السيّد، بعد هذا العمر الطويل في الاجتهاد، كيف ترى مستقبلَ إصلاح الفكر الدينيّ الإسلاميّ؟
لستُ متفائلاً، ولستُ أيضًا متشائمًا بدرجة كبيرة. أعتقد أنّ قضيّة المذهبيّة العصبيّة في الواقع الإسلاميّ تتحرّك في خطّيْن. الأوّل هو خطّ الوعي الثقافيّ الذي لا بدّ أن نركّز عليه، وأن نفتح آفاقَه في الواقع الإسلاميّ، ليفهمَ المسلمون دينَهم على أساس ما يوحِّدهم لا على أساس ما يمزّقهم ويفرّقهم، وبحيث تكون الخلافاتُ الاجتهاديّةُ مصدرً غنًى لا فقر؛ ذلك لأنّ المجتهد إذا كانت له وجهة نظر في فكرةٍ ما، في الجانب العقيديّ أو في الجانب الفقهيّ، فإنه ينطلق (كما ذكرنا) من الثقافة التي أَنتجتْ هذه الفكرة.

 ولذلك فإنّ الاجتهاد الإسلاميّ، هنا وهناك، يمثّل إثراءً للثقافة الإسلاميّة، لأنّ المسألة هي مسألة الخروج من التخلّف الذي يعيشه المسلمون في الداخل، ومن الأميّة الثقافيّة التي تشمل الكثيرَ من المسلمين، ومن السطحيّة في فهم الأشياء، ومن الانفعال الذي يسيطر على المسلم أمام بعض القضايا الحسّاسة في تفكيره وواقعه.
والخطّ الثاني هو مسألة التحرّر من ضغط الدول الكبرى، ولا سيّما أمريكا والاتحاد الأوروبيّ. فهذه الدول قد تبقى من خلال الأشخاص الذين وظّفتْهم ليكونوا حاكمين في البلاد الإسلاميّة، ولينفّذوا خططَها في الإبقاء على الخلاف بين المسلمين، وربّما أكّّدوا حكمَها لأنّ المسلمين إذا توحّدوا في بلادنا فربما يتوحّدون ضدّها وضدّ ظلمها واستكبارها. لهذا أصبحت المسألة الإسلاميّة مرتبطةً بالمسألة السياسيّة: فإذا استطعنا أن نتحرّر سياسيّاً، استطعنا أن نتحرّر أيضًا في وحدتنا الإسلاميّة.


(مصدر: مجلّة الآداب)

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.076 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com