سماحة الشيخ حبيب الكاظمي - 23/07/2008ظ… - 3:04 م | مرات القراءة: 318


إن هذه هي قصة الإنسان مع الحياة: فالحياة كلها خزائن، وكلها فرص؛ ولكن خصوص شهر رمضان، أن الخزائن فيه مفتحة أكثر.. والشيطان يغوي الإنسان أيضاً بالطعام والشراب والمنام؛ لئلا يخرج من هذا الشهر بفائدةٍ كبرى.. ولكن قد يقول قائل: ما هذا الكلام نحن قوم نصوم نهارنا، ونحضر المجالس ليلنا...

إن الشيطان للإنسان بالمرصاد، ويحاول أن يكثف جنوده، لصدّه عن المسير.. هناك قصة أسطورية تقول: إن أحد الملوك ضلّ في صحراء قاحلة، وأوشك على الموت جوعاً وعطشاً.. فجاءه أعرابي سقاه وأطعمه، وخلّصه من الموت.. فدعاه الملك لزيارته في مملكته؛ كي يكافئه، وعندما حضر لزيارته، قال له: أريد أن أكافئك مكافأة عظمى.. والمكافأة هي أن تذهب إلى خزانة مملكتي، وخذ من هذه الخزانة ما تريد من جواهر، ولك مدة ست ساعات، تجمع ما تشاء من الذهب والحلي وغيره.. ففرح الأعرابي بهذا العرض، وذهب إلى الخزانة.. ولكن في زاوية القصر كان هناك مائدة شهية، فقال: لدي ست ساعات، وهي كثيرة لجمع هذه الحلي وغيره.. وبالتالي، فإن هناك متسعا من الوقت، كي أتناول من هذا الطعام الشهي.. وبعد الانتهاء من الطعام، رأى في زاوية أخرى فراشاً وثيراً ناعماً، فغلبه النعاس، فقال: أيضا هناك وقت كي أنام وأرتاح وأكتسب القوة، ثم أستيقظ وأجمع كلّ ما في الخزانة من لآلئ.. فنام واستغرق في النوم، وإذا بالساعات الست تنتهي.. فجاءه الحرس وطلبوا منه الخروج من القصر، فرجع بخفي حنين!..

- إن هذه هي قصة الإنسان مع الحياة: فالحياة كلها خزائن، وكلها فرص؛ ولكن خصوص شهر رمضان، أن الخزائن فيه مفتحة أكثر.. والشيطان يغوي الإنسان أيضاً بالطعام والشراب والمنام؛ لئلا يخرج من هذا الشهر بفائدةٍ كبرى.. ولكن قد يقول قائل: ما هذا الكلام نحن قوم نصوم نهارنا، ونحضر المجالس ليلنا، ونصلي لله -عزّ وجل- بعض النوافل.. فإذن، كلّ هذه خزائن، وكلّ هذه جواهر؛ فكيف نخرج من هذا الشهر بلا تلك الحصيلة الكبرى؟!..

الجواب: إن هناك فرقا بين عالم الملك وعالم الملكوت.. إن ربّ العالمين يمنُّ على إبراهيم -عليه السلام- بأنه يريه ملكوت السموات والأرض، {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}.. فهذا الصيام ملك، وهذا الصيام ظاهر، وهذه المجالس والصلوات؛ كلها هي عبارة عن صوم العوام.. حيث أن هناك ثلاثة أنواع للصوم: صوم العوام، وصوم الخواص، وصوم خواص الخواص.

أولاً: صوم العوام: إن صوم العوام، هو الكفّ عن الطعام والشراب؛ أي حركة بدنية.. والحج بمعنى طواف البيت والسعي والرمي، والصلاة بمعنى الركوع والسجود والتكبير والتشهد والتسليم؛ كذلك هي حركات بدنية.. ولهذا بعض الناس -مع الأسف- يقول: من فوائد صلاة الفجر، أنها رياضة صباحية.. هذا صحيح صلاة الفجر والصلوات اليومية، إن جردت من المضامين ومن الروح التفاعلية، لم تعدُ أن تكون حركات رياضية.. والحج والصوم كذلك.

فإذن، إذا لم يدخل الإنسان إلى ملكوت العبادات؛ فإنّ هذه العبادات سوف لن تعطي ثمارها.. وذلك لأن الاطمئنان هو ثمرة الذكر {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، فالاطمئنان متعلقٌ بالقلب.. إن (الصلاة معراج المؤمن)؛ ولكن ليس هناك من يعرج إلى السماء، وإنما الذي يصعد إلى الملكوت الأعلى هي الروح، ولهذا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- خُصّ بهذه الخاصية (وعرجت به إلى سمائك).. وعليه، فإن الذي يريد أن يحقق خاصية في القلب؛ لابدّ وأن يقوم بأعمال القلب.. أي يجب أن يكون هنالك حركة في الباطن، لا حركة في الظاهر.. فالصوم له ملك، وهو ما يقوم به الصائم من الصباح إلى المساء، وبعض الأوقات الأطفال يشتركون في هذه العملية.. وبالتالي، لابدَّ من البحث عن صوم من نوع آخر، ألا وهو صوم الخواص.

ثانياً: صوم الخواص: إن صوم الخواص، هو أن يعيش الإنسان حالة المحضرية لله -عزّ وجلّ-.. المحضرية التي تردع الإنسان عن المعاصي والذنوب، وهذه طريقة من طرق الردع عن المعاصي والذنوب.. حيث أن هنالك طرقا للتخويف، ومنها: التخويف بنار جهنم، والتخويف بالعقارب والحيات؛ ولكن هذه الطريقة غير ناجعة في أغلب الأحيان.. وذلك لأن الإنسان الذي يريد أن يتمتع بعاجل المتاع، عندما يخوف بالعقارب والحيات بعد ملايين السنين، يقول: أستمتع بالدنيا أيام الشباب، ثم بعد ذلك أستقيم في مشيتي، وأذهب إلى الحج، وإلى العمرة.. وبذلك أجمع بين الجنة، وبين المتاع العاجل.. فإذن، ما الذي يردع الإنسان عن المعصية؟..
مثلا: الإنسان في الطرقات السريعة يمشي بسرعة خيالية، ولكن عندما يرى من بعيد إشارة المرور، وقد تكون علامة لشيء آخر، ولكن مجرد احتمال أن يراه شرطي المرور وهو بهذه الحالة، يجعله يخفف من السرعة.. فهو لا يقطع بالعقوبة، ولكن احتمال العقوبة والاستحياء، يجعله يقدم على تخفيف السرعة.. والمؤمن إذا وصل إلى هذه الحالة من المعايشة للمحضرية الإلهية، كفى ذلك رادعاً له!.. حتى لو قيل لهذا الإنسان: أنّ هذه المعاصي لا عقاب عليها، ولكن الله -عزّ وجلّ- لا يرتضيها، لو جاء جبرائيل وقال: إن ربّ العالمين من هذه الليلة حوّل كلّ المحرمات إلى مكروهات؛ أي أن الله لا يحبّ هذه الأمور، ولكن لو قام بها الإنسان فإنه لا يعاقب عليها.. ربما لا يبقى أحد إلا ويرتكب هذه المحرمات، ولكن الذي يعيش المحضرية الإلهية، يقول: هذا الخبر لن يؤثر في حياتي أبداً، مادام ربّ العالمين يكره هذا العمل، كفاني ذلك!..

- إن هذه الفقرة في دعاء كميل: (وأجتمع في جوارك مع المؤمنين)؛ أي يا رب، أنا لا أفكر في الحور ولا في القصور، فهذا آخر ما يهمني يوم القيامة.. وكل ما أريده أن أكون معك وجاراً لك وبجوارك مع المؤمنين.. إذا أراد الإنسان أن يصل إلى جوار النبي وآله، فإن هذا يحتاج إلى صبر، وأن يعيش هذه الدنيا بحلوها ومرها، ثم عالم البرزخ بطوله {وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} ثم عرصات يوم القيامة بأهوالها، ثم يدخل الجنة.. عندئذٍ البعض قد يكون بجوار محمد وآل محمد، وقد لا يكون بجواره -عليه أفضل الصلاة والسلام-، في بعض الروايات البعض يدخل الجنة لكنه ضيف، وهناك فرق بين ضيفان الجنة وبين من يجاور النبي (ص).. وجوار النبي وآله يحتاج إلى صبر طويل، ولكن من أراد أن يكون كذلك، ومن أراد أن يكون في محضر الله -عزّ وجلّ- مستمتعاً بالقرب منه، هل يحتاج إلى عالم البرزخ؟.. وهل يحتاج أن يطوي عالم عرصات القيامة؟.. وهل يحتاج أن يدخل الجنة حتماً؟!.. ألا يستطيع أن يكون كذلك وهو في الحياة الدنيا؟!..

الجواب: نعم، يستطيع أن يكون كذلك عندما يبرمج نفسه منذ أول الشهر الكريم -مثلا- كي يحقق في هذا الشهر ما لم يحققه في السنوات الماضية، فيحدث نفسه: يا نفس، إلى متى تكررين المكرر، وإلى متى تعيدين سيرة الحياة؟.. إن بعض الناس -على أحسن التقادير- ورقة جميلة في جهاز استنساخ عملاق، وفي كلّ يوم يستنسخ صفحة من هذا الجهاز، ثلاثمائة وستون صفحة، ولكن -مع الأسف- كلّ الصفحات متشابهة، الصفحة الأولى كالثانية كالثالثة كالرابعة، هذا على أحسن التقادير.. وقد تكون الصفحات الأولى جميلة، وقد تكون الصفحات الأخرى خالية، والصفحات الأخيرة قبيحة.. في الكتاب ألوان جميلة، ثلثه خال لا خير ولا شر فيه، والثلث الأخير سواد وظلمة.. إلى متى نجلد كتابا بثلاثمائة وستين صفحة، ونجعلها في رفّ العمر.. ستون سنة عبارة عن ستين مجلدا لا جديد فيه، أليس (المغبون من تساوى يوماه)!.. نحن قوم نفرح بأننا هذه السنة نصوم، ونصلي، في كل يوم صلاة على أحسن التقادير كالأمس؛ لا بد أن نقوم بنقلة نوعية في حياتنا.. من يوفق للعمرة أو للحج، فليذهب تحت الميزاب أو إلى الحطيم بين الباب والحجر، وليطلب من الله -عز وجل- أن يبعثه بعثا جديدا، فيقول: يا رب، كما بعثت نبيك -صلوات الله عليه وسلامه- بالرسالة، ابعثني بعثا جديدا، أنا لست بصاحب رسالة، ولكن اجعلني من أتباع هذه الرسالة في بعث جديد.. ألا نقرأ في المبعث (وقد علمت أن أفضل زاد الراحل إليك، عزم إرادة يختارك بها)، (وإنك لا تحتجب عن خلقك، إلاّ أن تحجبهم الأعمال دونك).
فإذن، إن صوم الخواص: أن يصل العبد إلى مرحلة يستحي أن يرتكب فيها المنكر، فالقضية ليست قضية خوف وقضية رعب.

ثالثاً: صوم خواص الخواص: إن صوم خواص الخواص، هو أن يصل الإنسان إلى مرحلة لا يرى في الوجود مؤثرا ولا مالكاً إلا هو، أزمة العباد كلها بيده.. الإنسان الذي يقف أمام بعض أهل الدنيا من الذين يخاف من سطوتهم، وقلبه ينبض سريعاً، فليعلم أنه ليس على خير!.. كيف يخاف الإنسان من عبد مسكين مثله، وإن كان عليه ما عليه من الهالة الكاذبة؟!.. أحد المراجع الكبار يقول: من القبيح أن يستجدي الإنسان من مستجدٍ مثله!.. لأن الناس هم الفقراء إلى الله -عزّ وجل-، من في هذا الوجود له وزن في قبال وجود رب العالمين؟.. عندما يقف الإنسان أمام شخصية يخافها الناس ويجلونها لأي داعٍ كان، عليه أن يتذكر كلام أمير المؤمنين (ع)، الذي يقول عن بني آدم: (أوله نطفة قذرة، وآخر جيفة نتنة.. وهو فيما بينهما يحمل العَذِرَة)؛ هذا هو بني آدم!.. هل يُخاف من هذا الإنسان؟.. وهل هكذا إنسان يُرجى؟.. طبعاً الإنسان الذي لا صلة له برب العالمين يخاف ويرجو؛ لأنه لا يرى ما وراء الأكمة، ولا يرى ما وراء الستار.. فصوم خواص الخواص، أن لا يرى الإنسان في الوجود غيره تعالى.

- إن القرآن الكريم يقول: {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}؛ لماذا قال الله -عز وجل-: {إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم}؛ لماذا لم يقل: إلا من أتى بعملٍ صالح؟.. أين الصلاة، وأين الصيام، وأين الحج؟.. هذا الجسم المسكين صام، وسعى بين الصفا والمروة، وصلى وقام.. أين حق الأبدان؟..

الجواب: إن الشيك الذي فيه عدد كبير من الأصفار، مهما بلغ عدد الأصفار لا قيمة لها، إلا عندما يضاف عدد إليها.. وأعمال بني آدم كذلك هي أصفار لا قيمة لها، إلا بوجود القلب السليم.. والقلب السليم في بعض التفاسير: هو الذي يلقى الله -عز وجل- وليس فيه إلا رب العالمين!.. هذه مرحلة عالية، يجب الوصول إليها، والعجب هو بعدم الوصول إليها!.. أين التراب ورب الأرباب؟.. أين الفاني وأين الباقي؟.. أين الممكن وأين الواجب؟.. في المناجاة يقول الإمام (ع): (مولاي يا مولاي!.. أنت المولى وأنا العبد، وهل يرحم العبد إلا المولى؟.. مولاي يا مولاي!.. أنت المالك وأنا المملوك، وهل يرحم المملوك إلا المالك؟.. مولاي يا مولاي!.. أنت العزيز وأنا الذليل، وهل يرحم الذليل إلا العزيز؟.. مولاي يا مولاي!.. أنت الخالق وأنا المخلوق، وهل يرحم المخلوق إلا الخالق؟.. مولاي يا مولاي!.. أنت العظيم وأنا الحقير، وهل يرحم الحقير إلا العظيم؟.. مولاي يا مولاي!.. أنت القوي وأنا الضعيف، وهل يرحم الضعيف إلا القوي؟.. مولاي يا مولاي!.. أنت الغني وأنا الفقير، وهل يرحم الفقير إلا الغني؟.. مولاي يا مولاي!.. أنت المعطي وأنا السائل، وهل يرحم السائل إلا المعطي؟.. مولاي يا مولاي!.. أنت الحي وأنا الميت، وهل يرحم الميت إلا الحي؟.. مولاي يا مولاي!.. أنت الباقي وأنا الفاني، وهل يرحم الفاني إلا الباقي؟.. مولاي يا مولاي!.. أنت الدائم وأنا الزائل، وهل يرحم الزائل إلا الدائم)؟.. فإذن، هذه حالة راقية جدا أن لا يرى الإنسان سواه، والعجب أن يرى سواه.. هذا هو صوم خواص الخواص

 



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.07 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com