23/01/2009ظ… - 11:34 ص | مرات القراءة: 1079


«كان الجو مشمسا في خليج عدن ، و«سيريوس ستار» تتراقص على صفحـة الماء ، كأنها مصنوعـة من الورق ،

هذه ليست المرة الاولى التي يبحر فيها على متن ناقلات النفط العملاقـة ولن تكون الاخيرة ، إلا أن قلبـه كان مقبوضا ينبئ بشئ غامض ، ولم تمر لحظات حتى سمع طلقات رصاص ، خرج الى السطح فوجد ملثمين مسلحين يشهرون أسلحتهم الرشاشـة في وجـه الجميع ، إنهم قراصنـة الصومال ، ... مر شريط حياتـه امام ناظريه كأنه شريط سينمائي .. امه ووالده ، واخوته ، أصدقاؤه ، الوطن ، حي «تركيا» في القطيف .. هؤلاء الذين أخطأ في حقهم ويرغب في الاعتذار لهم .. سقطت دمعة على خديه وشخص ببصره الى السماء وتلا الشهادتين واغمض عينيه ، وكأنه يودع الحياة» ... «لم يكن ما سبق جزءا من فيلم سينمائي ولكنه كان جزءا مما مر به العائد من رحلة الموت الشاب حسين موسى آل حمزة الذي كتبت له الاقدار النجاة من الموت والعودة بعد 57 يوما قضاها مختطفا بين أيدي قراصنة الصومال ، حكايات وأهوال يحكيها البحار حسين موسى آل حمزة لـ «اليوم» ، وعن معايشته للأسر طوال هذه الفترة ، واللحظات الصعبة والمرعبة التي عاشها على ظهر الناقلة، مع 24 فردا، كلهم أجانب» .


أسلحة رشاشة


* قل لنا الحكاية من البداية وكيف وقعت السفينة في الأسر ؟


- روى آل حمزة قصة الـ57 يوماً، التي قضوها أثناء عملية اختطاف الناقلة، قائلاً : «كانت الأجواء مشمسة، والأمواج هادئة أثناء سيرنا في خليج عدن، إذ فوجئنا حينها بقاربي صيد يطارداننا، وعلى متنهما 8 أشخاص، محملين بأسلحة متطورة من نوع الـ«آر بي جي»، وأسلحة رشاشة متطورة، وطالبوا بإيقاف الناقلة، ثم صعدوا عليها بسلالم من الحبال ، وطالبوا بالتوجه بها إلى مقابل السواحل الصومالية، بعد أن انضمت إليهم مجموعة أخرى، فأصبحوا نحو 13 شخصاً» وأضاف : وبعد وقوف الناقلة بشكل نهائي، طلب القراصنة من الطاقم التجمع في احدى الغرف، وعدم الخروج منها، و«قمنا بتلبية طلبهم»، مشيراً إلى منع أفراد الطاقم كافة من فتح الستائر، والنظر من خلال النوافذ. وقال : «كنا نستسلم لأوامر القراصنة طوال الوقت، فقد كانوا يتناوبون على حراسة الناقلة بشكل دائم طوال ساعات اليوم» .


3 اتصالات


* كيف تصرف القراصنة معكم ؟


- كانوا يسألونني هل أنت مسلم ؟ ويطالبون بالتأكد من ذلك، من خلال عرض المصحف أمامهم، فقمت مرة بعرضه لهم، ولاحظت هدوءاً ينتابهم في تلك اللحظات، يدوم لنحو 15 دقيقة، ولكنهم سرعان ما يعودون إلى طباعهم العدوانية. ويتذكر آل حمزة، طلب القبطان من القراصنة، السماح لطاقم الناقلة بالتواصل هاتفياً، «مكنني ذلك من التواصل مع أسرتي من خلال 3 اتصالات أجريتها، لم يتجاوز الواحد منها 3 دقائق» مشيرا إلى قيام القبطان «بالتحكم في الوجبات الغذائية المقدمة لأفراد الطاقم، تفادياً لنفادها» مشيرا الى حالة القلق على المصير، حيث واجهنا الرتابة والملل، ولكننا ولله الحمد، تجاوزنا المحنة، وعدنا سالمين إلى أحضان أسرنا، وإن شاء الله نعود إلى عملنا .


قنابل و«أر بي جي»


* هل شعرت بالخوف مما يحدث حولك ؟


- قال الشاب حمزة بعد أن مسح وجهه بكفيه وكأنه يحاول تذكر أحداث حلم مزعج : كنت نائما في فترة راحة ، «عندما سمعت صوت الإنذار صحونا، واجتمع كل من في الناقلة في مكان واحد، حيث كنا بعيدين عن البر قرابة (570) ميلا»، مستطردا «لاحظنا اثنين من الطرادات تقوم بمحاصرتنا أكثر من ساعتين ومعهم أسلحة ثقيلة (آر بي جي) وقنابل، وبعد مدة قصيرة وصل عدد الطرادات إلى 8، وهنا شعرنا أن العملية جدية ودخلت في مرحلة الخطر، وعند وصولنا إلى السواحل الصومالية وصل عدد الطرادات المحيطة بنا إلى 37 طراداً وسط صيحات وتشجيع وهتافات وأغنيات القراصنة» ، مشيرا إلى أن «فريق الناقلة كان يعتقد أن العملية لا تتعدى عملية السلب وأخذ ما خف وزنه من أجهزة ومبالغ وخلافها، ولكن اتضح لنا في ما بعد أن هدفهم أكبر من ذلك».


ذبح الخراف


* وكيف كانت الحياة طوال هذه الفترة ولم تفكروا في الهروب ؟


- قال حسين بهدوء ومشيرا بيديه : المسافة كانت بعيدة عن أية جهة يمكن إرسال استغاثة لها، وعندما وصلنا إلى مكان إرسال ملائم، كانت الناقلة تحت سيطرة القراصنة بشكل كامل وأن أيا من فريق الناقلة لم يتعرض لأي ضرب أو تعذيب، منوها بحكمة قبطان الناقلة في تصريف الأمور وانتباهه إلى كل المسائل بما فيها الاقتصاد في الطعام، لكي تكفينا المؤونة إلى أطول مدة ممكنة، كما كان يخبئ الطعام عن القراصنة الذين عبثوا في كل شيء، وذبحوا الخراف على مؤخرة الناقلة احتفالا بهذ الصيد الثمين ، وأضاف : ان الشركة كانت على اتصال دائم مع قائد الناقلة ، يطمئنها عن جميع أفراد الطاقم، وكان القراصنة يسمحون لنا بالتحدث مدة لا تتجاوز الدقيقتين وأحيانا 3 دقائق من هاتف السفينة .


طلبوا القرآن


* كيف كنت تقضي أوقاتك على ظهر السفينة ؟


- قال حسين وكأنه لم يستوعب بعد أنه عاد الى ارض الوطن ! أو كأنه كان في كابوس أفاق منه ولا يرغب في تذكر أحداثه : كانت الحياة في اول الامر خوفا ورعبا من المصير المجهول ، وكانت الاتصالات للأهل تهون علينا ما نحن فيه انا وبقية الطاقم ، ولكن مع مرور الوقت بدأت أشعر بالملل والرتابة ، وكنت اقضي معظم الوقت أنا ومن معي داخل غرفة واحدة كبيرة مثل غرفة التوقيف ، وكنا ندخل الحمام بإذن وفي مواعيد محددة ، حيث سمح لنا القراصنة بـ 3 مرات في اليوم ، أما الطعام فكان قليلا ، ولاحظت انهم يصلون ، ويتكلمون قليلا من اللغة العربية ، وأتذكر ايضا أنهم طلبوا مني أن أقرأ لهم القرآن الكريم ليتأكدوا أنني مسلم ، وبالفعل كنت أقرأ لهم ما تيسر من قصار السور ، فكان القرآن سدا منيعا ضد قتلي او التصرف معي بطريقة همجية أو فيها وحشية.


طرئف وعجائب


* هل قابلتك مواقف طريفة خلال هذه الفترة ؟


- يكشف حسين عن جانب فكاهي في رحلة الموت فيقول : في الوقت الذي لم نكن نعرف فيه مصيرنا وهل سنعود الى اوطاننا أم لا كانت هناك لحظات ضحك وابتسام ، فمثلا القراصنة كانوا يشاركوننا في لعب التنس والبلاي ستيشن وهذه أشياء غريبة بالنسبة اليهم ، حتى أن نوعا من الالفة والصداقة نشأت بيننا وبينهم برغم الاسلحة التي كانوا يحملونها على ظهورهم ، ويضيف ايضا : ان القراصنة استغربوا من سترات النجاة الموجودة معنا فرموها في البحر وأثناء الليل خرج منها ضوء فأطلقوا عليها النار ظنا منهم أنها عدو يهاجمهم .


بكاء امي


* وماذا عن المواقف الصعبة ؟


- أما المواقف الصعبة التي مر بها حسين فيذكر موقفا كاد يدفع حياته ثمنا بسببه .. فقد كان يتحدث مع الوالدة هاتفيا وتجاوز المدة المحددة فسحب أحدهم الهاتف منه بالقوة ، ويقول متذكرا : في هذه اللحظة سمعت صوت أمي يبكي فهز الموقف اعماقي «فسحبت قطعة حديد وأردت أن اضرب ذلك القرصان ، إلا أنهم هددوني بالاسلحة وكادوا يطلقون علي الرصاص لولا تدخل القبطان الذي هدأ الموقف» .


تسلم الفدية


* ومتى تسلم القراصنة الفدية ؟


- يحكي حسين قائلا : والله موضوع الفدية طول ، وشعرنا جميعا بالملل ، وأن العالم نسينا ، حتى ان القراصنة كانوا يتحدثون ماذا سيفعلون بنا لو لم يستجب احد لطلباتهم ، منهم من أشار بتخريب السفينة ، ومنهم من أشار الى تركنا في حال سبيلنا ، ولكن بعد مضي الوقت حامت طائرة فوق السفينة وأسقطت حقيبة كبيرة كان بها مبلغ الفدية ليتسلمها القراصنة، وتجمع 30 شخصاً وتقاسموا المبلغ . كما رأيت، وبقية الطاقم، انقلاب أحد مراكب الصيد التي يتنقل بها القراصنة، بعد حصولهم على الفدية ، ساعتها استبشرنا خيرا وانهم سيطلقون سراحنا وقد كان .


البحر صديقي


* هل فكرت في ترك هذه المهنة بعد هذه التجربة الصعبة ؟


- يقول : ان البحث عن لقمة العيش جعلني أختار هذه المهنة التي درستها لدى شركة أرامكو السعودية وأمارسها مدة تصل إلى 4 أشهر متواصلة أحيانا على ظهر إحدى البواخر ثم أعود وأرتاح لمدة شهرين وهكذا ، كما أنني عاشق للبحر بطبعي وبحكم حياتي في القطيف ، فالبحر جزء من حياتنا ، حتى إنني أشعر أحيانا أنه صديقي الذي ابثه همي وحزني في اوقات كثيرة ولن أتخلى عن هذه المهنة أبدا .
وحول طبيعة عمله على ظهر الباخرة، قال إن «عملي متعدد فمرة أساعد قائد السفينة في عمليات القيادة، ومرة أخرى أنفذ عمليات المراقبة وغيرها وما يتم إسناده من قبل قبطان الباخرة» مؤكدا أن ما حدث قدره وأنه عازم على الذهاب في الرحلات الجديدة للشركة كاشفا عن مصادفة غريبة حيث كان بعض أصدقائه يطلبون منه عدم الذهاب خشية عليه من الوقوع في أيدي القراصنة، وهو ما حدث بالفعل للناقلة التي كان على ظهرها .


لا للخصام


* ما الدروس التي خرجت بها من رحلة الموت هذه ؟


- قال حسين بعد صمت طويل وتنهد كأنه يزيح شيئا ما عن صدره : اهم درس خرجت به من هذه التجربة هو الايمان بالله ، وأن لكل إنسان موعده الذي يموت فيه ، وانا كنت قريبا من الموت ومع ذلك نجوت بفضل الله ، كما خرجت بدرس مفاده ان الدنيا لا تستحق منا أن نتصارع عليها وان نتشاجر على متاعها الفاني ، استفدت أيضا أن اتصالح مع نفسي ومع الناس فلا مجال للخصام مع أحد .


أسرتي


* من اكثر شخص كنت تفكر فيه طوال فترة الغياب ؟


- قالها وبلا تفكير : بصراحة أمي .. امي كانت الشخص الوحيد الذي افكر فيه ليلا ونهارا ، وطبعا كل أفراد أسرتي ، كنت أفكر في إخوتي ، وماذا سيفعلون إذا أصابني مكروه لا سمح الله ، خاصة وأنا اساعد والدي في مطالب الحياة ، فكما قلت لك ان لقمة العيش هي التي دفعتني لهذه المهنة .


اليوم

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.064 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com