16/12/2006ظ… - 5:45 ص | مرات القراءة: 598


(فهم واقعي وبناء، ودعم العراق الجديد.. ام مكافئة المعتدي، وعودة لاساليب قمع الانتفاضة)......... ( بقلم : د. عادل عبد المهدي )




مقدمة

 

رغم كل الانجازات الاخيرة التي حققها الشعب العراقي الا ان الازمة الراهنة في البلاد وتدهور الاوضاع بسبب الارهاب والتخريب والعنف الطائفي وعدم تقدم الخدمات تهدد بنسف هذه الانجازات  والمكاسب العظيمة... لذلك عندما يتكلم التقرير عن الازمة وسوء الاوضاع فانه لا يجافي الحقيقة. الازمة في العراق لها عوامل انية وبعيدة. والوقوف عند جانب واحد وعدم استذكار الجانب الاخر سيوقعنا في عدم التوازن والدقة.. الازمة في العراق تتراكم عواملها منذ عقود. وان تفجرها بهذا الشكل المخيف هو كم من العقد والمشاكل اذا لم تموضع جيداً تاريخياً وحاضراً، فان تقديم الحلول يصبح امراً متعذراً: دون فهم موضوعي وجيد للسنة والشيعة والكرد ودورهم في الحكم سابقاً وحالياً.. دون فهم صحيح لعلاقة ايران والشيعة والعراق والبلدان العربية.. و الدول العربية والشيعة والسنة والكرد.. و تركيا والكرد والتركمان. اذا لم ير التقرير الفترة الصدامية والاختناقات والحروب الداخلية والخارجية.. وتدويل القضية العراقية.. واثرها في الازمة الراهنة، فان الحلول المقدمة فيما يخص القوى المسلحة.. والعنف.. والفساد.. واداء الحكومة.. والتوازنات والمشاركة والمصالحة الوطنية.. والمركزية واللامركزية والفيدرالية.. وحدود المحافظات وكركوك  وغيرها من امور، نقول ان الحلول ستفتقد الخلفيات المتكاملة و الاطمئنان الى التوصيات والحلول المقدمة. التقرير اغفل الجانب التاريخي والمعمق للمشكلة العراقية.. وحاول عبر منقولات سطحية بناء استراتيجيات. فكانت مسألة اطار التقرير وخلفياته احدى مشاكله في تشخيص المرض بكل ابعاده وفي تقديم الحلول الناجحة والعملية بكل جوانبها ايضاً.

 

غياب هذا الجانب خطير جداً، خصوصاً وهو يشير في مواقع من التقرير الى "اننا نعتمد كثيراً على الاخرين لتقديم المعلومات لنا، وغالباً لا نفهم ما نقرره لاننا لا نفهم مضمون ما نخبر به ص94".. وفي مجموع السفارة الامريكية في بغداد التي يبلغ عددها 1000 موظف هناك 33 يتكلمون العربية وان 6 منهم فقط بمستوى جيد.. وان هناك اقل من 10 من المحللين..  تتجاوز خدمتهم العامين لتحليل التمرد.. وان المحللين الذين يكسبون تجربة غالباً ما يتم نقلهم ليأتي محللين جدد.. ويقرر التقرير في الصفحة 94 بانه لا يوجد جهد كاف " لتشخيص مواقع الارهاب وتصنيفها طائفياً وفهمها على الصعيدين الوطني والمحلي.. ومعرفة الطبيعية الاجتماعية للتنظيم وقيادتها وتمويلها وعمليات الميليشيات وعلاقتها بالقوات الحكومية الامنية، فنحن متخلفون تماماً عما يجب لصناع السياسة ان يعرفوه (ليقرروا سياساتهم)".. فاذا كانت هذه هي الحقيقة فهل تم تجاوز هذه النواقص لتقديم التوصيات ام زدنا في الطين بلة.. وتم الاعتماد على اقاويل لم تفهم مضامينها.. وهذا ما نعتقد ان التقرير قد وقع فيه في مواقع عديدة.  فهو تقرير اعتمد على بعض السماعيات مع نقص خطير في معرفة تلاوين وتداخلات الملف العراقي. فاراد ارضاء طرف فسقط في اثارة قلق بل وغضب مختلف الاطراف. واراد تفعيل الية وزخم فهدد تدمير اليات وزخم اكبر واعظم.

 

ان موقف السيد بيكر وفريقه يذكرنا –عندما كان السيد بيكر وزيراً للخارجية- بكيفية معالجة  الموقف  عند الانتفاضة في شعبان/اذار 1991 وما اثارته من مخاوف داخلية او لدى بعض الدول الاقليمية.. وما طرحته بعض الدوائر عن  دور ايران.. والكلام عن تقسيم العراق.. وقيام دولة كردية في الشمال.. وشيعية في الجنوب..الخ. عندما قبل ذلك المنطق حينذاك، قبل معه السماح للجيش العراقي للتعامل مع الانتفاضة بالشكل المعروف والتي قادت الى تلك الجرائم البشعة.. والى تحمل الولايات المتحدة تلك المسؤولية الاخلاقية والعملية التي سمحت بابادة العراقيين وحجز الطريق امام حل ناجز. فبذل ان يسمح للعراقيين بالتقدم نحو حل جذري كان سيجنب العراق كل تلك المآسي، سمح لصدام بضرب الانتفاضة والانتقام من العراقين.. ودخل العراق نفقاً مظلماً ما زلنا نعيش تداعياته. سماعيات سطحية و استنتاجات سريعة وسياسات تكتيكية وقصيرة قادت لاحقاً لحرب قاسية سرعان ما ارتدت على الولايات المتحدة نفسها، وهو ما يحاول تقرير بيكر ان يعالجه اليوم.. ورغم ادراكنا لفارق الموضوع والزمن، الا اننا نرجو ان لا يتم التعامل مع تدهور الاوضاع حالياً بنفس العقلية والمعالجات المتسرعة التي تعاملت مع الانتفاضة فزادت من معاناة الجميع بدون استثناء. فكما يذكر التقرير نفسه في احدى فقراته.. فان حلولاً غير صحيحة ستقود الى عودة الولايات المتحدة الى العراق حتى وان انسحبت منه حالياً..

 

 الحل الصحيح يأتي مع الفهم الصحيح. فكما يجب ان نصارح شعبنا في العراق فان على الساسة الامريكان ان يصارحوا شعبهم ورأيهم العام.. فالجميع يتحمل المسؤولية التاريخية والاخطاء الظرفية..  ولعل الطرف الاقل مسؤولية في ذلك هو الشعب العراقي وقواه السياسية والتي قالت دائماً كلمتها الصادقة وسعت لتحمل مسؤولياتها،  دون ان يلتفت اليها غالباً بما يكفي.. ففرضت عليها سياسات صارت وكأنها المسؤولة عنها.

 

ورغم فارق الاوضاع والقوى لكن اللعب على نفس الاوتار والمباني امر مقلق ومثير. هناك غلو في وصف امور وتخفيف في تشخيص اخرى لا لشيء سوى لاعتبارات لها علاقة باشياء كثيرة الا الفهم الموضوعي للاوضاع.. فالتقرير ينقل كلاماً سطحياً عن  دور ايران الحقيقي ("انك لو بحثت خلف اي حجر في العراق فستجد تحته ايران، كما ينقل التقرير عن ما يسميه قيادي سني: ص28)  والمخاوف العربية من التمدد الشيعي (الكلام عن شيعستان عند الكلام عن الفيدرالية ص18)  وخطر الانفصال الكردي وتمزق الدولة العراقية لتكرر التوصيات غير الدقيقة واحيانا المغلوطة. والتضخيم المغالى فيه  لمسألة رفع العلم العراقي الحالي في كردستان، وكأن العلم العراقي لم يغير- بمعدل لا يقل عن مرة واحدة في كل عقد خلال نصف القرن المنصرم- مع كل انقلاب عسكري او نزوة حاكمة، دون ان يثير ذلك احتجاجاً داخلياً او خارجياً من احد، لا يغير من ذلك اننا لم نتفق مع بعض الاخوة الكرد في هذه المسألة مع احترامنا للتوضيحات التي صدرت من جانبهم والقائلة انهم سيقاتلون تحت راية العلم  الذي سيختاره الشعب العراقي.

 

 فهناك اعتباطية غير مقبولة في التقرير في توصيف الاشياء وفي طريقة فهمها لتصاغ نحو وجهة لا يمكن لتلك القوالب والاطارات والمقدمات الا ان تفرز بعض تلك الاستنتاجات..  فالتقرير يصف "السنة العرب عموماً وطنين عراقيين، ويعتقدون انهم يجب ان يحكموا ص18"، بالمقابل يقول التقرير ان فريق السيد بيكر "وجد القادة الشيعة والكرد الرئيسيين اقل التزاماً بالمصالحة الوطنية. وان قائداً شيعياً بارزاً اخبرنا بان 80% من الشعب يؤيد الحكومة الحالية، فاستثنى بوضوح السنة العرب ص19". فعندما يغفل معدو التقرير ان هذه هي النسبة التي صوت عليها الشعب العراقي في الانتخابات التي شارك فيها الجميع من سنة وشيعة واكراد، فان استنتاجاتهم ستأتي مغلوطة. وهذا خطأ وقع فيه التقرير في مواقع عديدة واساسية..

 

 ان التوصيات من  26-31 على سبيل المثال وليس الحصر لا ترى المصالحة الوطنية سوى وكأنها لجانب واحد..  وكأن الشيعة والكرد وغيرهم قد حصلوا على مطالبهم وحقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية. ان معالجات متوازنة يجب ان تتم لكي يحصل الجميع على حقوقهم المشروعة بدون ابتزاز من هذا الطرف او ذاك.. ودون ان يصبح  رفع السلاح -ومن اي طرف اتى-  سبباً لفرض الحلول والحصول على حقوق غير مشروعة وتحت اية واجهة كانت ولاي طرف كان سواء شيعياً او سنياً او كرديا او غيرهم.

 

ومع شكرنا الجزيل للسيدين بيكر وهاملتون وفريقهم على تفرغهم لهذا العمل وتقديمهم دراسة بذل فيها جهداً طيباً والتي وضعت 79 توصية لاصلاح الوضع العراقي المعقد والصعب.. توصيات فيها الغث والسمين، رغم ذلك كان بودنا قبل تقرير اسس العنف والاحتقان الطائفي والمشاركة السياسية وطبائع التدخل الخارجي وغيرها من عوامل، نقول كان بودنا لو بني العمل على مرتكزات متينة ومعلومات اكيدة تتجاوز التقولات واحاديث الفرقاء لتتوجه اولاً الى الوقائع والاحصاءات. فتسأل على سبيل المثال وليس الحصر:

 

1-      هل ان الـ 12 مليون ناخب عراقي من الذين نزلوا الانتخابات هم حقيقة ام خبر مصطنع... وهل ان هؤلاء دمى او عملاء لدول اجنبية ام انهم مواطنون عراقيون عبروا عن رأيهم الذي يجب ان يحترم ويقدر. وانهم والقوى السياسية التي دعتهم هم الزخم الحقيقي الذي يجب ان تعتمد عليه الحلول وتستنبط منه الاستنتاجات ويفهم عبره التاريخ والحاضر على حد سواء.

 

2-      ما هي اعداد الضحايا والمهجرين والجرحى من الشيعة والسنة وغيرهم ونسب كل منهم ومناطقهم ليضع المرء اصبعه على الحقائق، وحركة الاتجاهات وبؤرة المشاكل،  لا استنباط نتائج بناء على تقولات او مسوحات غير جدية لتقرير يريد لنفسه الجدية والصوابية.

 

3-      من هم الاعداء فعلاً ومن هم الاصدقاء.. من يدفع العملية للامام ومن يعرقلها.. من يريد انجاح التجربة ومن يريد افشالها؟ اسئلة ضرورية لمن يريد ان يضع استنتاجات وسياسات استراتيجية. فنحن لا يمكننا ان نمنع على بعض الساسة الامريكان ان يتقدموا  بحلول تكتيكية وسريعة لمواجهة الازمة العراقية واثارها المحلية او في الولايات المتحدة. ولتقويم هذه الحلول وامكانية نجاحها.. هل نظر السيد بيكر ورفاقه كيف؟ واين سقط الضحايا الامريكان؟ ومن يقتل الـ 100 جندي امريكي شهرياً؟ واين وكيف انفقت المليارات الـ 400 لحد الان.. وكيف تنفق المليارات الثمان شهرياً.. وكيف اندلع العنف الطائفي بعد سامراء. ولماذا يقتل السنة العرب على ايدي الارهابيين والصداميين. ولماذا تطورت الميليشيات بهذا الشكل .. ولماذا الاساءة للقوى السياسية المسؤولة  وتصويرها بانها تتنافس على السلطة في حين انها تدعو للتوافق والمشاركة وتقدم التنازلات في هذا الطريق، بعد ان  قدمت تضحيات هائلة لمقارعة النظام السابق.. ولم تستخدم اسلوب الارهاب والقتل الذي صار سبيلاً للارتزاق السياسي والحصول على المكاسب كما تكافىء ذلك لجنة بيكر بعض القوى والشخصيات... ولماذا النظر الى المخالفات والاستثناءات والقضايا الظرفية وعدم الوقوف عند القضايا الكبرى والاساسية. هذه وقائع اساسية تشير الى القوى المتحركة سابقاً وحالياً والتي كان يجب ان يرتكز عليها التقرير ليستطيع ان يخرج باستنتاجات اكثر واقعية في قضايا المصالحة الوطنية والمشاركة والامن وتحسين اداء الحكومة وقيام العراق بالتزاماته.

 

هذه نماذج لاسئلة نرى ان التقرير لو بدء بها لكان اكثر دقة وتوازنا ومصلحة لكل الاطراف العراقية ولايجاد حلول عملية وحقيقية تسمح بالتقدم في طريق حل الازمة والنجاح لا الدوران للعودة بعد فترة الى نقطة البداية ليس الا.

 

والان، وبعد هذه النظرة في بناءات التقرير الاساسية لابد من وقفة مع مضامين التقرير وتوصياته، علماً ان لنا اشكالات عديدة اخرى من حيث الشكل والمضمون وطريقة وصفه وتعامله مع الشخصيات والقوى، لا مجال لطرحها الان.

 

 

اولاً : موجز عام للتقرير

 

1-      ان التقرير مقدم من الجمهوريين والديمقراطيين في اطار نظرة مشتركة لمواجهة الازمة التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق.. فهو غير ملزم جزئياً او كلياً قبل ان تصدر فيه التوصيات والاوامر التشريعية اوالتنفيذية. بالمقابل، سيكسب التقرير على جانب كبير من القبولية التقريرية والمعنوية وستعتمد عليه الادارة والمؤسسات الامريكية في تقرير عدد من سياساتها المقبلة ولن يكون بمقدورها تجاهله تماماً. كما سيحظى التقرير باهتمام دولي واقليمي كبير ايضاً.

 

2-      يتناول التقرير  تقدير الاوضاع في العراق بجوانبها التالية:الامنية والسياسية والاقتصادية والدولية. فيخرج بسلسلة من الاستنتاجات مفادها التالي: "ان الولايات المتحدة قد قدمت تضحيات بشرية ومادية كبيرة. وانها رغم الجهود الجبارة المبذولة الا ان الوضع ما زال غامضاً ويتردى باستمرار. وان الحكومة العراقية الان غير قادرة على الحكم والاستمرار والدفاع عن نفسها بدون دعم الولايات المتحدة. وان العراقيين غير مقتنعين بانهم يجب ان يتحملوا مسؤولية مستقبلهم. وان جيران العراق ومعظم القوى الدولية غير مقتنعين للعب دور فاعل وبناء في دعم العراق. وان قدرة الولايات المتحدة لايجاد الحلول تتراجع وان الوقت يمر بسرعة". (ص 32).

 

3-      يشير التقرير الى  مخاطر استمرار تدهور الاوضاع الذي يمكن ان يقود الى: انهيار وفوضى وتصفيات عرقية.. ومعاناة اضافية للشعب العراقي.. وانتقال الازمة للدول المجاورة.. وامكانية ظهور دكتاتورية جديدة في العراق.. والتدخل التركي والايراني.. واستيلاء ايران على ابار النفط..  وصدام شيعي/سني اقليمي.. وقلاقل شيعية في دول يتوجدون فيها.. وزيادة اسعار النفظ.. وتصاعد الارهاب ودور القاعدة التي اصبحت تعمل بحرية في العراق والتي قد تزداد هجماتها في اوروبا. وان موقف الولايات المتحدة قد يعاني اكثر اذا عمت الفوضى العراق مما سيضعف تأثيرها في البلاد العربية والعالم الاسلامي. ويزيد من عملية الاستقطاب في داخل الولايات المتحدة، كما يحصل حالياً، رغم ان العراقيين اتخذوا بعض الخطوات الايجابية منذ سقوط صدام ومنها استعادتهم السيادة والقيام بالانتخابات واعداد الدستور واختيار حكومة منتخبة. (ص36)

 

4-      ومن باب اسقاط الخيارات غير المناسبة يعرض التقرير اربعة خيارات بديلة لمعالجة الوضع وهي: (ص 37-39)

 

-             الانسحاب المبكر: وهو قرار خاطىء وسيولد فراغاً واقتتالاً طائفياً ومآسي انسانية وهزاات اقليمية وتهديداً للاقتصاد العام وهو ما قد تعتبره "القاعدة" نصراً لها مما سيرغمنا للعودة الى العراق، كما يقرر التقرير.

-             مواصلة السياسة الحالية: ويتلخص هذا الموقف بان "الانسحاب سيجعل الامور اسوء لكن الاستمرار بنفس السياسات لن يجعل الامور افضل".

-             زيادة عدد القوات: واعتبر التقرير ان هذا الاجراء لن يخفض العنف في العراق حيث سيزداد العنف حالما تترك القوات المنطقة. اضافة ان مثل هذا الاجراء سيضعف قدرات الولايات المتحدة في مناطق اخرى كافغانستان.

-             التوجه الى ثلاثة اقاليم: وهو ما سيعتبر حلاً مكلفاً لان الحدود بين الطوائف غير معرفة بوضوح، وان التوجه بسرعة لمثل هذا الحل قد يؤدي الى انتقال كبير للسكان وانهيار قوى الامن وازدياد نفوذ الميليشيات والتطهير العرقي وقلقلة الاوضاع في الدول الاقليمية او سيطرة بعضها على الاوضاع العراقية. وان هذا سيزيد مخاوف السنة بان غزو العراق كان لاضعاف وتفكيك بلد عربي  قوي. رغم ان هذا التوجه هو توجه ممكن –كما يقرر التقرير- اذا استمر عدم الاستقرار. وهكذا لا تنصح اللجنة بدعم مثل هذا التوجه كهدف سياسي او فرض هذه النتيجة على الدولة العراقية. لكن اذا قادت الظروف الى مثل هذا الخيار فينصح التقرير الحكومة الامريكية بضبط الاوضاع بما يخفف من النتائج الانسانية واحتواء العنف والتقليل من الاثار الاقليمية. كما ينصح التقرير الولايات المتحدة بدعم صلاحيات الحكومة المركزية خصوصاً في مسألة الموارد النفطية.

 

 

ثانياً: الحلول المقترحة من اللجنة وتوصياتها

وقسمت هذه الى قسمين: الخارجي والداخلي

أ‌-         الحل الخارجي: و بناء توافق دولي حول العراق.. وهذا كله يستند الى اربعة عناصر رئيسية.

 

1-      حملة دبلوماسية جديدة: وملخصها الانفتاح على بقية الدول الاقليمية والقضايا العالقة في المنطقة فيشير التقرير الى ارتباط القضايا الاقليمية وحل القضية الفلسطينية والاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية وانخراط ايران وسوريا في الحل  ومحاربة الارهاب. وهو عمل يمكن ان تبادر به الحكومة العراقية بدعم من الولايات المتحدة، مما يجعل التوصيات 1-2-3 جيدة عموماً اذ تعطى المبادرة للحكومة العراقية في توفير التفهم والدعم اللازمين.

 

2-      الدعوة الى قيام "المجموعة الدولية لدعم العراق": وهذه تتضمن قيام مجموعة دولية لدعم العراق تتكون من جميع الدول المجاورة بما في ذلك ايران وسوريا وعدد من الدول الاقليمية المهمة كمصر ودول الخليج والدول الدائمة العضوية في مجلس الامن والاتحاد الاوروبي ويمكن اضافة دولاً اخرى كالمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، اضافة للعراق بالطبع.. وان التوصيات  4 -8 تضمنت هذا المقترح. ونعتقد ان هذه الاداة البالغة الاهمية هي حمالة وجوه. و سيعتمد الامر على  الياتها وصلاحياتها والدور المركزي للحكومة العراقية. وهو ما يجب ان يدرس جيداً قبل اعطاء رأي سلبي او ايجابي حولها.

 

3-      التعامل مع ايران وسوريا: ومحور الفكرة العمل سوية لتحقيق استقرار العراق والعمل ضد طالبان.. ومساعدة الدولتين في الدخول في المنظمات الدولية ومنظمة التجارة الدولية.. واقامةعلاقات دبلوماسية.. وتحقيق اصلاحات اقتصادية.. وعدم السعي لتغيير النظامين القائمين.. وتحقيق سلام بين سوريا واسرائيل وتحقيق انسحاب الاخيرة من الجولان.. والتعامل مع الملف النووي الايراني من قبل مجلس الامن.. وان التوصيات 10-12 تتعامل مع هذا الملف بشكل ايجابي الى حد فيه الكثير من الواقعية. اذ نذكر باننا طالبنا دائماً باهمية فتح باب الحوار الاقليمي والدولي والدخول في نظام مشاركة اقليمي بلتزم فيه الجميع بعدم التدخل في الشؤون الداخلية وفي تطوير المصالح المتبادلة.

 

4-      الاطار الاقليمي الاوسع: كذلك الامر في الاطار الاقليمي الاوسع فيما يخص سوريا ولبنان وفلسطين والجولان.. وان التوصيات 13-18 تعاملت مع هذه القضايا وفق المفاهيم اعلاه.. وهي عموماً ايجابية مع بعض الملاحظات.

 

ب‌-    الحل الداخلي ومفاده "مساعدة العراقيين لمساعدة انفسهم" حسبما يذكر التقرير. ويتضمن عدد من المعالجات وهي اساساً:

1-      اداء الحكومة وفق ملفات ومواعيد محددة: ويطلب التقرير من  الحكومة الامريكية والرئيس نفسه البقاء على اتصال مباشر مع الزعامات العراقية لحثها على تحقيق اهداف محددة في مواعيد مثبتة، خصوصاً ما يخص المصالحة الوطنية والامن والاداء الحكومي . وان التخلف عن الاداء سيعني تخفيض الدعم. وان تعلن الولايات المتحدة انها لا تبحث عن قواعد عسكرية او ان  تسيطر على النفط العراقي، ذلك الا اذا طلب منها. وان التوصيات 19-23 تتعامل بشكل لا يخلو من معقولية ومبدئية مع هذه الجوانب.

2-      المصالحة الوطنية: فيطالب التقرير ان يتم في نهاية العام او بداية 2007 الانتهاء من قانون انتخابات مجالس المحافظات.. وتحديد موعد الانتخابات فيها.. والمصادقة على قانون النفط.. والمصادقة على قانون اجتثاث البعث.. وقانون الميليشيات.. وانه مع اذار 2007 يتم الاستفتاء على التعديلات الدستورية اذا كان ذلك ضرورياً.. وانه يجب مع ايار2007  تطبيق قانون الميليشيات.. والمصادقة على العفو.. وانهاء جهود المصالحة لتتم الانتخابات المحلية للمحافظات في حزيران 2006.

3-      الامن والقوى المسلحة والقضاء والامن الجنائي: وهذه لها برنامج محدد ايضاً. يبدأ بالمطالبة بزيادة ميزانية الامن في الموازنة العراقية.. ويستهدف تحقيق سيطرة الحكومة العراقية على الجيش مع نيسان 2007 ومع نيسان 2007 ، ليتم بحلول كانون 2007 سيطرة العراقيين على امن المحافظات لكي يعتمد العراق على نفسه بحدود كانون الاول 2007 ليتحول دور الولايات المتحدة الى توفير الدعم والاسناد وترك القيادة للعراقيين.

 

 

ملاحظات على ما ورد اعلاه:

 

 

 

الملاحظة الاولى: ان الجدول الزمني اعلاه اضافة الى التوصيات24-44 حساسة ودقيقة ولها تبعات كثيرة من حيث المواعيد والمفاهيم والالتزامات.. بعض التوصيات ايجابي ومفيد.. لكن بعضها غير دستوري وفيه قسر وفرض لا لمصلحة واضحة سوى لارضاء البعض. فاقرار القضايا بحاجة الى منطق مقبول وقاعدة اصولية تسري على الجميع. فقد سارت الملايين الى الانتخابات وسط ظروف التهديد والقتل لانها وجدت في الانتخابات وسيلة للتنديد بالارهاب والعنف وبناء نظام ديمقراطي تمثيلي ينهي مشكلة الاستبداد والابتزاز في البلاد. فكيف يضمن التقرير الان ان جموع الشعب ستتوجه خلال الاسابيع والاشهر القادمة - ووسط هذه الظروف الامنية المعقدة- الى ما يطالبها به من استفتاءات وانتخابات لتعميد مسيرة وبرنامج فيه الكثير من الملابسات الدستورية والامنية وفي توازن القوى في البلاد وفي اعادة انصار النظام السابق الى الحياة السياسية والحكم. سنكون اسعد الناس بمشاركة الاخوة السنة العرب في الحكومة وفي الحياة السياسية وبالشكل الذي يرضيهم ويرضي الجميع.. لكن الشعب، وبضمنهم السنة العرب انفسهم، لا يمكن ان يبقى رهينة لابتزاز القاعدة والصداميين. لاسيما وان التقرير نفسه يشير الى ان السنة العرب يتعرضون ايضاً لتصفيات من قبل هؤلاء ايضاً، وهو ما يأد الحلول المقترحة وهي في مهدها. ان السياسة التي يقترحها "التقرير" في تقديم  التنازلات او الضغط كوسيلة وحيدة للارضاء وحل العنف ليس بالمنهج الصحيح. وقد بينت التجربة ايضاً ان بعض التنازلات قد قادت احيانا الى عكس النتائج فشجعت الارهاب والفوضى والميليشييات. كما ان تأجيل القضايا كتأجيل المادة 140 وحدود المحافظات دون اتفاق حقيقي مع مختلف الاطراف.. وتأجيل النظام الفيدرالي.. وتوزيع الموارد.. وصلاحيات الحكومات المحلية والمركزية بدل ان يحسن اداء الحكومة ويقود للمصالحة الوطنية ويقدم الخدمات والامن للمواطنين فانه سيبقي القضايا معلقة ويولد بيئة مرتبكة متناقضة فاقدة لاية زخم او مصلحة او مسؤولية مما يشجع الارهاب والتخريب والميليشيات وعدم المسؤولية لكل الاطراف. ان العراق الجديد لا يمكن ان تقوم له قائمة بدون المشاركة الكلية والفاعلة  للعرب السنة. لكن ذلك يجب ان لا يتم على حساب الشيعة والاكراد او بقية المكونات العراقية بل يجب ان يأتي متكاملاً معه.. كما ان هذه المشاركة لا تشمل عناصر الارهاب والتخريب ومن دمر البلاد طوال عقود كثيرة، كما لا تعني مشاركة فرق الموت والجماعات المسلحة سواء اكانت سنية او كردية او شيعية.

 

 

الملاحظة الثانية:  في بناء القوات العراقية ومسؤولية الجانب العراقي.. فقد اشار التقرير الى امرين غاية في الاهمية تقلل من تعزيز العراق لاستقلاليته وسيادته ومن توفير التوازن الامني:

أ‌-          سياسة ادغام مقاتلين وخبراء امريكان في الوحدات العسكرية العراقية الى درجة مستوى السرية العسكرية لمساندة القوة.. وهو الاجراء الذي سيسمح بانسحاب القوات المقاتلة من المتعددة الجنسيات مع تواجد داعم من الامريكان للقوات المسلحة العراقية.

ب‌-     ثانياً: اقتراح هيكلية جديدة في الداخلية والدفاع بحيث تنقل الشرطة الوطنية وقوات الحدود من الداخلية الى الدفاع. وسحب صلاحيات المحافظات فيما يخص الشرطة من حيث المخصصات والرواتب (التوصية 53). ان مجمل هذه الاجراءات بحاجة الى مناقشات مستفيضة. وهي لن تحل –بشكلها الحالي- المشاكل الراهنة بل قد تولد مشاكل جديدة.. بالمقابل، يتقدم التقرير بفهم جيد "لحماية المنشآت" وتتعامل التوصية (54) مع هذه المسألة باحالة التسجيل والتعريف والسيطرة لهذه القوات الى وزارة الداخلية.

 

الملاحظة الثالثة: هناك منحى عام في التقرير هدفه تقوية النظام المركزي (الذي تنصح به بعض الدول العربية وبعض الفرقاء) على حساب النظام اللامركزي والفيدرالي الذي قرره الشعب العراقي.. وهذه مساومة خطيرة من معدي التقرير. اذ لا يمكن العبث بامور اساسية ودستورية لاغراض التكتيكات السياسية ولارضاء البعض بدون اليات دستورية وتوافقات وطنية كبرى.  فالتقرير –وهو يسعى لمعالجة الاخطاء- يرتكب اخطاء ادارية ودستورية وسياسية.. بل يرتكب خطأ مفاهيمي ويقرر عن خطأ بتقوية الحكومة المركزية على حساب الحكومات والادارات المحلية. وان رسم هذه المعادلة بان قوة طرف يجب ان يكون على حساب طرف اخر هو خطأ خطير والحكم على العراق ومستقبله وتزكية لتاريخ الاستبداد والظلم فيه ليضع العراق امام خيارين احلاهما مر وهما: اما السقوط في شباك التقسيم والحرب الاهلية والتصفيات العرقية او السقوط في شباك الاستبداد. في حين ان تجارب دول كثيرة بما في ذلك الولايات المتحدة قد برهنت وتبرهن بان قوة طرف تعزز من قوة الاخر. وان قوة المركز هي في الوقت ذاته قوة اللامركز، والعكس صحيح ايضاً وذلك اذا ما انتظمت العلاقات واعطيت الوقت الكافي لتوازن من نفسها ولتستوعب تجربتها وليأخذ كل حقوقه وصلاحياته بدون ضرر او اضرار.

 

4-      القطاع النفطي: ومرتكزه تشجيع تأسيس شركة نفط وطنية والاسراع في اصدار قانون النفط والتأكيد على ان الموارد النفطية تديرها الحكومة الفيدرالية، مع  اشارات لبعض المناقشات التي وردت في الدستور حول الحقول الحالية ودور الاقاليم والمحافظات في الاستثمار في غيرها.. وزيادة الانتاج ووضع العدادات وحماية المنشآت ورفغ سياسات الدعم وغيرها من توجهات مقبولة عموماً، وهو ما تضمنته التوصيتين 62 و63 .

5-      ويتطرق التقرير اخيراً الى عدد من القضايا تتعلق بالاقتصاد الامريكي ومساعدات اعادة الاعمار وطرق ادخال الشفافية في الانفاق الامريكي في العراق.. وطبيعة العاملين الامريكيين في العراق ومكتب الاستخبارات الفيدرالية ودوره في العراق وهو ما تضمنته التوصيات 67-79 وهي امور داخلية امريكية رغم ان في عدد منها اموراً عراقية تتعلق بامنه وسيادته مما يتطلب المراجعة والتدقيق.

 

 

وفي كل الاحوال يجب التعامل مع التقرير باقصى درجات الجدية سواء في رفض بعض المقترحات او قبول البعض الاخر، او تطوير ما عداها.. فالجانب الامريكي قد اوصى.. وان الكلمة النهائية يجب ان تكون للجانب العراقي بما يسمح باختراق اسوار الازمة بكل جوانبها السياسية والامنية والاقتصادية.. ويدخل في دوائر الحل.. ويستعيد المبادرة.. ويكسب تأييد الشعب ويعزز المكاسب التاريخية التي تحققت ويواصل العملية السياسية ويبني دولة القانون والنظام ويدعم الحكومة المنتخبة الناجحة الفاعلة، ويفتح اوسع مجالات اللتعاون مع الاخرين سواء داخل العراق او خارجه..

 

 المهم ان يخرج الشيعة و السنة و الاكراد وعموم الشعب منتصراً.. يجب ان ينتصر هؤلاء جميعاً ليس ضد بعضهم البعض، بل ان ينتصروا على انفسهم.. وان ينتصروا لشعب العراق. فيربحوا قضيتهم وقضية العراق. فيهزموا الارهاب والعنف والقتل والطائفية والاستبداد والميليشيات والجماعات المسلحة وفرق الموت واية تسمية تبقى خارج القانون والنظام وسلطة الدولة والحكومة.. وان يستعيد العراق سيادته واستقلاله كاملاً غير منقوص لتعود القوات الاجنبية الى ديارها دون خوف من فراغ امني او تداعيات ارهابية او طائفية..

 

وسوية يجب ان نقول لا لسياسة الغالب والمغلوب.. ولا لسياسة الانتقام والحقد الاعمى.. ولا لسياسة نسيان عبر ودروس الماضي او البقاء في اطاره او عدم النظر الى الحاضر او المستقبل. ونعم لسياسة "من دخل دار ابي سفيان فهو امن".. نعم لسياسة التعاون مع كل من يلقي السلاح ولم يرتكب جرائم كبرى ويقبل بالقانون والنظام والدستور والعراق الجديد ولا يستخدم الحريات والمؤسسات وسيلة للقضاء عليها. ونعم لمواصلة الدرب وبناء المؤسسات الدستورية والقانونية وسلطة القانون وتوفير الامن ووقف التهجير والقتل والخطف ونجاح المصالحة الوطنية وتحقيق المكاسب والخدمات واعادة اعمار البلاد وانفتاح العراق على جيرانه والمجتمع الدولي على حد سواء

 

والله من وراء القصد

عادل عبد المهدي



التعليقات «1»

علي العلي - الدمام [الجمعة 22 ديسمبر 2006 - 12:50 م]
للأسف مثل هذا الموضوع المهم لا يقرأه الا آحاد الناس بينما المواضيع الانشائية والمثالية تقرأ بالمئات أين يكمن الخلل في الكلمة أو في الصورة أو في الفلاشات الدعائية

موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.207 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com