الاستاذ احمد النمر - 16/12/2006ظ… - 6:37 ص | مرات القراءة: 886


لم يعد سراً ما يمكن تأكيده بوجود صورة قاتمة في أذهان مواطني الدول العربية والإسلامية عموما عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم و أن الثقة معدومة بين هذين الطرفين ، ويمكن الإشارة إلى النسبة المتدنية للمشاركة الشعبية بالحكم في العالم العربي بوجه خاص قياسا إلى الدول الأخرى مما يزيد الهوة يوما بعد آخر.
أعلنت الإدارة الأمريكية  عن ولادة  " الشرق الأوسط الجديد " أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان  و لكن بيئة ولادة هذا المشروع  كشف أحد مراحل الحمل لفكرة " الفوضى الخلاّقة", و استنادا إلى الصورة السيئة الموجودة في أذهان أبناء الأمة العربية والإسلامية حول كل المشاريع " السياسية " الغربية المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط  و التي تطغى بسوداويتها في أدبيات الثقافة الإسلامية عموما والعربية خصوصا منذ المشاريع القديمة كمشروع " سايكس بيكو 1916م" و وعد " بلفور 1917م" أو الحديثة منها كاتفاقية" كامب ديفيد 1979م" و مشروع " خارطة الطريق 2002م "بمراحلها الثلاث وما نجم عن تلك المشاريع من خطاب غير مسالم وعدائي للثقافة المنتجة لتلك المشاريع مما أنتج السؤال الكبير المتداول في ساحة المفكرين والمثقفين الغربيين وعلى لسانهم وهو : لماذا يكرهوننا..؟.
إن الأحداث السياسية التي تتعرض لها المنطقة منذ إعلان هذا المشروع " الجديد " يثير عدداً من الأسئلة المنطقية لدى المتابعين والمراقبين من حيث وضوح جغرافيته " الشرق الأوسط" وغموض بقية أدوات و آليات و أهداف هذا المشروع التي لم يُفصح عنها , مما يثير الشبهات والريبة حوله ويعزز " نظرية المؤامرة " لدى أصحابها.
إن غموض مثلث " أدوات - آليات - أهداف " هذا المشروع يقودنا لتفحص معطيات السياسة اللاحقة للإدارة الأمريكية في جغرافيا " المنطقة " للتعرف على أو عناصر وملامح مما لم يتم الكشف عنه:

 

الأخطر : الفتنة الطائفية
لقد أظهرت نتائج الانتخابات العراقية والانتخابات البلدية السعودية تلك الانتخابات مؤشرا يعكس عدم قابلية الانسجام مع الوجود الأمريكي , إنه الخطر المرتقب من قبل مكونين يمثلان العمود الفقري للوجود والعمق الاجتماعي لديموغرافية الوجود العام للشعوب في المنطقة عموماً بفرعيه الشيعي والسني, حيث اكتساح السلفيين للانتخابات البلدية في السعودية واكتساح الإتلاف العراق الموحد – الإسلامي- بزعامة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية  في العراق، مع بروز الوجه الإسلامي للصراع مع إسرائيل في فلسطين ولبنان بتصدي الحركات الإسلامية كحركة حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان بما يمثلانه من انسجام مع الفائزين بنتائج الانتخابات المشار إليها من ناحية العداء للنظام الأمريكي وبما يمثلانه من عمق في بنية المجتمع الإسلامي بتنوعه المذهبي  الشيعي والسني.
من هنا يمكن اعتبار أنّ كل إمكانية تحقيق مشروع " الشرق الأوسط الجديد" معدومة إلاّ من خلال هذه الفتنة التي تتفق بأبعادها التاريخية مع مصطلح ومفهوم " الفوضى الخلاّقة " حتى بمعناها اللغوي حيث أن إثارة هذه " الفوضى " تحتاج إلى عوامل مؤججة تقوم على التناقضات لا على  التوافقات وتحتاج إلى دسائس ومكائد و ليس لمشاريع بناءة و مبدعة , كما ان " الفوضى " آلية مجهولة الهدف والنتائج وليست هدفاً يمكن أن يخطط له , فإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أنها هدف يراد الوصول إليه ولا يمكن اعتبارها آلية يقبلها العقلاء.
فإذا اجتمعت كل تلك الخصائص – الخطيرة - المشار إليها لتحقيق مشروع " الفوضى" فليس إلاّ أمر التناقضات الاجتماعية بكل أبعادها العرقية والمذهبية والجغرافية التي يمكن أن تكون هي طاقة هذا المشروع و وقوده  لما تحمله هذه المنطقة الجغرافية وشعوبها من ثراء وتنوع ثقافي بملاحظة بعض الوقائع التاريخية التي تشكل الطائفية والمذهبية بتاريخها البعيد والقريب أبرز تلك العوامل التي يمكن تثويرها وتحريكها لتحقيق تلك " الفوضى "..!
 
الأهم : العلاقات و النفوذ الأمريكي في المنطقة
ويمكن اعتبار ذلك قائما على أمرين هما ضغط الإدارة الأمريكية و مدى استجابة حكومات المنطقة للمشروع واعتبار هذا الأساس هو أهم مقومات نجاح هذا المشروع وبدون استجابة تلك النظم والحكومات فإنه لا يمكن أن يتحقق المشروع , حيث من المؤكد أن سعي أي طرف خارجي لتحقيق مشروع ما أو هدف ما , لا يمكن أن يولد من خارج هذا المكوّن أو دون موافقة هذه القناة, وبرأيي لا يبدو في أفق هذه المساحة قناة لذلك المشروع غير نفوذ الإدارة الأمريكية وعلاقاتها " المتميّزة" مع بعض الدول العربية كأبرز أدوات تنفيذ هذا المشروع,  ما يعني ان تحقيق هذا المشروع مرهون باستجابة هذه الدول العربية لإطروحات تلك الإدارة وخصوصا تلك الدول المؤثرة سياسيا , فحتى الاحتلال العسكري المباشر يحتاج إلى دعم من المحيط الإقليمي كما حدث من تقديم إسناد ودعم لوجستي وغيره من قبل أكثر من نظام من دول المنطقة الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية والذي لولاه لما استطاعت أمريكا إسقاط النظام البعثي في العراق , ومن المؤكد أن هناك تفاوتا بين الدول العربية من حيث العلاقة مع تلك الإدارة أو من حيث التأثير السياسي ولا يمكن المساواة بينها ..!
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى الضعف الواضح لإرادة النظم السياسية العربية " الرسمية " أمام ما تمّ طرحه من مشاريع فيما يتعلق بالاحتلال الصهيوني لفلسطين وملف الصراع في تلك القضية " المركزية " بحسب الخطاب الساياسي والإعلامي لأغلب الحكومات العربية تقريبا وعبر أكثر من نصف قرن من الزمن لنخرج بصورة واضحة لهذا الضعف البيّن مع ما يمتلكه الطرف العربي من مشروعية واضحة لهذه القضية " المركزية " , و هو ما أسهم بتعزيز خطاب ثقافي حادّ يقوم على نظرية " المؤامرة " ونظرية " التخوين" أو الخطاب العلماني المعاكس و القائم على اتهام كل ما يتصل بالموروث بالتخلف والرجعية ما أنتج بهذا التضاد والتشاكس ما يمكن تسميته " التطرف " في المعارضة عملاً لإزالة هذا الحيف والتطرف المضاد أو ما يمكن تسميته الإعلامي الناطق باسم الحكومات تأكيدا لصوابية المنهج و صوابية الخيارات السياسية المتصلة بالغرب في دائرة الصراع الجغرافي و أفقه الزمني ولو على المدى المنظور..!
لم يعد سراً ما يمكن تأكيده بوجود صورة قاتمة في أذهان مواطني الدول العربية والإسلامية عموما عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم و أن الثقة معدومة بين هذين الطرفين ، ويمكن الإشارة إلى النسبة المتدنية للمشاركة الشعبية بالحكم في العالم العربي بوجه خاص قياسا إلى الدول الأخرى مما يزيد الهوة يوما بعد آخر.
وعودا على بدء , تؤكد الظروف المحتقنة والعسكرية والتغطية الأمريكية للعدوان على لبنان أن ملامح هذا المشروع" الشرق الأوسط الجديد "  لا يقوم على اتفاقيات تجارية أو تعاون اقتصادي أو مؤتمرات دولية إنمائية بين أطراف مشاركة علنا فيه ، بل أن كل ما في الأمر هو تصريح لوزيرة الخارجية الأمريكية و عدم تبنيه كمشروع من قبل أي طرف آخر معني به وهذا هو المريب في المشروع ..!
إن ما يمكن تأكيده هو صدور بعض التصريحات " الطائفية " من قبل بعض قادة حكومات المنطقة العربية ولا يمكن وصفها بغير هذه الصفة كمصطلح " الهلال الشيعي" أو التشكيك بالولاء الوطني لـ " كل الشيعة " مما أثار حفيظة أبناء هذه الطائفة الكريمة و أوجد ردود فعل غاضبة رسمياً وشعبياً مما اضطر بعض المسؤولين في حكومات هؤلاء القادة إلى إصدار توضيحات بشأن تصريحات قادتهم و تأويلها, و أما ما لا يمكن تأكيده فهي دوافع تلك التصريحات خصوصاً مع التحالف التقليدي والمعروف بين مصدر تلك التصريحات وبين الإدارة الأمريكية بفرض أن الخشية مما يجري في العراق هو الدافع الأساس لإطلاقها.!

إن ما يشهده المتابعون من تداعيات خطيرة جداً في لبنان بعد نهاية العدوان وتحديدا ما ظهر بشكل صارخ وفاضح من اختزال التنوع الطائفي والمذهبي للمعارضة اللبنانية بكل طوائفه" مسيحي -  درزي – شيعي - سني " وكل اتجاهاته السياسية في طائفة الشيعة فقط والعمل الحثيث و الممنهج من قبل السلطة و من قبل بعض الوسائل الإعلامية الرسمية وغير الرسمية خصوصاً المرتبطة بحكومات حليفة مع الإدارة الأمريكية على تأكيد تلك الصورة المشوهة أو إبراز الاختلاف السياسي و كأنه صراع مذهبي بين طائفتين إن كل ذلك يشير إلى ركوب بعض الأنظمة العربية في مسار يحتم مشاركتهم في تحقيق " الشرق الأوسط الجديد", كما أن المعطيات الإعلامية المقيتة تمثل بدايات مشروع هذه " الفوضى" و إن قيل غير ذلك و أيا كانت مقاصد المشاركين فيه.


 

إن ما يمكن تأكيده إن حرمان الإدارة الأمريكية من استخدام هذين العنصرين سوف يحاصر في مهده قبل أن يرى النور.



التعليقات «1»

سالم - السعودية [السبت 16 ديسمبر 2006 - 11:47 م]
لا يوجد مضحين كالشيعة دون نتيجة عملية
والسلام

موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.06 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com