الاستاذة منى الصالح - 21/12/2006ظ… - 4:53 ص | مرات القراءة: 1512


وتعلو النبرة عند كل من يجلس على كرسي المسؤولية مديرا لمدرسة أو لشركة أو لدائرة .... لنعيش الإختناق بكل أبعادنا الإنسانية وتصبح ثقافتنا قائمة على إلغاء الآخر ومصادرة رأيه .... وسيطرة الأنا والتفرد بالرأي .... وتفرقنا العصبيات ... والمحسوبية النسبية والعرقية والثقافية ... وينبثق شعاع في وسط العتمة ليزيح ما راكمته الأيام ...
في البدء كان الحوار ........ حيث كان الملائكة يحاورون الرب العظيم في خلق آدم ... وتتحرك الحياة معجونة في طينتها الحوارية (... وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) لتوجد الإنسان .... المجتمع .... في حاجاتهم المتضادة وأفكارهم المتباينة ومشاعرهم المختلفة ..... ليتقاتلوا ويتحاربوا كأسلوب من أساليب التعبير عن الذات .... ويهذب الله الإنسان من خلال الأنبياء رسل المحبة .... والكلمة الطيبة .... فيبثِوا في روح الإنسان .... عبر الزمان وامتداد المكان طبيعة الكلمة التي تأخذ وتعطي وتحل الأزمات وتعبر عن الحاجات .... يحاول الإنسان أن يجابه ذلك بالعنف تارة وبالحجارة تارة .... كنوع جدلي بدائي .... يعبر من خلاله عن رأيه .. وتتواصل المسيرة الإلهية متمسكة بالتسامح واللين والحب الذي يزرع ويعطي ليزهر فيما بعد رقيا وحوارا بكل أبعاده الإنسانية.... على يد رسول البشرية ونبي الرحمة محمد وعبقا يعطي السائرين نحو الله .... فتنفتح أمامنا السبل وتشرق السماء على أفقنا المنفتح المتسع حيث لا إكراه في الدين ..... ولا فرض في عقيدة .... بل دعوة بالحب .... وتواصل بالخلق يضمن للآخر حريته وكرامته الإنسانية مهما اختلفنا معه   فينبري رسولنا ليحاور الكفرة ويدعوهم بالحسنى رغم جفاوة  وقساوة الآخر تأتيه التراتيل الإلهية ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك  ) (( وجادلهم بالتي هي أحسن)) ... ثم يحاور النصارى ثم يحاور وأهل الكتاب ليدعوهم ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أوفي ضلا ل مبين ) سبا 24 ويحاور الكبير والصغير .... والجاهل والعالم ليرسم للبشرية خطا تتحرك فيه ... يحترم فيه الإنسان فقط لأنه إنسان بعيد عن كل التفضيلات العرقية أو الدينية أو الثقافية ... ويتسع الأفق الفكري ... لتنفتح العقلية تحتضن كل ما حولها في تمازج حضاري فريد ... هذه الحضارة الفتية تحتضن كل الحضارات العملاقة الرومية و اليونانية والفارسية والبالبية  والفرعونية في امتزاج حواري عجيب ... أفرزت عقلية مسلمة كعقلية ابن سينا والخوارزمي ... وغيرهم ممن سطروا  تاريخنا بأشعة من نور... وتستمر الحياة تحتضن الحوار كأقوى أسلوب في الحياة رغم ما ترزح به في الوقت نفسه تحت ثقل الأساليب العنيفة التي تريد أن تخلق الحوار بالجو الخانق الذي تصنعه وبالعقليات الضيقة التي تربيها .... فتضيق النفوس وتعلو الأصوات ويكره الإنسان على مالا يؤمن به لإرادة الأقوياء ... ويعود من جديد إلى لغة الغاب وإن ألبس ثوبا جديدا براقا تارة باسم الدين ودعاة الجنة وأخرى  وأخرى باسم الثقافة وتارة تحت شعار العرقيّة ..... بل يخنق الإنسان باسم الحرية والديمقراطية .... ويقف الحوار أمام هذه القوة كما وقف الأنبياء ليعلّم القوة أنها لا تستطيع أن تبني الحياة التي تصنعها إلا من خلاله فقد حاور الله رمز الشّر المطلق إبليس وسمع له واستجاب لطلبه .... فالقوة التي تفقد ذالك تدمر نفسها وتكون النهاية حيث لايوجد أمامها إلا الحجارة التي ترجمها حجارة والرصاصة التي تقابل الرصاصة دون هدف أو معنى .... وتتآكل شيئا فشيئا حضارتها حتى تفقد هويتها فنحن أحوج ما نكون لتكتمل إنسانيتنا الفردية أو الجمعية لثقافة الحوار.... حيث بيوتنا تفتقر الحوار .... الأب الذي أخذ على عاتقه مسؤولية الأسرة .... ألغى كل مقومات الحوار .... لا كلام ... لا أحد يرد عليه أمره .... لانقاش في الموضوع لا غيا كل حق للزوجة أو الأبناء في مشاركته الفكر أو الشعور فتضيق المساحات وتتسع الفجوة لتخلق لنا العديد من المشكلات التي تعاني منها أسرة اليوم والتي تحتاج منا إلى مزيد من الجهد لخلق أجواء سليمة وصحية لأبنائنا .... ويعيش الإنسان منذ نعومة أظفاره أجواء خانقة في باكورة تعليمه .... لتفترش ذهنه وتفكيره التلميذ المجتهد هو الذي يلتزم الصمت طيلة الوقت .... لا يناقش ولا يحاور ولا يطرح أسئلة تلو أخرى ..... وإلا وجهت نحوه كل أصابع الإتهام بالمشاغبة والمشاكسة .... وتعلو النبرة عند كل من يجلس على كرسي المسؤولية مديرا لمدرسة أو لشركة أو لدائرة .... لنعيش الإختناق بكل أبعادنا الإنسانية وتصبح ثقافتنا قائمة على إلغاء الآخر ومصادرة رأيه .... وسيطرة الأنا والتفرد بالرأي .... وتفرقنا العصبيات ... والمحسوبية النسبية والعرقية والثقافية ... وينبثق شعاع في وسط العتمة ليزيح ما راكمته الأيام .... حتى بدأت الدعوة للحوار الفكري الذي تدعو له مؤسسة الملك عبد العزيز بين فئات المجتمع السعودي ... نتطلع إليه كل عام كشوق الليل لانبلاج الصباح نملئه كل يوم أحلاما وآمالا ... علّها تتحقق ذات يوم ... ويطل علينا هذا العام بثوبه الجديد يدير عجلتنا اليومية ... ليخترق العمق .... حيث الحوار عن التعليم ... إذا كان الحوار مهم لكل متطلبات الحياة .. فهو للتعليم عصبه وروحه كما وضحه سقراط حين قال إن العلم لا يعلّم ولا يدّون في الكتب بل يكشف بطريقة الحوار .... فما أحوج مدارسنا       وطرق تعليمنا .... ومعلمينا وطلابنا إلى غربلة حوار مدروس .... يخرجه من دوائره الضيقة ..ويطرحه في أروقة النقاش وعلى طاولة المباحثات ..بعيدا عن الفضاءات الفارغة التي تعشعش فيها الكلمة دون أن تتعداها ..فنبقى مكانك سرّ إن تغير يتغير اللون والصورة والخط ويبقى جوهر الإعاقة ..نحتاج إلى حوار صريح ..نتلاقى فيه ..نعري فيه أخطاءنا ..نعرف مواقع أقدامنا لنخطو خطوة حقيقة نحو الرقي والتطور .. وننهض بأجيالنا على مساق الأمم المتقدمة فلا يشعروا بعقدة النقص التي تجعلهم يتاورون في الزوايا ..لنفتح قلوبنا قبل عقولنا لجميع الآراء مهما اختلفنا معها .. ونشجع مختلف الدراسات التي تدعو بصدق نحو تصحيح شامل لمناهجنا وطرقنا التي جربنا منها الكثير دون جدوى ..فلم تخرّج لنا إلا حفظة يكررون ما يسمعون بكل الوسائل الممكنة .. نتمنى أن نتعدى مرحلة التقليد إلى مرحلة الإبداع والخلق .. هذه تحتاج منا إلى خطوات جريئة ومخلصة تأخذ بأيدينا وتستثمر أروقة الحوار الفكري في صالح نهضة علمية تعليمية ليبقى الحوار فضاءا رحبا يحتضن كل التوجهات ويستوعب جميع الاختلافات تنصهر فيه الحضارات ويبقى الإنسان رائعا وائدا بحواره وفكره يدير عجلة الحياة نحو التكامل الإلهي يمسك بيد الأرض بحقبها التاريخية ويتطلع لأفق السماء بالعين الأخرى يخط ألوان المستقبل

                                                           منى الصالح
                                                     مدربة ومرشدة طالبات



التعليقات «3»

بنت علي - القطيف [الخميس 21 ديسمبر 2006 - 11:47 م]
ارجو من مدرساتنا الطيبات ان يستفدن من هذه النصائح
حسين البيات - القطيف [الخميس 21 ديسمبر 2006 - 6:46 ص]
مقالة جميلة تعبر عن الواقع المعاش حبذا لو اعطت الاستاذة لاسباب هذه الحالة النفسية الضيقة مزيدا من التحليل وكذلك مزيدا من مراجعة الحوار الوطني السادس فما انتجه الحوار السادس لم يكن بالمستوى المقبول
ولكم مزيد من الشكر والتقدير
جنى - القطيف [الخميس 21 ديسمبر 2006 - 2:26 ص]
المرشدة الغالية،استشهدتِ (يالرسول العظيم) في مواقفه الحوارية وأخذت من تاريخنا (ابن سينا والخوارزمي) والثقافة الدراجة ترسخ أن الرسول شخص معصوم لا سبيل للوصول إليه ولو بشقّ الأنفس!! وشخصياتنا المؤثرة كابن سينا محض تاريخ لانعرف سوى تجميدها بتمثال،!!! الفارق بيننا ثقافة العصر الذي ننتمي إليه والذهنيات التي تعمل على شاكلة تلك الثقافة وثمة فرق بين الشغف في المعرفة و العرق الناضح من أجلها و الشغف في الكراسي،
الأمل في الحوار مرهون بالأمل في تغيير مفاهيمنا،

سلمتِ يا أسلوب الحياة الجميل !

موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.15 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com