العربية - 25/12/2006ظ… - 5:06 م | مرات القراءة: 886


مخاوف في السودان من أن يؤدي "جدل التشيّع" لنعرات طائفية
السودان تعتبر دولة مسالمة تتقبل كل الديانات والمذاهب الا ان الوضع الطائفي الاخير اصبح يلقي بظلاله على الواقع العربي والاسلامي

لم يكن تشيّع منتصر أحمد النور، وهو شاب سوداني في منتصف العقد الثالث، ليمثل همّا كبيرا إلى وقت قريب. فأسرته وأصدقاؤه وزملاء الدراسة، قابلوا قناعاته الشخصية بقدر من التفهم لم يخل أولّ الأمر من نقاشات واسعة.

لكن منتصر ومن هم على شاكلته من الشيعة السودانيين، باتوا يشعرون بالقلق بعد أن احتدم الجدل بشأن التشيّع في السودان في الأسبوع الثاني من ديسمبر 2006، في إثر مطالبة شباب محتجّين بإغلاق الجناح الإيراني في معرض الكتاب في الخرطوم، بدعوى عرض كتب مسيئة للصحابة.

ويرى بعض المراقبين أن هذا البلد بطبيعة مجتمعه المتسامحة، لا يمكن أن يحدث فيه فرزا طائفيا حادا، يؤدي تاليا لمواجهات. ويعتبر هؤلاء بأن عددا من المفكرين الإسلاميين من بينهم حسن الترابي والصادق المهدي، والجماعات الإسلامية الكبيرة في السودان، لم تكن تناصب يوما، الشيعة العداء.

وسبق أن أطلقت في السودان مؤتمرات ودعوات عدة لـ"التقريب بين المذاهب". ويلحظ بعض هؤلاء بأن الأفكار الماركسية وجدت طريقها للبلاد قبل 50 عاما من دون مضايقات تذكر، ومن دون الحاق أذى جسدي بمعتنقي الشيوعية إلا فيما ندر.


الخشية من متشددين

ويقول هؤلاء المراقبون إن أبواب الحوار الفكري في مجتمع مرّ بتجارب الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة، كما تقاذفته رياح أفكار شتى عبر عقود، تظل مشرعة، وإنه يصعب الإنزلاق إلى عنف طائفي، لكن الخشية تبقى قائمة من بعض المتشددين الذين يعبرون عن شريحة ضئيلة جدا من المجتمع السوداني.

ويبدو أن إغلاق الجناح الإيراني لم يكن إلا بداية لجدل محتدم في الأوساط السودانية وصل إلى درجة المطالبة بـ"الإغلاق الفوري للمستشارية الثقافية الإيرانية"، وفتح تحقيق عاجل في دخول كتب المذهب الشيعي إلى معرض الخرطوم الدولي للكتاب، ورأوا أنها تحتوي على عبارات "تسيء إلى الصحابة والعقيدة الإسلامية" بحسب المجلس الأعلى للتنسيق بين الجماعات الإسلامية الذي يضم "جماعة انصار السنة المحمدية" وجماعة "الإخوان المسلمين" و"مجلس الدعوة والطائفة الختمية" وجماعات إسلامية أخرى.

وعلى الرغم من أن منتصر أحمد النور لا يرى في جماعة أنصار السنة المحمدية، وهي الجماعة السلفية الرئيسة والأكبر في البلاد، خطرا عليه وعلى الشيعة السودانيين، نسبة لاعتدالهم، لكنه يقول لـ"العربية.نت" إن جماعات أخرى منشقة عنها، ومتشددة، تشهر سلاح التكفير واهدار الدم في وجه الشيعة.


العنف الطائفي !!

من جهته، أعلن رئيس جمعية الأخوة السودانية الإيرانية، أمين بناني، بأنه "إذا توضح لنا أن هناك مخططا سياسيا للإساءة للعلاقات السودانية الإيرانية أو للعلاقات الدينية بين الشيعة وأهل السودان فسيوقف عند حده بالحوار والقانون".

وقال لـ"العربية.نت": "لا يعقل أن نسمح لجهات سياسية بتصدير الصراع الطائفي لبلد كالسودان لا يعرف مثل هذه الصراعات". ووعد بناني الذي يعتبر نفسه من أشدّ المعجبين بالثورة الإسلامية الإيرانية، لكنه لا يصنف نفسه لا شيعيا ولا سنيا، بالتحقيق في الكتب التي زعم بأنها تسربت إلى السودان عبر الجناح الإيراني في معرض الكتاب.

وأضاف: "سندرس جدوى احضار مثل هذه الكتب إلى السودان، وإذا كان هنالك خطأ في تسريب مثل هذه الكتب التي لا تعبر عن الفكر الشيعي الثوري، فسنوقف دخولها".

وروى منتصر أحمد النور، الذي تشيّع قبل أكثر من عقد من الزمان لـ"العربية.نت" قصة تشيّعه، محذرا من أن أنشطة الجماعات المنشقة عن أنصار السنة المحمدية توضح أنها تسعى لتصفية حساباتها الفكرية عن طريق العنف الجسدي والمادي.


كتب شيعية بأقلام سودانية !!

وكان لافتا أن تشهد السنوات القليلة الماضية صدور كتب "شيعية" لمثقفين سودانيين تحولوا للمذهب الشيعي، من ضمنهم متوكل محمد علي، وهو محام  رصد تجربته في التشيّع في كتاب موسوم بـ" ودخلنا الباب سجدا: تجربة جماعية في الانتقال إلى مذهب أهل البيت (ع)".

وفي غياب إحصائيات دقيقة عن أعداد الشيعة في السودان، نشرت الصحف السودانية تقارير عن قرى بكاملها يعتقد بأنها تشيّعت. ويغلب الظن لدى البعض بأن الشيعة لا يتجاوز عددهم بضعة مئات في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه حوالي 40 مليون.


قصة شاب سوداني.. تشيّع!!

وقال منتصر أحمد النور (36 عاما) في حديث خاص لـ"العربية.نت" بأنه تشيّع في 1989 بعد قراءة كتب شيعية أقنعته بهذا المذهب. ولفت إلى أنه لم يبق أمر تشيّعه سرا عن أسرته وأصدقائه وزملائه في الدراسة. وينفي النور أن يكون للشيعة في السودان زعيما أو قائدا، كما يستبعد تماما أن يلجأ هؤلاء إلى تكوين جسم سياسي أو اطار يعبر عنهم. وهو لا يستطيع حصر عدد الشيعة في السودان، موضحا بأنهم أفراد يعبرون عن أنفسهم ولا يربطهم اطار محدد.

وردا على الحملة الأخيرة التي حذرت من "انتشار التشيّع في السودان" والتي أطلقتها جماعات إسلامية من بينها أنصار السنة المحمدية وجماعة الإخوان المسلمين، قال منتصر أحمد النور إن ما تقوم به الجماعات المنشقة عن جماعة أنصار السنة المحمدية قامت به سابقا مع الجماعات الصوفية، حيث كانت تنتهي النقاشات بينهم غالبا إلى العنف الجسدي.

وأوضح بأن بعض الجماعات المتشددة في السودان هي "ظلّ وتابع لحركات متشددة، وتنتهج نهجا تكفيريا ويشوب خطابها عنفا لفظيا يأتي كمقدمة غالبا للعنف المادي والجسدي".


الشيعة السودانيون: نحن في خطر !

ويتابع منتصر أحمد النور: "قياسا بهذه الجماعات، فإن جماعة أنصار السنة المحمدية هي أكثر الجماعات اعتدالا". وشدد النور على أن الشيعة في السودان "في خطر"، وأن المتشددين يؤلبون الدولة ضد الشيعة. وقال إن اتهام إيران  بالوقوف وراء مخطط كبير لنشر الفكر الشيعي في البلاد، يأتي في سياق الصعود الشيعي بعد حرب لبنان والمشروع النووي الإيراني وانتخابات البحرين وما يحدث في العراق.

وأضاف "ما يحدث في السودان امتداد لمعركة خارجية"، فـ"المتشددون ينقلون معارك خارجية إلى داخل السودان، ولهم أهداف وخطط أفادت من وجود جناح إيراني بمعرض الكتاب لتصفية الوجود الشيعي في السودان".

 من جهته، قال رئيس جمعية الأخوة السودانية الإيرانية، أمين بناني إنه يجد الضجّة المثارة حول معرض الكتاب والتشيّع في السودان أمرا طبيعيا، باعتبار ردات الفعل المتوقعة من قبل التيار التقليدي الذي وصفه بأنه قد يكون صادقا إلى حدّ كبير في تعبيره عن نفسه بحسبان أن هناك مساسا بالصحابة ربما في بعض الكتب التي "لا أعرف هل صحيح دخلت السودان أم لا، ولكن ربما فيها مقولات قديمة ولن تؤثر في علاقة السودان بإيران، ولن توقف حوار توحيد أهل القبلة، وهناك لجنة في السودان بهذا الخصوص".

ومضى للقول: "إذا توضح لنا أن هناك مخططا سياسيا للإساءة للعلاقات السودانية الإيرانية أو يسيء للعلاقات الدينية بين الشيعة وأهل السودان فسيوقف عند حده بالحوار والقانون". وأضاف: "لا يعقل أن نسمح لجهات سياسية تصدر الصراع الطائفي لبلد كالسودان لا يعرف هذه الصراعات".


المتشددون يساعدون في تحضير أجواء العنف

ويؤكد بناني: "هذا النشاط المحموم لتيارات متشددة يساعد في التحضير لأجواء غير إيجابية قد تسمح للعنف أن يصبح أحد سمات مجتمعنا المتسامح". بناني الذي يقول إنه لا يمتعض إذا قيل بأنه شيعي، ولا يقبل ذلك أيضا، كما أنه يؤمن بأن نسبة الانسان إلى إيران فيها قدر كبير من الشرف، يرى أن المفكرين الشيعة المعاصرين يمثلون بالنسبة له طليعة الفكر الإسلامي، وبالتالي "المرء لا يتحرج في إبداء الاعجاب بهم".

"هم قادة مفكرون بالنسبة لنا مثلهم مثل مالك بن نبي وسيد قطب والترابي". ويضيف أمين بناني: "لست زعيما شيعيا لأن الزعامة لها طريقتها"، و"أنا أرفض التصنيف المذهبي، لكن يمكن أن تتحدث عني بوصفي شديد الاعجاب بالثورة الإسلامية في إيران وقد أختلف مع الدولة الإيرانية".

بناني الذي يصف نفسه بأنه "مسلم حركي" فحسب، لا شيعي ولا سني، ولا "متمذهب"، يرى أن السودان بلد مفتوح لكلّ الأفكار، ففيه "أكبر حزب شيوعي في إفريقيا، كما أن جامعاته تستقبل سنويا غالبية اصدارات دور النشر الغربية"، والسبيل الوحيد الذي يراه سالكا في بلد مثل هذا، هو الحوار بين مختلف الأفكار والرؤى.

لكنه يشير : "ما يجب أن نتنبه له هو ربط هذه الجماعات المتشددة بمخطط يخدم استراتيجيات دولية بإثارة النعرات الطائفية لفرض أجندتها، والسودان حاليا معرّض لمثل هذه الأمور".


http://www.alarabiya.net/Articles/2006/12/24/30203.htm

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.059 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com