نبضات ولا ئية - 28/12/2006ظ… - 11:58 م | مرات القراءة: 811


التخصصية في المجال العلمي يؤتي ثماره الايجابية لانه يجعل الفكر والثقافة متركزة حول موقع وموضوع واحد يستطيع الانسان الابداع فيه
الليلة وعندما كنت أحضر مجلس عزاء استشهاد الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام وقد تطرق الخطيب إلى منهجية التخصص التي استخدمها الإمام الصادق عليه السلام في بناء الشخصيات الرسالية والتبليغية وتلامذة الإمام عليه السلام والممثلين عن الأئمة عليهم السلام في التخصصات المختلفة التي تشكل حلقة البناء الثقافي للفكر الاسلامي الأصيل في المجتمع الاسلامي والذي من خلاله نجح الإمام عليه السلام في التصدي لكل مظاهر الانحراف الفكري الذي عاصره الإمام عليه السلام وفي مختلف المناطق وبالخصوص عاصمة الخلافة بغداد في تلك الفترة وايضاً نجح هذا الأسلوب في بناء مدرسة إسلامية أصيلة كاملة كانت الناشرة للوعي الاسلامي وأمدت المجتمع بالثقافة الأصيلة التي بثت شعاعها في كل مناطق العالم الاسلامي وصنعت الدول الإسلامية الشيعية في العالم ولازالت مستمرة .

   قضية الشخص الشامي الذي جاء ليناظر الإمام الصادق عليه السلام وكلما طلب المناظرة في جانب من جوانب العلم كلف الإمام عليه السلام احد تلامذته بتلك المناظرة لإدارتها وبذلك العلم والتخصص وباعتباره ممثلاً عن الإمام عليه السلام وعن خط التشيع والإسلام والقيادة الإسلامية الصحيحة ,, بحيث ان الإمام عليه السلام قال للشامي بعد ان اعترض على مناظرة تلامذة الإمام عليه السلام ما مضمونه قال الإمام عليه السلام : " لو هزمته فقد هزمتني وإن غلبك فقد كنت أنا المنتصر " طبعاً مضمون كلام الإمام عليه السلام  ,, وكان كان رد الشامي إلا أن قال : " تريد أن تثبت لي أن لديك تلامذة يمثلونك وقد ربيتهم أفضل تربية .

   وايضاً قضية هشام بن الحكم مع القاضي بن عبيد في البصرة وكانت المناظرة في أمر الإمامة وقد كان هشام متخصصاً في علم الكلام مع صغر سنه ولكنه كان ممثلاً لعلم العقيدة في التشيع .

   نأتي الآن لنطرح بعض وجهة نظرنا القاصرة في أسلوب التخصص وفائدته باعتباره أسلوباً إبداعياً من خلاله نستطيع العمل على صنع وبناء مجتمع إسلامي وشخصيات رسالية تبليغية من خلالها تتكون الأركان الأساسية في بناء الفكر الاسلامي الأصيل في المجتمع الاسلامي ويكون هذا الفكر والوعي هو الحامي والحصن الحقيقي عن أي انحراف قد يحدث ..

   نعرض بعض النقاط المتعلقة بالموضوع ..

النقطة الأولى : إن أسلوب التخصص لا يعني الضحالة والضعف في العلوم والقوة في جانب واحد منها ,, بل هو بناء لكل العلوم الأساسية من خلال معرفة مبادئها وأساسياتها وأركانها الرئيسية ولكن قد يكون الشخص أو المدرسة متخصصة في جانب من العلوم أو علم منه بحيث يكون ترجه الشخص أو المدرسة الى علم واحد وتقوم بدراسة كل جوانب هذا العلم والنقاط المحيطة به والشبهات المثارة ضده ومحاولة علاجها وبث الفكر الصحيح والإجابات المقنعة في هذا العلم والتخصص فيه مع الاستعانة بكل مبادىء العلوم الأخرى الرئيسية التي يتخصص بها الآخرون من نفس المدرسة .. فعلم العقائد قد تتخصص به شخصيات مؤهلة لذلك وتنبي مدرسة خاصة بهم يكونون مستوعبين لكل ما يحيط بذلك التخصص مع عدم الابتعاد عن مبادىء العلوم الأخرى .

   مثال على ذلك من الواقع الحوزوي في هذا العصر ,, قد نرى العلامة الطباطبائي متخصصاً أو قد نعتبره مدرسة قرآنية تفسيرية لوحده وقد ربى تلامذة كبار متخصصين في هذا الجانب ولكنه كان فقيهاً مجتهداً وفيلسوفاً ومنطقياً وحكيماً في نفس الوقت وهذا مثال واضح والأمثلة كثيرة لا نستطيع حصرها في مثال واحد .

النقطة الثانية : التخصصية هي مدرسة متكاملة ,, بعد أن نبني شخصيات في الحوزات والجامعات الإسلامية وتنتهي ممن شطر كبير في دراسة المبادىء العامة المتعلقة بالعلوم الإسلامية الأساسية يأتي دور التخصص فتختار كل شخصية العلم المتفوقة فيه والمتعلقة به أكثر والذي تشعر من خلاله أنه سيكون خادماً بشكل أقوى للإسلام والمسلمين لو تفرد بدراسته من كافة جوانبه , فهنا يقوم الشخص أو العالم بمتابعة هذا العلم في مفرداته وجزئياته ومواضيعه المختصة به والمحيط الذي يعيش ويتحرك فيه , ونقاط قوته وسبل تطويرها أو نقاط ضعفه وسبل العلاج وعوامل ومنهجية تحريكه في الواقع وإستقراء كل ما ينتج عنه ومن خلاله ,, ومتابعة كل الإصدارات التي تصدر حوله ممن يؤيده أو يقف ضده بالشبهات والمحاربة وبالتالي تتشكل مدرسة كاملة لهذا العلم والتخصص بحيث تكون مرجعاً تلقائياً على مستوى العالم وتُعتبر رافداً من روافد الحركة الثقافية لبناء الإنسانية والمجتمع .

النقطة الثالثة : العالم الثقافي والفكري والسياسي وكل حركة فيه قائمة على التخصص وبالتالي لا يمكننا الدخول في حركة العالم والعوملة أو الاسلمة أو الأنسنة وبكل ما يطرحه كل فكر وسياسة , لا يمكننا الدخول في حركة العالم إلا من خلال إمتلاك التخصص ومنهجيته ومحاولة تطويرها وبناءها ,, لا يمكننا معالجة الفساد الأخلاقي إلا من خلال مدرسة أخلاقية متكاملة إن على مستوى أفراد وقيادات أخلاقية أو مدرسة أخلاقية تضمهم , ولا يمكننا معالجة القضايا الاجتماعية والأسرية إلا من خلال مدرسة اجتماعية وخاصة بثقافة الأسرة والمجتمع ولا يمكننا مكافحة الاستكبار العالمي من الناحية العسكرية إلا من خلال مدرسة عسكرية كاملة وتمتلك كل جوانب وأدوات المواجهة بالمثل أو أكثر وهكذا الثقافة والفكر والعلوم الأخرى وكل علم صغيراً كان أو كبيراً ولو لم نمتلك ذلك في هذا العالم الآن لأصبحنا نسير للوراء ويسبقنا الآخرون وهنا تقع التبعية ويحدث إستملاكنا وكل ما نملك يكون لغيرنا .

النقطة الرابعة : إنتهى الوقت الذي يسيطر فيه الدكتاتوريون بكل أشكالهم ,, وهنا اعني ,, إن كثيراً من الدول والخاضعين لهم من المثقفين يعتبرون أنفسهم ممتلكين لكل العقول ويجعلون أنفسهم مسيرين لنا وقيادة لها بحيث يكون المستضعفين خاضعين لهم لأنهم يمتلكون جوانب قوة العلم ,, ولكن لو سمح الواقع للمستضعف بالتخصص لإجتاحت له الدول وبالتالي يكون مغيراً لفكرة التبعية الخاطئة وهذا كله يكون هو المصدر لنتيجة التغيير الحقيقي لحكم الدكتاتورية بكل أشكالها إن كانت سياسية أو عسكرية أو ثقافية .

  وطبعاً الدكتاتورية المقصودة قد تكون في فرد أو دولة أو مؤسسة .

النقطة الخامسة : في مدرسة أهل البيت عليهم السلام والحوزات الشيعية لابد من الإلتفات الى نقاط كثيرة جداً نذكر منها :

1- اشتراط التقوى في كل مركز ولو كان بسيطاً وحتى يصل الى القيادة الأولى , والتقوى تكون نافية للدكتاتورية وترفع الاستعلاء على المجتمع بل تقتبس قوتها من خلال تواجدها مع الناس وبالتالي كل الاتهامات التي يوجهها الأعداء تسقط سريعاً لأن التقوى تحمي القيادة من الوقوع في مصائد شيطان الإنس والواقع المستكبر , بل التقوى تعتبر مدرسة لبناء الشخصيات الرسالية التي تحمي القائد وأتباعه من الانحراف عن جادة الصواب ولو بشطر كلمة .

2- المرجعية في فكر القيادة لا يمتلكها شخص الفقيه فقط بل يكون الفقيه محيطاً في جميع شخصيته القيادية بكافة العلوم أو معظمها وفي حالة فقدانه لبعضها فإنه يمتلك ويهيأ له المركزية الاستشارية التي من خلالها تهيأ له كل النقاط المحيطة بالموضوع لكي يصدر به حكمه في كافة الجوانب بعد دراسة متأنية , وبالتالي الإتهام الموجه للحوزة ولفكر الولي الفقيه بالدكتاتورية في القيادة مرفوض إطلاقاً .

       واكبر دليل ان الولي الفقيه يختار الفقهاء والمتخصصين في مجلس استشاري خاص يقرر القيادات والتي في الأساس اختارها الناس ولم تكن خارجة عن المجتمع , وطبعاً النقاش حول ذلك مستمر في الحوزة وخارجها .

3- عالم الدين , هل يمتلك السياسة ؟ سؤال لا اعلم هل نضحك له أم نبكي ؟ ولكن إجابتها البديهية على هذا السؤال هي , إن عالم الدين حاله مثل حال كل إنسان يمتلك الثقافة العالية احياناً وتكون موسوعية في كثير من الأحيان واحياناً لا يمتلكها ,, ولكن ,, هنا نقول إن عالم الدين يمتاز عن غيره بإمتلاكه مميزات تجعله مختلف عن غيره ونذكر بعضها ,, وطبعا كلها متعلقة بموضوع التخصص أو مرتبطة به :

أ-   إن الوضع والمحيط الذي يعيش ويتربى فيه عالم الدين يلب عليه حالة التقوى والمراقبة الأخلاقية الذاتية وبالتالي عندما يتصدى لقضايا المجتمع والواقع يكون مستأمناً عليه ويحمل الكثير من الثقة الاجتماعية , وطبعاً لا ننكر ان هنالك علماء لا يستملكون الثقة الاجتماعية , ونحن هنا نتكلم عن العلماء الرساليين الواعين والحاملين للبصيرة والفكر الثقافي الحقيقي , وايضاً لا ندّعي بطرحنا لذلك ان غير العالم لا يمكن ان يتصف بهذه الصفات ولكن كما قلنا ان عالم الدين يكون محيطه الذي تخرج منه يكون متمايزاً عن محيط غيره .

ب- يغلب في عالم الدين دراسته للتحليل التاريخي والخاضع لقوانين كثيرة الذي نجعل حتى غير العالم والجماهير التي تربت في المآتم تكتسب الكثير من الوعي بقضايا السياسة والتعامل مع كافة أشكال الحكومات التي تعامل معها أئمة أهل البيت عليهم السلام , وطبعاً نحن هنا نتكلم بالخصوص عن علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام الذين ينتمون للمدرسة الجعفرية التي لازالت تتطور كل يوم وبإجتهادها المطلق وليس الغير مطلق كما عند باقي المدارس الأخرى , وهذا التحليل يجعل هذا العالم المتصدي لتخصص السياسة متصفاً بقوة الوعي والبصيرة والتعامل مع قضايا المجتمع .

       وهنا نطرح نقطة في غاية الأهمية في مذهب أهل البيت عليهم السلام ألا وهي , إننا نعتمد في التحليل والتشريع على فكر معصوم تابع للقوانين التشريعية والعقائدية النابعة من الخط المعصوم لأهل البيت عليهم السلام وبالتالي لا يمكن الانحراف عنه ولو بشكل بسيط إلا وتواجهه المراقبة الشديدة والمحاسبة من قِبل الحوزات والساحة العلمية ,, ولذلك نحن نعتبر عالم الدين المتخصص بالسياسة والداخل فيها عندما يكون واعياً وملتزماً فإنه يكون من حقه وبالأولى هو التصدي للسياسة ,, وطبعاً بتشكيل إداري يضم ما يعينه على الإبداع في ذلك وإتخاذ القرار المناسب .

   وهذه إحدى التخصصات المطلوبة وليس كل شخص يكون متخصصاً فيها .

   النقطة السادسة : التخصصية أسلوب مطلوب في التبليغ ,, كم هو جميل عندما يكون مرجع الناس في كل قضاياهم لدى جهة معينة مختصة فيما يحتاجون فلو كانت هنالك جهة خاصة وتابعة للمؤسسة الإسلامية مختصة في جانب العقيدة مثلاً ويكون سهلاً على الناس الرجوع لها لوضوحها , وهكذا في الفقه والأسرة والروحانيات والاقتصاد والاجتماع ,, واعتقد ان هذا الأمر موجود بقوة في بعض الجوانب والتخصصات ولازال يحتاج للتطوير والتنظيم أكثر ولو إن إحدى عقباته هو كثرة الكفاءات في جانب وقلتها في آخر ولكنه موجود ويحتاج للزيادة .

   وهنا تكمن أهمية التخصص في قضية التبليغ الاسلامي والذي نراه خير معين لكل أفراد المجتمع وايضاً للعالم بأكمله وكم نحن محتاجون للتبليغ بأساليب حضارية وفي جانب آخر حاجتنا للرد على الشبهات والتهم والافتراءات وتوضيح العقيدة الصحيحة والأفكار الواعية الملتزمة التي من خلالها نستطيع صناعة شخصيات رسالية تخصصية وفكر مجتمعي واضح .

   هذه نقاط أحببت ان اطرحها واعتقد ان لها مصاديق كثيرة لو تعمقنا بها وفيها ,, وهو موضوع من اولوياتنا الإدارية والتنظيمية والفكرية ايضاً .

   أرجو ان أكون قد وفيت بجانب بسيطاً في ذلك وكم أتمنى ان نرى مشاريع كبيرة تتحرك في واقعنا الفكري والاجتماعي بمنهج ملتزم .

   في مائدة أهل البيت عليهم السلام نجد كل فاكهة تتصف بأعظم نكهة وألذها ,, هي اطهر مائدة وأقدس وأزكى وأطيب أكل معنوي وروحي ومادي .

   وكم يرتاح الانسان عندما يتفاعل مع مناسبات ذكرى الأطهار من أئمة أهل البيت عليهم السلام ,و ونحن اليوم في ذكرى إمام المذهب بل المذاهب كلها لأنها تعلمت على يديه .

أسأل الله التوفيق والهداية وان نكون من خدمة المؤمنين , والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله الطيبين الطاهرين



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.068 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com