الاستاذة فاطِمة فتح الله الحجاج - 16/01/2007ظ… - 1:24 م | مرات القراءة: 532


كل هذا مرّ في مخيلته فنفض أفكار تؤرقه وأقفل النافذة .. شعر بأنه يتضور جوعا فزحف حيث المطبخ .. ولكنه لم يجد سوى كسرة خبز يابسة فرح بها كثيرا وكأنه حصل على طعام يسّد رمقه ويغني جوعه فأكلها كالمسكين وشكر ربه حامدا إياه على تلك الكسرة

رحلت الشمس متوارية خلف أكتاف الشتاء بحزن بغيض ، بضعة نوارس غافية احتمت بجناحيها ثم طفقت هاربة من أمطار الشتاء ..
تثاءب القمر غافيا وهو يسند رأسه على إحدى السحب السوداء التي تجمهرت حوله ضامة إياه بين ثنايا فؤادها ، ثمة نجوم تراقصت بنعومة حول القمر غامرة إياه بضحكتها العذبة وكأنها تحكي له حكاية قبل النوم ...
مرّ طيف ابتسامة بريئة ارتسمت على صفحة وجهه ، وعندما أسدل الليل ستاره وضع وجهه في كفة يده وطرح مائة فكرة وفكرة سطرها على أوراق الليل الذي أعتاد أن يسّره كل ليلة خواطره وخلجاته ،فقد أعتاد يوميا أن يلقى الليل بدمع حار يكوي أشفار عينيه ولم يحاول يوما أن يحتضنه ببسمة عذبة تروي شرايين قلبه وتغذي أوردته ...
تساقطت قطرات دموع من عينيه ، كانت تلك الدموع نذيرة بما يجوس في قلبه من أحزان .. وخاطب القمر وأفول النجم قائلا بألم تجذر فيه حتى النخاع : أعندما أشتعل رأسي بالشيب وغزت التجاعيد وجهي وأخذت مني كل مأخذ نبذوني !! أعندما ثقل جسدي ووهنت كل عضلة من عضلاتي هجروني ..
جلس على الأرض فقدماه لم تعد تحتمل ثقل بدنه ، أخذ ينظر إلى جسده المنهك فطفق يبكي كالثكلى .. تناهى له صوت زوجته الحمقاء وهي تسب وتشتم وتلعن بصوت عالي كاد يصم مسامعه : كفى .. كفى ، لم أعد أطيق هذه الحياة ، لم أعد أحتمل العيش معك تحت سقف واحد لا طاقة لي لأحتمل أكثر .. زهقت .. مللت.
ثم صرخت بأعلى : ماذا بك لا تتكلم أأحلت إلى جماد ؟!
قال بانكسار: وما الذي عليّ فعله طالما إن أولادك الأربعة قد قطعوا أواصر الرحم بيننا وبينهم وكأننا لم نربيهم ولم نحتضنهم يوما ولم نسهر لأجلهم ليال .
قالت بلا مبالاة : ليس ذنبي .
أجابها بحزن : ماذا أفعل لك وأنا كما ترين عجوز عاجز وضرير .
صرخت في وجهه حانقة على بروده : تصرف لا مأكل ولا مشرب .. تصرف يا هذا ألست رجلا ؟؟
هزته تلك الكلمة حتى الصميم ، أبعد كل هذه السنوات تشاككه في رجولته .
صفعها على وجنتها بقوة ، فنهضت كالمجنونة وهي تتوعده وتهدده وصارت تسب وتشتم ، وسحبت ابنتها الصغيرة الغافية على بساط من الحصير الذي تآكلت أطرافه لقدمه ، فقال لها بحنق : إلى أين أنت ذاهبة أيتها المجنونة ؟
قالت بصوتها العالي المعهود : لا شأن لكبيي ألا يكفي إنني ضحيت بجمالي وشبابي
وأكملت متنهدة بحسرة : ياااه كم كنت بلهاء عندما كنت أحاجج أهلي بحبك ، ولكن للتو تأكدت بل أيقنت بأن الحب والفقر ضدان ، إنهما خطان متوازيان لا يلتقيان أبدا .. ثم إنني سأدع لك هذه المزبلة لتعيش بها وحدك .
قال بألم وكأنه يستجديها : وأنا من لي ؟ من يسدّ رمقي يا زينب فأنا لا أقوى على العيش وحدي .. فأنت تعرفين بأنني ضعيف البصر قليل الحيلة !! من ...
قاطعته بشدة وهي تحقره بازدراء: أبحث لك عن خادمة تؤمن لك احتياجاتك ، فالله لم يخلقني عبدة لك أو جارية مسّخرة لخدمتك .
لفت رأسها بخمارها الأسود المخرق وأمسكت برسغ ابنتها فتعلقت نظراته بنظرات ابنته المستفهمة الموضوع المستهجنة الحدث .
حاول النهوض ليأخذ ابنته من يديها القويتين ليحتضنها ليقبّلها ولكن ... عبثا .
فقد خرجت زوجته بسرعة وصفعت الباب خلفها بقوة ...
الآن بقي وحيدا فإلى من يلجأ ؟؟ فأبناءه الأربعة قد عافوه وهجروه أو ربما تبرأوا منه أو قد يكونوا نسوه بالكلية ..
حنّ إلى الماضي فجلس على عتباته متذكرا صديقه الحاج حسن ذاك الكهل الطاعن في السنّ والذي رموه أولاده في دار رعاية المسنين بلا حياء وبلا ذنب أقترفه .. فمات ساخطا عليهم ...
بكى وتمنى لو يفنى ، لو ترفل روحه إلى السماء الأبدية ليبعد عن أناس أشبه بالذئاب التي تنكرت له وابتعدت عنه وهو في أمسّ الحاجة إليهم ..
كل هذا مرّ في مخيلته فنفض أفكار تؤرقه وأقفل النافذة .. شعر بأنه يتضور جوعا فزحف حيث المطبخ .. ولكنه لم يجد سوى كسرة خبز يابسة فرح بها كثيرا وكأنه حصل على طعام يسّد رمقه ويغني جوعه فأكلها كالمسكين وشكر ربه حامدا إياه على تلك الكسرة .
أراد أن ينام ولكنه يخشى الظلام مع إن ظلام داره لا يوازي حلكة وعتمة حياته فذهب حيث مفتاح الكهرباء ليشعلها ولكن عبثا فالكهرباء مقطوعة .
اهتدى بيده الضعيفة وعصاه القديمة حيث الحمام ليتوضأ فهو في شوق للصلاة وعندما أراد أن يتوضأ بكى لأن الماء مقطوع أيضا .. لقد قطعوا الماء والكهرباء فكيف سيسدد مستحقاتهما وهو لايملك دينارا ؟!!!
تذكر المصباح القديم الذي يستخدم للإنارة فأشعله وبقي يذرف دموع صامته
لكنها قاتلة .. دموع تحجرت في مقلتيه ولكنها تفجرت لأنها لم تعدّ تتحمل الكبت والكتمان ... جالت عيناه في زوايا داره القابع فيها بألم منقلا بصره إلى خدوش الجدران ،إلى بيوت العناكب التي احتلت زوايا سقف داره ، مستقرا على الحصير الذي ينام عليه والرداء البالي الرث الذي يتلحف به وهو لا يغني ولا يسمن من جوع ...
مرت الأشهر سريعا وتبعتها السنين بسرعة البرق ولكنها ثقيلة الوطأة ..
فتح باب داره الذي أصدر صرير أقرب إلى الزئير منه إلى الصرير فأطل وجه فتاة لا يتعدى عمرها السادسة ، جالت بعينيها في دار أبيها علّها تجده فلمحت ضوء خافت من المصباح كاد أن يضمحل شعاعه وجثة هامدة ممدة على الأرض وحولها كسرة خبز وكأس فارغ .
اقتربت أكثر بخطى وئيدة علّ عينيها تنفي الحقيقة ولكنها ما إن اقتربت حتى بانت لها الرؤية جلية كالشمس فهذا أبيها بلا شك ، تفرست في ملامحه لتجدها قد تبددت وقد تحولت جثته إلى هيكل عظمي حللتها ديدان الأرض ....



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.062 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com