سماحة العلامة الشيخ حسين المصطفى - 17/01/2007ظ… - 3:09 ص | مرات القراءة: 1038


يتطلب من أصحاب المنابر أن يثقفوا أنفسهم وأن يطرحوا العناوين الحسينية للنهضة أكثر من طرحهم المأساة الحسينية، وليس معنى ذلك أنّنا نتنكر للمأساة فإنه لا بد أن تبقى الفكرة الحسينية مغسولة بالعاطفة ؛ فإنّ البكاء يعكس الارتباط القلبي بأهل البيت وسيد الشهداء والدموع تروي القلب وتزيل الظمأ وهي حصيلة محبة أهل البيت ، ومن الطبيعي التعاطف الروحي مع الأئمة يستوجب مشاركتهم في حزنهم وفي فرحهم

هل نكبرُ بالقضية الحسينية بالآفاق والروح والفكر لنخرجها من دائرة الزمن المحدود لنحركها في الأبعاد المترامية، أو أننا نصغرها لندخلها في كل أساليب الضعف التي فرضت نفسها على العقل والقلب والحركة والحياة؟!

إذا أردنا أن نكبر بها، فإنّ علينا أن لا نفصلها عن جذورها، لنجعلها مجرد حادثة مفصولة عن حركة الإسلام في الواقع، بحيث تغيب المسيرة الإسلامية في كل خطوطها ومفاهيمها وحركيتها وانفتاحها على الإنسان.

نحن إذن أمام عدة مسؤوليات أجملها في ما يلي:

  • أولاً: دور المنبر الحسيني:

يعد المنبر الحسيني منبر الإسلام الأصيل، في نشر ثقافته بالحكمة والموعظة الحسنة، وتأصيل مفاهيمه وإبعاده عن أفكار التخلف والغلوِّ والخرافة، وإصلاح ما فسد في الواقع الإسلامي على الصعيد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي، وإثارة الوعي لدى المسلمين أمام التحديات الموجهّة إليهم للسيطرة على مقدراتهم ومواقعهم من قبل التحالف العالمي، وإبراز النهضة الحسينية كحركة إنقاذ للواقع الإسلامي كله بعيداً عن النزعات القومية والعرقية والإقليمية ، وعن الطائفية المذهبية، وعن العصبيات الحزبية والمرجعية ونحوها، ما يمزق وحدة الأمة ويجعل بأسها بينها وإشغالها بالهوامش الجزئية، بدلاً من أن يكون بأسها موجهاً إلى أعدائها، وتقديم الصورة المشرقة لأبطال كربلاء، ولا سيما الإمام الحسين عليه السلام، والسيدة زينب عليها السلام بالصورة الرسالية المشرقة البعيدة عن الضعف والخذلان وروح الهزيمة ، ليعرف الناس فيها روح القوة والعزيمة والتحدي في مجابهة الطغيان بكل صلابة ، ولقد قال أئمة أهل البيت عليهم السلام في حديثهم عن المنبر الحسيني ورسالته:( أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا(وليس لأهل البيت عليهم السلام أمرٌ إلا الإسلام الأصيل في المنهج الذي خطوّه ونهجوه في الشكل الحضاري المنفتح على قضايا الإنسان في كل زمان ومكان .

ولم يكن لأهل البيت أي اهتمام بالجانب الذاتي لشخصياتهم المقدسة، بل انصبّ اهتمامهم على الجانب الإسلامي في حركيتهم الفاعلة في خط الإمامة التي تمثل الامتداد الحركي للرسالة الذي انطلق فيه الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وقد جاء عن الإمام الباقر عليه السلام : ( من كان وليّاً لله فهو لنا وليّ ، ومن كان عدواً لله فهو لنا عدو، والله ما تنال ولايتنا إلا بالورع ) .

  • ثانياً: مسؤولية أصحاب الحسينيات:

إنّ إخواننا المؤمنين من أصحاب الحسينيات والمموِّلين لها، يتحملون المسؤولية الإسلامية في تحريكها في خطِّ الوعي الإسلامي الرسالي الولائي الذي يجمع المسلمين المؤمنين ، ولا سيما أتباع أهل البيت  ولا يفرقهم ، ويفتح عقولهم على الفكر الإسلامي الواعي ولا يغرقهم في أوهام التخلف ، ويؤصل لهم العقيدة الإسلامية الإيمانية، ولا يدفع بها إلى الغلوِّ والخرافة وذلك باختيار الخطباء الرساليين الواعين الأتقياء الذين لا يثيرون الفتنة ولا يستغلون غرائز العوامّ ، ولا يلعبون بعواطف الناس طلباً للانجذاب إليهم بدلاً من أن يوجهّوا هذه العواطف باتجاه المفاهيم الرسالية.

  إنّ الله يحمّلهم مسؤولية هذه المواقع، فإذا أحسنوا إدارتها واختيار الأشخاص الصالحين لها، أعطاهم الله خيراً وثواباً عظيماً ، وإذا لم يحسنوا في ذلك فإنهم يتحملون وزر كل السلبيات الناشئة من ذلك على الأمة ، وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  عليه السلام : ( اتقوا الله في عباده وبلاده ، فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم ) .

  • ثالثاً: مسؤولية خطباء المنابر الحسينية:

يتطلب من أصحاب المنابر أن يثقفوا أنفسهم وأن يطرحوا العناوين الحسينية للنهضة أكثر من طرحهم المأساة الحسينية، وليس معنى ذلك أنّنا نتنكر للمأساة فإنه لا بد أن تبقى الفكرة الحسينية مغسولة بالعاطفة ؛ فإنّ البكاء يعكس الارتباط القلبي بأهل البيت وسيد الشهداء عليهم السلام والدموع تروي القلب وتزيل الظمأ وهي حصيلة محبة أهل البيت عليهم السلام، ومن الطبيعي التعاطف الروحي مع الأئمة يستوجب مشاركتهم في حزنهم وفي فرحهم ، ومن علامة الشيعة أنهم: ( يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ) ، ولكن علينا أن نعرف كيف نستخدم أساليب العاطفة ، لأنّ أساليب العاطفة تتطور مع الزمن، ولذلك يمكن أن تكون بعض الأساليب متوارثة منذ مئة سنة وربما كانت مفيدة في حينها ولكنها أصبحت الآن مضرة:

1- لا بد من أن يكون هناك تجديد في الأساليب، وخاصة الشعر الحسيني ؛ لأنّ هذا الشعر قد نظم من خلال بيئات سابقة كانت تحاول أن تصوّر القضية الحسينية بطريقة تتناسب مع تقاليد وذهنيات ذلك العصر، ونحن نحتاج إلى شعر حسيني ، سواء كان شعبياً أو قريضاً ، يتناسب مع المرحلة التي نعيشها ومع ذهنيات الشباب والجيل المعاصر في إثارة العاطفة.

2- نحتاج إلى تنقية المضمون بإبعاد الخرافة عن السيرة الحسينية ، فالبعض يحاول دائماً أن يقدم السيرة بشكل خرافي جداً وربما خارق للتصور أو مناف للعقل والمنطق لإثارة العاطفة، ولذا نحتاج إلى أن نوثق الأحاديث بنحو لا تتحدث إلى ما تتسابق العقول إلى تكذبيه، فلو كان لدى الخطيب ذوق أدبي وكان عنده فن أدبي وكان يستطيع أن يطرح الأشياء الصحيحة في عاشوراء ويصورها تصويراً فنياً وأدبياً مؤثراً فإنّه يمكن أن يجعل الناس يبكون من دون إضافة أشياء أخرى من غير الحق. ألم نقرأ روايات أو نشاهد أفلاماً ليس لها علاقة بعقيدتنا ولا بتاريخنا ولا بحياتنا ونبكي عند مشاهدتها؟

3- إنّ العاطفة لها أسلوب خاص، فيجب أن تعرف كيف تحرك العاطفة بحيث يستشعر الإنسان الحزن ويعيش القضية حية حارة ، ما يخلق لديه وعياً ولا يخلق تخلفاً. ولذلك فقد أصبح المنبر الحسيني يحتاج إلى ثقافة من أعمق ومن أوسع الثقافات، فلا يكفي أن يحفظ الخطيب بعض القصائد ليرددها على مسامع الناس الذين فيهم المثقفون وفيهم أناس من مذاهب أخرى ومن أديان أخرى، فلا يجوز أن نأتي بأشخاص جهلة متخلفين لقراءة مجالس الحسين ، لأننا بذلك نقوم بتشويه صورة الإسلام من حيث لا نقصد، فالكثير من الخطباء مخلصون لكن تعوزهم الثقافة التي تجعلهم بمستوى مهمتهم.

  عليهم أن يتعاملوا مع الخطابة الحسينية كرسالة إسلامية لا كمهنة للعيش فقط، ولذلك فلا بد من أن تتوفر عندهم الثقافة الإسلامية بطريقة علمية واسعة عميقة منفتحة على تطورات الذهنية المعاصرة في أساليبها وقضاياها وتطلعاتها، لأنّ لكل عصر ذهنيته التي يخاطب أهله من خلالها، ولكل جيل ثقافته، فلا بد لهم من أن يحدِّثوا الناس بقدر عقولهم، مع التدقيق في دراسة الواقع الحاضر مقارناً بالواقع الذي كان في عهد الثورة الحسينية، لأنّ الإمام الحسين عليه السلام انطلق لتكون رسالته في إصلاح أمة جده صلى الله عليه واله بما عرض لها من فساد في عصره ، فعلينا إذا كنا نؤكد رسالته في امتداد الزمن، أن نقوم بإصلاح الأمة مما عرض لها من الفساد في الواقع. فإنّ التاريخ ليس مسؤوليتنا الحركية، بل هو للدرس والعبرة، ولاستيحاء القضايا التي تبقى منه للحياة، بل الحاضر هو مسؤوليتنا التي قد تأخذ من الماضي بعض العناصر الأصيلة لتخطط للمستقبل.

فعلى الخطباء أن يدرسوا الواقع الإسلامي في تمزقاته، ولا يزيدوه تمزقاً بإثارة الخلافات، وإذا أردوا أن يتحدثوا عن قضايا الخلافات الإسلامية الكلية، فليحاولوا أن يأخذوا بالمنهج القرآني في الوقوف عند الكلمة السواء، والجدال بالتي هي أحسن، والحفاظ على وحدة الأمة.

إننا مسؤولون جميعاً عن الأمة كلها، لا سيما في ظروف المرحلة الخطيرة التي ينطلق فيها الاستكبار العالمي بكل قواه من أجل إضعاف الأمة الإسلامية، والإجهاز على كل مواقع القوة فيها، وعلينا أن نتحمل مسؤولية ذلك كله.

وعليهم أن يحافظوا على التحدث إلى الناس بالصدق في الرواية، وذلك بتوثيقها، فلا يكن الهمُّ كله استنزاف الدمعة وإثارة العواطف على حساب الحق، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام لبعض أصحابه : ( إنك أخذته بالحق والباطل وقليل الحق يكفي عن كثير من الباطل ).

 إنّ علينا أن نبقي العاطفة في أسلوب عرض المأساة الكربلائية ، ولكن الواجب علينا أن نعمل على أن تكون العاطفة صادقة لنثقف الناس بالحقيقة لا بغير الحقيقة.

  • رابعاً: دور الجمهور الحسيني:

عليهم أن يكونوا جمهور الوعي الإسلامي الذي يشجع الخطباء الرساليين الذين يحرِّكون خطابهم في توعية الناس بالحق لا بالباطل، وبالوحدة لا بالتفرقة، وبالمحبة لا بالبغضاء، وبالفكر الأصيل لا بالفكر المتخلف.. لقد كان أهل البيت  قمة الوعي الحضاري ، فلتكن المجالس الحسينية مجالس الحضارة الإسلامية الواعية، حتى نسمح لها بالامتداد في الأجيال المعاصرة والقادمة، ولا تسمحوا بكل مظاهر التخلف التي تؤدي إلى هتك المذهب مما توارثه الناس من عادات وتقاليد متخلفة.

إنّ المجالس الحسينية ليست مجرد مواقع لتحصيل الثواب ، بل هي مواقع لتحصيل الثقافة الإسلامية والروحية الولائية الأصيلة .

كونوا جمهور الحسين عليه السلام الذي هو جمهور الإسلام الأصيل، الذي يحمل رسالة الإسلام لتكون قاعدةً للفكر والعاطفة والحياة، ولذلك فإنّ عليكم اختيار الخطيب الرسالي الواعي الوحدويّ الذي تستمعون إليه، وقد جاء في الحديث المأثور: ( من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدي عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان ) .

  • خامساً: دور المرأة وعاشوراء:

إنّ المرأة هي إنسان كما أنّ الرجل إنسان، وقد كانت عاشوراء هي عاشوراء المرأة وعاشوراء الرجل، وكان الحسين عليه السلام وكانت إلى جانبه زينبعليها السلام، وكان علي عليه السلام وكانت إلى جانبه سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام، وكان النبي صلى الله عليه واله وكانت إلى جانبه سيدتنا خديجة عليها السلام 

لقد كانت المرأة في مواقع الإسلام جنباً إلى جنب مع الرجل .

ونحن نعرف أنه في عهد الدعوة الأول كانت النساء يقمن بالدعوة ، كما كان الرجال يقومون بالدعوة ، حتى أنّ سمية استشهدت في سبيل الإسلام لتأكيد الثبات على الإسلام والتوحيد إلى جانب زوجها ياسر الذي استشهد أيضاً في سبيل الثبات على الإسلام.

وقد كان النبي  صلى الله عليه واله يُخرج المرأة كما يخرج الرجال إلى الحرب لتقوم النساء بسقي العطشى ومداواة الجرحى، لذلك فإنّ للمرأة دوراً في عاشوراء في امتدادها الزمني تماماً كما هو دور الرجل، فكان لها دورٌ في عاشوراء عند انطلاقتها، فها نحن نجد السيدة زينب عليها السلام المرأة القائدة التي انطلقت بكل صلابة وقوة وشموخ، وبكل عنفوان وصبر ومواساة للإمام الحسين عليه السلام في شهادته ، وفيما بعد في رعاية للأسرى والسبايا من بعده ، وفي حماية الإمام زين العابدين عليه السلام  وهي التي وقفت أمام ابن زياد بكل العنفوان الإيماني الإسلامي العلوي لتخاطبه بكل قوة.

وهكذا عندما وقفت في جموع أهل الكوفة لتخاطبهم بكل قسوة على خذلانهم أو على مواجهتهم للحسين  عليه السلام وبلغ موقفها القمة عندما وقفت أمام الطاغية يزيد وقالت له: ( فكد كيدك وناصب جهدك.)

وهكذا نجد أنّ زينب عليها السلام لا تمثل حالة استثنائية، بمعنى أنّ لها تكليفاً ودوراً استثنائياً خاصاً بها، بل إنها تمثل القاعدة في حركة المرأة عندما يفرض الإسلام على المرأة أن تواجه الفساد بحسب الظروف المحيطة بها وبحسب إمكاناتها، لذلك نحن نريد للمرأة العاشورائية أن تعيش الوعي، ونريد للنساء اللاتي يقمن بقراءة السيرة وبرعاية المجالس الحسينية أن يكنَّ نساءً مثقفات، تقيات ينشرن الوعي في النساء ويرتفعن إلى مستوى عاشوراء في كل ما يفرضه تطور الحياة من الأساليب التي يمكن أن تصنع لنا عاشوراء جديدة، ولتصنع حركة إسلامية جديدة تنطلق من القضايا الإسلامية ولتعيش الأجيال إسلاماً منفتحاً على الحياة ، فإن للمرأة في عاشوراء الحاضر وعاشوراء المستقبل دوراً يتكامل مع دور الرجل، لأن الله قال عندما تحدث عن المؤمنين والمؤمنات في حركة المسؤولية :  وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ .

 وإذا عرفنا أنّ المعروف يتسع لكل قضايا الحياة التي يرضاها الله ويريد للإنسان أن يأخذ بها، وأنّ المنكر يتّسع لكل قضايا الحياة التي لا يرضاها الله ولا يريد للناس أن يأخذوا بها، عند ذلك نعرف أنّ على المؤمنين والمؤمنات أن يتكاملوا، كلٌ في دوره وكلٌ في طاقته، وإذا كان البعض يسجل بعض التحفظات على الجانب الأخلاقي في حركة المرأة، فإنّ الله لم يجعل الأخلاق ضريبة على المرأة وحدها، بل جعل الأخلاق فرضاً على الرجل والمرأة في كل مجال من المجالات الفردية والاجتماعية والسياسية. فنحن عندما نؤكد على حركية المرأة في المسألة الإسلامية الإنسانية، فإننا نؤكد على الحركية التي تنسجم مع الخط الأخلاقي الإسلامي الذي وضعه المذهب الإسلامي للمرأة كما نؤكد على المنهج الإسلامي الأخلاقي للرجل.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين



التعليقات «3»

بنت علي - القطيف [الأربعاء 17 يناير 2007 - 6:01 م]
حتى انت يا شيخ ركبت موجة تعيير المنبر بالفاظ "الخرافة"
حفظك الله ذخرا
عاشق الحسين - الكويت [الأربعاء 17 يناير 2007 - 1:50 م]
ان اي تفريغ المنبر الحسيني من العبرة لهو تجني على سيرة ابي الشهداء
والسلام
راحلة - القطيف [الأربعاء 17 يناير 2007 - 1:45 م]
اي المجالس الحسينية يحضرها الشيخ الكريم ؟؟
وايها يعتبرها الافضل في القطيف ؟

وشكرا على الموضوع المتميز

موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.063 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com