» كيف سيتصرف البشر اذا اعطوا الحرية !   » الجنون في حب... الحسين   » قانون الاستدراج...التنازل رقم (١)   » ليتني ... أكون ( جوال ) !!   » حافظوا على ابناءكم   » حلاوة الظفر تمحي مرارة الصبر ( المرأة السعودية)   » الشيخ البيات : كانت القطيف جامعة للفكر والقيم فشكرا لكم جميعا   » ما يذكرُه بعضُ الخُطباء في وداع الأكبر (ع)   » ملخص مؤتمر حول الوقاية من السرطان والاورام الخبيثة في برلين - ألمانيا   » شبابنا وشاباتنا هم أولى بتنمية وجودهم الاجتماعي والاقتصادي (1)  

  

17/09/2010ظ… - 5:37 ص | مرات القراءة: 6570


"نحن لا نستسلم... ننتصر أو نموت.... وهذه ليست النهاية... بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والاجيال التي تليه... أما أنا... فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي".
"نحن لا نستسلم... ننتصر أو نموت.... وهذه ليست النهاية... بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والاجيال التي تليه... أما أنا... فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي".

بهذه الكلمات الخالدة استقبل الحكم الجائر بإعدامه وهو يبتسم وصعد إلى منصة المشنقة وهو يرقب الآلاف التي حضرت لتودّعه بنظرات ثابتة وعيون واثقة تشعّ منهما علامات الفرحة بقرب الشهادة.. ما كان يوما متردّدا في مقاومة المحتل الإيطالي وما خان لحظة وطنه الكبير ليبيا.

هو رمز من رموز النضال واسم خلّده التاريخ ليكون عبرة للظالمين ومثلا للأحرار الشرفاء.. عمر المختار أسد الصحراء وشيخ المجاهدين.. رجل يندر وجوده وعلامة مضيئة في مسيرة المقاومة الليبية.. قائد عظيم وقلب من حديد.. رحيم على إخوانه وشديد على أعدائه.

عمر المختار الشهيد الذي تمنّت كلّ إمرأة أن تنجب مثله أو تتخّذه إبنا لها...دوّخ "الطليان" وأذاقهم من العذاب ألوانا... الصحراء مسكنه والنجوم دليله وفرسه أنيسه وبندقيته شرفه وأرضه عرضه التي فداها بروحه الزكية الطاهرة.

* النسب القرشيّ الشريف

هو عمر المختار محمد فرحات ابريدان امحمد مومن بوهديمه عبد الله – علم مناف بن محسن بن حسن بن عكرمه بن الوتاج بن سفيان بن خالد بن الجوشافي بن طاهر بن الأرقع بن سعيد بن عويده بن الجارح بن خافي "الموصوف بالعروه" بن هشام بن مناف الكبير، من كبار قبائل قريش.

من بيت فرحات من قبيلة بريدان وهي بطن من قبيلة المنفة أو المنيف والتي ترجع إلى قبائل بني مناف بن هلال بن عامر أولى القبائل الهلالية التي دخلت برقة. أمه عائشة بنت محارب.

* مولده ونشأته

ولد عمر المختار غيث سنة 1861 م في قرية جنزور الشرقية منطقة بنر الأشهب شرق طبرق في بادية البطنان في الجهات الشرقية من برقة التي تقع شرقي ليبيا.

تربى يتيما، لذلك كان كفله حسين الغرياني، عم الشارف الغرياني حيث وافت المنية والده المختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة وكانت بصحبته زوجته عائشة.
تلقى تعليمه الأول في زاوية جنزور على يد إمام الزاوية الشيخ العلامه عبد القادر بوديه أحد مشائخ الحركه السنوسية.

ثم سافر إلى الجغبوب ليمكث فيها ثمانية أعوام للدراسة والتحصيل على كبار علماء ومشايخ السنوسية في مقدمتهم الإمام السيد المهدي السنوسي قطب الحركة السنوسية، فدرس علوم اللغة العربية والعلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ولكنه لم يكمل تعليمه كما تمنى.

ظهرت عليه علامات النجابة ورزانة العقل، فاستحوذ على اهتمام ورعاية أستاذه السيد المهدي السنوسى مما زاده رفعة وسمو، فتناولته الألسن بالثناء بين العلماء ومشايخ القبائل وأعيان المدن حتى قال فيه السيد المهدي واصفاً إياه " لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم". لثقة السنوسيين به ولوه شيخا على زاوية القصور بالجبل الاخضر.

اختاره السيد المهدي السنوسي رفيقا له إلى السودان الأوسط "تشاد" عند انتقال قيادة الزاوية السنوسية إليها فسافر سنة 1317 هـ. وقد شارك عمر المختار فترة بقائه بتشاد في الجهاد بين صفوف المجاهدين في الحرب الليبية الفرنسية في المناطق الجنوبية "السودان الغربي،تشاد" وحول واداي.

وقد استقر المختار فترة من الزمن في قرو مناضلاً ومقاتلاً, ثم عين شيخاً لزاوية "عين كلكه" ليقضي فترة من حياته معلماً ومبشراً بالإسلام في تلك الأصقاع النائية. بقي هناك إلى ان عاد إلى برقة سنة 1321 هـ واسندت اليه مشيخة زاوية القصور للمرة الثانية.

* معلم يتحوّل إلى مجاهد

عاش عمر المختار حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها يوماً بيوم, فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر/أيلول 1911, وبدأت البارجات الحربية بصب قذائفها على مدن الساحل الليبي, درنة وطرابلس ثم طبرق وبنغازي والخمس.

كان عمر المختار في تلك الأثناء مقيما في جالو بعد عودته من الكفرة حيث قابل السيد أحمد الشريف، وعندما علم بالغزو الإيطالي فيما عرف بالحرب العثمانية الإيطالية سارع إلى مراكز تجمع المجاهدين حيث ساهم في تأسيس دور بنينه وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة إلى أن وصل السيد أحمد الشريف قادماً من الكفرة.

وقد شهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912 وتوقيعهم "معاهدة لوزان" التي بموجبها حصلت إيطاليا ليبيا، أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي، منها على سبيل المثال معركة يوم الجمعة عند درنة في 16 مايو/آيار 1913 حيث قتل فيها للأيطاليين عشرة ضباط وستين جنديا وأربعمائة فرد بين جريح ومفقود إلى جانب انسحاب الإيطاليين بلا نظام تاركين أسلحتهم ومؤنهم وذخائرهم، ومعركة بو شمال عن عين ماره في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1913، وعشرات المعارك الأخرى.

* أسد الصحراء وشيخ المجاهدين

كان عمر المختار بالنهار فارسًا مغوارًا.. مجاهدًا في سبيل دينه وبلاده، بالليل زاهدًا متعبدًا خاشعًا، حمل القرآن في قلبه، وجعل منه نبراس طريقه.. يطوى الصحارى طيًا.. يلقى مصيره بصدر رحب حتَّى لو كان مصيره معلقًا على حبل مشنقة! هذا هو أسد الصحراء الذي ارتجت لسيرته وبطولاته الإمبراطورية الإيطالية.

رجلٌ صدق ما عاهد اللهَ عليه، فأبى أن يكون في زمرة الجبناء وآثر الطريق الوعرة.. طريق الحرية.. هذا هو البطل الذى حاولوا خداعه ، ولكن يأبى التاريخ إلا أن يدخله صفحاته في مصاف المجاهدين والأبطال الخالدين.

* الأسد أسيرا

في معركة السانية في شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 1930م سقطت من الشيخ عمر المختار نظارته، وعندما وجدها أحد جنود الطليان وأوصلها لقيادته، وعندما رآها غراتسياني قال: "الآن أصبحت لدينا النظارة، وسيتبعها الرأس يوماً ما."

وفي 11 سبتمبر/أيلول من عام 1931، وبينما كان الشيخ عمر المختار يستطلع منطقة سلنطة في كوكبة من فرسانه، عرفت الحاميات الإيطالية بمكانه فأرسلت قوات لحصاره ولحقها تعزيزات، واشتبك الفريقان في وادي بوطاقة ورجحت الكفة للعدو فأمر عمر المختار بفك الطوق والتفرق، ولكن قُتلت فرسه تحته وسقطت على يده مما شل حركته نهائياً. فلم يتمكن من تخليص نفسه ولم يستطع تناول بندقيته ليدافع عن نفسه، فسرعان ماحاصره العدو من كل الجهات وتعرفوا على شخصيته.

فنقل على الفور إلي مرسى سوسة ومن ثم وضع على طراد الذي نقله رأسا إلي بنغازي حيث أودع السجن الكبير بمنطقة سيدي اخريبيش. ولم يستطع الطليان نقل الشيخ براً لخوفهم من تعرض المجاهدين لهم في محاولة لتخليص قائدهم.

كان لاعتقاله في صفوف العدو، صدىً كبيراً، حتى أن غراتسياني لم يصدّق ذلك في بادىء الأمر،وكان غراتسياني في روما حينها كئيباً حزيناً منهار الأعصاب في طريقه إلي باريس للاستجمام والراحة تهرباً من الساحة بعد فشله في القضاء على المجاهدين في برقة، حيث بدأت الأقلام اللاذعة في إيطاليا تنال منه والانتقادات المرة تأتيه من رفاقه مشككة في مقدرته على إدارة الصراع.

وإذا بالقدر يلعب دوره ويتلقى برقية مستعجلة من نغازي مفادها إن عدوه اللدود عمر المختار وراء القضبان. فأصيب غراتسياني بحالة هستيرية كاد لا يصدق الخبر. فتارة يجلس على مقعده وتارة يقوم، وأخرى يخرج متمشياً على قدميه محدثاً نفسه بصوت عال، ويشير بيديه ويقول: "صحيح قبضوا على عمر المختار ؟ ويرد على نفسه لا، لا اعتقد." ولم يسترح باله فقرر إلغاء أجازته واستقل طائرة خاصة وهبط ببنغازي في نفس اليوم وطلب إحضار عمر المختار إلي مكتبه لكي يراه بأم عينيه.

وصل غراتسياني إلى بنغازي يوم 14 سبتمبر/أيلول، وأعلن عن انعقاد "المحكمة الخاصة" يوم 15 سبتمبر 1931, وفي صبيحة ذلك اليوم وقبل المحاكمة رغب غرسياني في الحديث مع عمر المختار، يذكر غراتسياني في كتابه "برقة المهدأة":

"وعندما حضر أمام مكتبي تهيأ لي أن أرى فيه شخصية آلاف المرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية. يداه مكبلتان بالسلاسل، رغم الكسور والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة، وكان وجهه مضغوطا لأنه كان مغطيا رأسه "بالجرد" ويجر نفسه بصعوبة نظراً لتعبه أثناء السفر بالبحر، وبالإجمال يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال له منظره وهيبته رغم أنه يشعر بمرارة الأسر،ها هو واقف أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح".

غراتسياني:" لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة لفاشستية ؟"
أجاب الشيخ: "من أجل ديني ووطني."
غراتسياني: "ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه ؟"

فأجاب الشيخ:" لا شئ إلا طردكم … لأنكم مغتصبون، أما الحرب فهي فرض علينا وما النصر إلا من عند الله."
غراتسياني:" لما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك إن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم؟."

فأجاب الشيخ: "لا يمكنني أن أعمل أي شئ … وبدون جدوى نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الأخر، ولا نسلم أو نلقي السلاح".

ويستطرد غرسياني حديثه "وعندما وقف ليتهيأ للإنصراف كان جبينه وضاء كأن هالة من نور تحيط به فارتعش قلبي من جلالة الموقف أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية ولقبت بأسد الصحراء. ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد, فانهيت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء, وعند وقوفه حاول أن يمد يده لمصافحتي ولكنه لم يتمكن لأن يديه كانتا مكبلتين بالحديد."

* مهزلة المحاكمة

عقدت للشيخ الشهيد محكمة هزلية صورية في مركز إدارة الحزب الفاشستي ببنغازي مساء يوم الثلاثاء عند الساعة الخامسة والربع في 15 سبتمبر/أيلول 1931م، وبعد ساعة تحديداً صدر منطوق الحكم بالإعدام شنقاً حتى الموت، وعندما ترجم له الحكم، قال الشيخ "إن الحكم إلا لله … لا حكمكم المزيف ... إنا لله وإنا أليه لراجعون".

في صباح اليوم التالي للمحاكمة الأربعاء، 16 سبتمبر /أيلول 1931م، اتخذت جميع التدابيراللازمة بمركز سلوق لتنفيذ الحكم بإحضار جميع أقسام الجيش والميليشيا والطيران، واحضر 20 ألف من الأهالي وجميع المعتقلين السياسيين خصيصاً من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم.

واحضر الشيخ عمر المختار مكبل الأيدي، وعلى وجهه ابتسامة الرضا بالقضاء والقدر،
وبدأت الطائرات تحلق في الفضاء فوق المعتقلين بأزيز مجلجل حتى لا يتمكن عمر المختار من مخاطبتهم، وفي تمام الساعة التاسعة صباحاً سلم الشيخ إلي الجلاد، وكان وجهه يتهلل استبشاراً بالشهادة وكله ثبات وهدوء، فوضع حبل المشنقة في عنقه.

وقيل عن بعض الناس الذين كان على مقربة منه انه كان يأذن في صوت خافت آذان الصلاة، والبعض قال انه تمتم بالآية الكريمة "يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية" ليجعلها مسك ختام حياته البطولية. وبعد دقائق صعدت روحه الطاهرة النقية إلي ربها تشكوأليه عنت الظالمين وجور المستعمرين.

وسبق إعدام الشيخ أوامر شديدة الطبيعة بتعذيب وضرب كل من يبدي الحزن أويظهر البكاء عند إعدام عمر المختار، فقد ضرب جربوع عبد الجليل ضرباً مبرحاً بسبب بكائه عند إعدام المختار. ولكن علت أصوات الاحتجاج ولم تكبحها سياط الطليان، فصرخت فاطمة داروها العبارية وندبت فجيعة الوطن عندما علا الشيخ شامخاً مشنوقاً، ووصفها الطليان "بالمرأة التي كسرت جدار الصمت."

استشهد المختار، ونال خير شهادة في الدنيا والآخرة.. أما جنرالات روما فلا أحد يذكرهم بخير.. إذ أن صفحاتهم مظلمة بالجرائم وملعونة يلعنها الجميع.. تبصق عليها الأجيال وتزدريها وتلعنها.. فاللعنة على القتلى السفاحين المجرمين.. والخلود لعمر المختار الَّذي علمنا أن الحياة وقفة عز وأن الرجال مواقف.

إنه الموقف البطولي الَّذي وقفه عمر المختار من التاريخ والحياة.. هكذا هو التاريخ دائمًا ينحني لمواقف الرجال العظام أمثال عمر المختار إجلالاً وإكبارًا.. فالمختار رمز تقدسه الشعوب وتحترمه وتنهل من صفحات جهاده الدروس.. دروس مكللة بأكاليل الفخار تحتفظ بها الشعوب في ذاكرتها وتخلدها في سيرتها وتعتز به أيما اعتزاز.. فنم قرير العين يا شيخ المجاهدين.

وهكذا رحل القائد عمر المختار، ولكنه ترك من الأثر في صفحات التاريخ ما لا تنساه ذاكرة الأمم، فكل حبة من رمال الصحراء الليبية تشهد له ولجهاده وبطولاته وإخلاصه لدينه، وحبه لوطنه، ليغدو صفحة مجسدة من البطولة الخالصة، تنحني لها كل هامات التاريخ؛ أعداؤه قبل أعوانه.

* كلمات خالدة عن رجل استثنائي

يقول الأديب عصام عبد الفتاح في كتابه" ثائر عَلّم العالم.. عمر المختار.. هكذا يكون الرجال": رجل تعلم الإيمان من وطنه وتعلق به إيمانًا راسخًا وقاتل من أجل قضية عادلة مؤمنًا بأنَّ انتصاره حتمي، وإنْ طال الزمن.. رجل أعطى درسًا حقيقيًا للغزاة مثلما منح درسًا إضافيًا للتاريخ، الَّذي أفرد صفحات مشرفة لبطولاته ورجولته ومعاركه الخالدة، الَّتي قضّت مضاجع جنرالات روما بقضّهم وقضيّضهم.. أين هم جنرالات روما؟! لقد تبددت على صخرة المختار ورفاقه؛ الذين آمنوا بأن الخلود في الدنيا يكمن في الإيمان بالقضية العادلة، في مواجهة قوي الشر والاستكبار تلك هي الحقيقة الخالدة.. وتلك هي المواجهة الّرائعة الَّتي أبداها المختار في روعة متناهية هزت روما، وسكنْت ذاكرة العالم من أقصاه إلي أقصاه.

أين هم الخونة الذين تأمروا على المختار..؟! أين هم الذين باعوا الوطن بالبطن في زخرف وهمٍ.. وتبدد مع انتصار الشعب الليبي..؟ الخونة لا مكان لهم في ذاكرة التاريخ، بل مكانهم الحقيقي دائمًا مزبلة التاريخ.. هكذا علمنا التاريخ، ودروسه الَّتي يجب أن تعيها الشعوب وتؤكد عليها.

عمر المختار اليوم أشهر من علم.. وشوارع العالم الَّتي تسمى باسمه، وميادينه شواهد حقيقية على عظمة الأبطال.. أبطال التاريخ الذين يضحون من أجل قضايا عادلة؛ هي المنتصرة في نهاية المطاف، مهما طال الزمن أو قصر.
عمر المختار اسم تردده الأجيال، والأناشيد والأهازيج بكل فخر وهو يحتذى، وقدوة يَقْتدي بها الأحرار في كل مكان."

وعندما نشرت صورة الشهيد عمرالمختار وهو مكبل بالحديد ليدفع إلى الجلاد بقرية " سلوق "، وقد ظهربالصورة ضباط الطليــان يبدو على وجوههم السرور بهذا الانتصار والقضاء على المقـاومة عبـّر الشاعر المرحوم الشيخ حسين الاحلافي عما يجيــش بنفسـه مـن شعـور فنظم هذه الأبيات:

يا للوقاحة صـوروك مكبلا** واستحقـروك وأنت أعظـم شانا
وقفوا إزائك مظهرين سرورهم ** في موقـف يستجلـب الأحـزانا
أمنوا يمينك وهي موثقـة ولـو ** طلقت يمينـك وامتطيت حصانا
ورأوا سلاحك مصلتـا لتأخـروا ** وتهيّبوك وغـادروا الميدانا

كالليث تسحـب في حديدك بينهم ** ولأنـت أثبت في اللقاء جنانا
كم مـرة زحفـوا عليك بجحفل ** يكســو الجبـال ويملأ الوديانا
فـفللـت جيشهـم العظيـم بقـوة ** جبـّارة لا تعـرف الإذعانا
يا عصبـة الطليان مهلا إننا ** عــرب كـرام لـن تضيـع دمانا
لن تستريحـوا بثأرنا أبدا ولن** ننسى وإن طـال الزمان حمانا

وفي مهرجان بنغازي لاتحاد المؤرخين العرب عام 1979 مدح سليمان العيسى عمر المختار بقصيدة.قال فيها:

دمك الطريق، وما يزال بعيدا** علق برمحك فجرنا الموعودا
دمـك الطريق ولو حملنا وهجه ** أغنــى وأرهب عدة وعديدا
دمك الطريق فما تقول قصيدة ** أنت الذي نسج الخلود قصيدا
اضـرب بحافر مهرك النير الذي** ما زال في أعماقنا مشدودا

شيـخ الرمـال يهزهن عروبة ** وعقيــدة تسـع الوجود وجودا
جئت القبور ونحن في أعماقها** فأريتها المتحدي الصنديدا
وفتحت باب الخالدين فمن يشأ ** صنع الحياة مقاتلا وشهيدا
انـزل علـى المختار في شهقاته** واحمل بقية نزعه تصعيدا
انزل على دمه ستعرف مرة ** درب الخلاص الأحمر النشودا

وعندما انتشر خبر إعدام البطل نعى أحمد شوقي عمر المختار بقصيدة بثّ فيها لوعته وحرقته على شيخ المجاهدين، ذاكرا مناقبه ومعدّدا فضائله السمحه وقلبه القويّ الشديد وتمسكه بأرضه التي فداها بروحه الطاهرة:

ركزوا رفاتك في الرمال لواء** يستنهض الوادي صـبـاح مساء "
يا ويحهم نصبوا منارا من دم ** يوحي إلى جيل الغد البغضـاء
ما ضرّ لو جعلوا العلاقة في غد ** بين الشعـوب مـودة وإخـاء
جرح يصيح على المدى وضحية ** تتلمس الحـرية الحمـراء

ياأيها السيف المجرَّد بالفلا ** يكسـو السيوف على الزمان مضاء
تلك الصحارى غمد كل مهند ** أبلى فأحسن فـي العدو بلاء
وقـبور موتى من شـبـاب أمية ** وكهــولهم لـم يبرحوا أحياء
لولاذ بالجوزاء منهم معقل ** دخـلوا على أبراجها الجوزاء

فتحوا الشمال سهـوله وجباله ** وتوغلوا فاستعمروا الخضـراء
وبنوا حضـارتهم فطاول ركنها ** دار السـلام وجلّق الشماء
خُيّرت فاخترت المبيت على الطوى ** لم تبن جـاها أو تلم ثراء
إن البطولة أن تموت من الظما** ليس البطـولة أن تعب الماء

أفريقـيا مهد الأسود ولحدها ** ضجـت عليك أراجلا ونسـاء
والمسلمون على اختلاف ديارهم ** لا يملكون مع المصاب عزاء
والجاهلية من وراء قبورهم ** يبكون زيد الخيل والفلحاء

في ذِمَّـة اللهِ الكريمِ وحفظِـه** جَسَـدٌ ببرْقة وُسِّــدَ الصحـراءَ
لم تُبْـقِ منه رَحَى الوقائِع أَعظُمًا** تَبْلَى،ولم تُبْقِ الرِّماحُ دِماءَ
كَرُفاتِ نَسْرٍ أَو بَقِيَّةِ ضَيْغَمٍ ** باتا وراءَ السَّـافياتِ هَباءَ

بطـلُ البَداوةِ لم يكن يَغْـزو على **"تَنْكٍ"،ولـم يَكُ يركبُ الأَجواءَ
لكنْ أَخو خَـيْلٍ حَمَى صَهَواتِها ** وأَدَارَ من أَعـرافها الهيجاءَ
لَبَّى قضاءَ الأَرضِ أَمِس بمُهْجَـةٍ ** لم تخْـشَ إِلاَّ للسمـاءِ قَضاءَ
وافاهُ مَرْفوعَ الجبينِ كأَنه **سُـقْراطُ جَـرَّ إِلى القُضـاةِ رِداءَ

شَـيْخٌ تَمالَكَ سِـنَّهُ لم ينفجرْ ** كالطفل من خوفِ العِقابِ بُكاءَ
وأَخـو أُمورٍ عاشَ في سَـرَّائها ** فتغيَّرَتْ، فتوقَّع الضَّـراءَ
الأُسْدُ تزأَرُ في الحديدِ ولن ترى** في السِّجنِ ضِرْغامًا بكى اسْتِخْذاءَ
وأَتى الأَسـيرُ يَجُرُّ ثِقْلَ حَـديدِهِ ** أَسَدٌ يُجَـرِّرُ حَيَّةً رَقْطـاءَ

عَضَّـتْ بساقَيْهِ القُيـودُ فلم يَنُؤْ **ومَشَـتْ بهَيْكله السّنون فناءَ
تِسْـعُونَ لو رَكِبَتْ مَناكِبَ شاهقٍ** لترجَّلَتْ هَضَباتُه إِعياءَ
خَـفِيَتْ عـن القاضي, وفات نَصِيبُها ** من رِفْق جُـنْدٍ قادةً نُبَلاءَ

والسِّـنُّ تَعْصِـفُ كُلَّ قَلبِ مُهَـذَّبٍ ** عَـرَفَ الجُدودَ، وأَدرَكَ الآباءَ
دفعوا إِلى الجـلاَّدِ أَغلَبَ ماجدًا** يأْسُو الجِراحَ، ويُطلِق الأُسَراءَ
ويُشاطرُ الأَقرانَ ذُخْرَ سِلاحِهِ ** ويَصُـفُّ حَـوْلَ خِوانِه الأَعداءَ
وتخيَّروا الحبلَ المَهينَ مَنيّةً ** للَّيْثِ يلفِظ حوْلَهُ الحَوْباءَ

حَرموا المماتَ عـلى الصَّوارِم والقَنا**مَنْ كان يُعْطِي الطَّعْنَةَ النَّجْلاءَ
إِني رأَيتُ يَدَ الحضـارةِ أُولِعَـتْ ** بالحـقِّ هَدْما تارةً وبِناءَ
شرَعَتْ حُـقوقَ الناسِ في أَوطانِهم ** إِلاَّ أُباةَ الضَّيْمِ والضُّعَفاءَ
يا أَيُّهَا الشعبُ القريبُ،أَسامعٌ ** فأَصـوغَ في عُمَرَ الشَّهِيدِ رِثاءَ

أَم أَلْجَمَتْ فاكَ الخُطوبُ وحَـرَّمت ** أُذنَيْكَ حينَ تُخاطِبُ الإِصْغاءَ؟
ذهـب الزعيمُ وأَنتَ باقٍ خـالدٌ** فانقُد رِجالَك، واخْـتَـرِ الزُّعَماءَ
وأَرِحْ شـيوخَكَ من تكاليفِ الوَغَى** واحْـمِلْ عـلى فِتْيانِكَ الأَعْباءَ

وفي رثاء عمر المختار قال حمد محمود الباسل"1":

"عزاه يوم شايطه فيه نار*عمر المختار*الفارس اللى كان ريس ادوار"

ورد عليه العديد من الشعر اء حيث قال عبد السلام الكزه"2":

نلقانه العزا فيه يندار يوم*يجنه اهجوم*جيوش ريمهن كيف ريم الغيوم
ومقاويدهن من شداد العزوم*فكاكة الثار*جيابة الفخر يوم ضرب العيار

هذاك هو اللي ان كان يطرن خشوم*يحيد المعار*ويبري اقلوب من الغيظ راحن دمار
حجايج الورق ما بهن شي لزوم* ولا بهن افخار* وايش فايده قولهن صار صار

وقال المهشهش"3":

نلقانه عزا سيد النبات*ماوبكا بنات * ولا حجايجا في ورق بايزات "
يجنه طوابير متناغرات * قباله اجهار* في القايله عز وسط النهار
ويتمن ع المعركه نازلات*وديرن مدار*ما عمره طرى قبل في حرب صار"

وقال شاعر آخر مجهول:

نلقانه عزا سيد قاصر القين*وقادح العين*نهار شر من يوم س حسين
يتمو ع المعركه نازلين*قباله صدار*ازوار م الخيل تتبع ازوار
مااتبان له شمس من الدخاخين* مفيت كبر نار*والضرب فيه دك ماو بالعيار

نلقانه عزا الشيخ مير الجهاد* وعز البلاد*جيوش ريميهن كيف ريم الجراد
يلزن اجيوش العدو من البلاد * ويفكن الثار* ويهدن كما هد موج البحار
نين قوه الطليان تبقى رماد*ويريحوا دمار*اولاد طاليا كبارهم و الصغار

* سيرة عطرة

سيرة ذلك الرجل سيرة عطرة، روحها إيمان وحبّ شديد لقيّوم السماوات والأرض، ورغبة أكيدة في الشهادة في سبيل الله، مظهرها قتال مرير للمستعمر حتى آخر قطرة من الدماء.
ولعلّ هذه الأمة التي أنجبت الأبطال أمثال المختار والشريف والباروني وبالخير وسيف النصر وغيرهم وأنجيت الصناديد أمثال احواس ورفاقه، لاتبخل في إنجاب أبطال آخرين سيغيّروا مجرى التاريخ وتزدهر على أيديهم البلاد ويقوى كيانها وتستطيع الوقوف من جديد، وهذا ما تحقّق على أرض الواقع، أرض ليبيا الكريمة المعطاء، عندما بزغت شمس الفاتح من سبتمبر العظيم بقيادة الزعيم معمر القذافي. يقول أحمد شوقي:

دقات قلب المرء قائلة له
إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها
فالذكر للانسان عمر ثان

ونحن نتذكر القائد البطل عمر المختار الذي مازال وسيظل حيا في قلوبنا مادام في هذه الأمة أحرار نورد هذه الكلمات التي تركها فينا وتداولتها الأيام علّنا نعتبر:" إنني اؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الايمان اقوى من كل سلاح، وحينما يقاتل المرء لكي يغتصب وينهب، قد يتوقف عن القتال اذا امتلأت جعبته، أو أنهكت قواه، ولكنه حين يحارب من أجل وطنه يمضي في حربه الى النهاية.

ان الظلم يجعل من المظلوم بطلا، وأما الجريمة فلا بد من أن يرتجف قلب صاحبها مهما حاول التظاهر بالكبرياء. لئن كسر المدفع سيفي فلن يكسر الباطل حقي."

الهوامش

"1"- محمود محمد الباسل : من زعماء الحركه الوطنيه ضد الاحتلال الانجليزي في مصر ويعود الى قبيلة الرماح الليبية المعروفه وعلى الرغم من كونه ليس شاعر ا الا انه تأثر بأعدام شيخ الشهداء عمر المختار وانشد هذا البيت وارسله الى الشعراء الليبين فى المهجر لينظمو ا شعر على منواله.

"2"- هو عبد السلام عبد القادر الكزه : احد اعلام الجهاد المشهورين شارك في العديد من المعارك التي دارت حول بنغازي وسلوق والابيار ومن ضمن شعره قصيدته التي يرثي فيها ناقته في طريق هجرته الى مصر مفضلا الموت على البقاء تحت حكم المستعمر الايطالى ويقول فى مطلعها:
هالميته يام الحنان * فى ها المكان * ولا سمينه تحت الطليان

وقد مدحه عدد من كبار الشعراء المعاصرين له مشيدين بشهامته وشجاعته هاجر الى مصر واقام فى المنيا توفى ودفن سنة 1940م.

"3"- هو الفضيل موسى المهشهش : ولد وعاش في اجدابيا ويعد من رؤساء دور المجاهدين في تلك المنطقه وما حولها . هاجر الى مصر وتوفي بالمنيا 1939.



التعليقات «1»

ابراهيم عبيدى - مصر [الأحد 14 يونيو 2015 - 5:26 م]
عزيزى، لقد جئت من بلد يشنق فيها الناس إذاطالبوا بحريتهم

موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.067 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com