الاستاذ جعفر عبدالعزيز الصفار- تاروت - 22/01/2007ظ… - 7:08 م | مرات القراءة: 623


ها هو محرّم يطرق بابنا من جديد وتطل علينا أعبق وأروع و أعزّ ذكرى.. فالقلوب تتواثب والعيون تسيل و الصدور تلطم و تتحفّز القرائح و تشدو بما تحمله القلوب من الم وأسى ونحن معهم، نعم في العاشر من شهر محرم الحرام عام 61هـ شهدت العراق وكربلاء تحديداُ اكبر واخطر عملية إرهابية مروعه كان ضحيتها سبط رسول الله وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي .
  ومنذ العاشر من المحرم عام «61 هـ» والى الآن، حاول الطغاة، وكل الأنظمة المستبدة، إخماد وهج الثورة وتشويه رسالة الحسين ، والطعن في مبادئها النبيلة، تارة بقتل كل من ينادي «ياحسين» وأخرى بالدعاية التضليلية السوداء، التي صورت السبط الشهيد ، رجل متمرد خرج على إمام زمانه، وأنه قتل بسيف جده، وثالثة بمنع محبيه وعشاق ثورته من زيارة قبره، لدرجة أن بعضهم حاول المستحيل، من اجل محو أي أثر للقبر الشريف، وكل ذلك لأن الحسين  ثار من اجل الحرية والمساواة والمشاركة الشعبية الواسعة، وأن أمة تمتلك الحسين  وعاشوراء وكربلاء، ينبغي أن لا تعيش ذليلة ومتخلفة بين بقية أمم الأرض وشعوبها. لقد كان الحسين  ولا يزال ضحية العنف والإرهاب، بسبب الاستبداد والديكتاتورية والأنظمة الشمولية، التي وظفت كل شئ حتى الدين من أجل تشويه سمعة الإمام ، وتلقين الناس بكل ما يخالف الحقيقة والواقع.

يجب علينا للثورة الحسينية في كل عام حقوق، حق الحفاظ عليها عبر أحياءها. وهذا الأحياء يتطلب منا جهد ووعي كامل بأهداف ثورة الإمام الحسين  المقدسة وأبعادها، إحياءً ينبع من معرفة وعلم ووعي لينعكس ذلك على سلوكنا لكي نكون كما أمر الإمام الصادق  "كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم"، فالحسين  سفينة النجاة ومشكاة الهدى ويجب على كل من ينادي باسم الحسين أن يعي حجم المسؤولية التي تقع على عاتقه. فقد عرفنا معنى التضحية من أجل الإسلام ونحن ما يجب علينا تقديمه الآن هو التضحية لآجل بقاء ثورة الإمام الحسين  ولكي ننهج طريق الإمام الحسين . فالحسين  كما قال جده رسول الله  "هو مصباح الهدى وسفينة النجاة". عرفنا إنه لا يمكن السكوت عن الباطل وقول الحق وإن كان مُرّاً. عرفنا أنه يجب أن نضحي بأنفسنا وأموالنا وأولادنا في سبيل الله، واستفدنا وتعلمنا الكثير والكثير. فقد جسد سيد الأحرار  في نهضته المباركة كل المفاهيم والقيم الأخلاقية الصالحة، وضرب لنا وأصحابه وأهل بيته أروع الأمثلة في درجات التكامل الخلقي.

أن المسلمون عندما يتذكرون ما جرى على العترة الطاهرة من أعدائهم في كربلاء ويتذكروا عطش الإمام الحسين  وعطش من معه من أهل بيته  وأطفاله وأصحابه، وحرق الخيام وسبي النساء فإنه من الطبيعي أن ينبعث من قلوبهم ما لا يتمالكون أنفسهم، فتحترق قلوبهم ألماً وتسيل دموعهم حزناً على هذا المصاب الأليم. كيف لا!! وهم أهل بيت النبي  الذين يفترض بالأمـة أن تحترمهـم وتقدّرهـم وتُبجلّ شأنهم. كيف لا وقد كانوا بقيادة سيد شباب أهل الجنة  ؟!

و إن الشيعة عندما يظهرون العزاء ويجددون هذه الفجيعة فإنهم أيضاً يتعلمون منها دروساً جمّة، فمن كربلاء تعلمنا إباء الضيم والبعد عن الظلم، وتعلمنا الشهامة والشجاعة وحرية الرأي والفكر والنفران من الأخلاق الدنيئة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن ثورة الحسين  أصبحت لها عند الشيعة كياناً فكرياً، اجتماعياً, عاطفياً، شعبياً. كل ما لدينا من عاشوراء أبي عبدالله الحسين  "رحم الله قائلها وأسكنه فسيح جناته" فما دام هناك صراع دائم بين الحق والباطل بين خط الحسين وخط يزيد فسيكون في كل ارض كربلاء وفي كل يوم عاشوراء..

سر النجاة حب الحسين

كثيرون هم من يرددون بكل سخف ومهزلة من هو الحسين ؟ ولماذا تبكون على الحسين ؟ ولماذا تعشقون الحسين ؟ لسنوات ماضية ضلت هذه الأسئلة تحاور نفسها ولكن مع مرور الأيام اتضحت الحقيقة وانكشفت الأوهام! نحن نعشق الحسين  يا هؤلاء.. لأنه الرجل العظيم صاحب المذهب الحق والطريق الواضح، صاحب المبادئ والقيّم الإنسانية، التي لولاه ما عرفها العالم وتمثل بها الناس. نعشق الحسين  لأنه الذي دعّم مسيرة الحياة في المجتمع الإسلامي وأوصلها على مستوى الإيمان فعلى الهمم، وأسمى النفوس، وطهر الضمائر، وكفل للإسلام البقاء " الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء " لأنه سر النجاة.

البكاء والحزن على سيد الشهداء

قال تعالى " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى "سورة الشورى آية 23 أن من أبرز مصاديق مودة قربى النبي  هو البكاء والحزن على ما أصابهم من ظلم وغدر وأذى . وقد روي عن رسول الله  أنه قال : " كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت على مصاب الحسين ، فإنها ضاحكة مستبشرة "كثير من كتب السنة والشيعة روت أن رسول الله  بكى على الحسين  وهو طفل صغير، وقد تكرر هذا البكاء والتنبؤ بالمصيبة في مواقف متعددة. فإذا كان صاحب الرسالة  قد بكى على الحسين  مراراً وتكراراً فكيف لا نواسيه نحن التابعين لرسالته في مصيبته ونشاركه في أحزانه؟ ولماذا لا نتأسى برسول الله  في البكاء على الحسين  ؟! فكما دام حزن نبينا  مدى حياته، وكدّر صفو عيشه رزء ولده العزيز، والأمـر بعد لم يقع، كذلك حقيق علينا وعلى كل من صدّقه صلى الله عليه وآله وسلم وصدق في ولائه، واستنّ بسننه، أن يدوم توجعنا وتفجعنا بالمصاب الفادح، ويكون البكاء والعويل على بضعة نبينا  سرمداً إلى يوم القيامة . ما يضر الذين يقيمون الشعائر الحسينية ان يسخر منهم الجاهلون, ما دام يعلمون أنهم على الحق وان أعدائهم على الباطل. لقد شكوا عند الأمام الصادق  استهزاء الأعداء هم فقال مهدئاً روعهم: (والله لحظّهم أخطأوا، وعن ثواب الله زاغوا، وعن جوار محمد  تباعدوا). قد دعا النبي  على من يستهزئ بالشيعة على إقامة شعائرهم في حديثه لأمير المؤمنين  قائلاً: (ولكن حثالة من الناس يعيّرون زوّار قبوركم كما تُعَيَّر الزانية بزناها، أولئك شرار أمتي لا أنالهم الله شفاعتي ولا يردّون حوضي).

الإصلاح في نهضة سيد الشهداء

عندما نقف مع الإمام الحسين  فإننا نجد له نصين فيما يتصل بالواقع الذي عاشه والتحديات التي واجهها الإسلام، فقد أعطى في الخطبة المعروفة التي خطبها عند خروجه عنواناً لحركته، فقال  : "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي  أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب  فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين"، كما نجده  يعلن أن الهدف من تحركه ليس من أجل الظلم، بل لأنه انطلق من أجل أن يرفع الظلم، وهذا هو شأنه وهذه هي رسالته، وليس مفسداً لأنه انطلق من أجل أن يسقط الفساد، وليس أشراً ولا بطراً، بل انطلق سائراً في خط رسالته كله.

فلذا كان الخروج رفضاً للظلم والتعسف والتجبّر وأخذ البيعة غصب ًفلم تكن البيعة على مستوى الشورى بين المسلمين، كما ذكر في طريقة معاوية في أخذ البيعة ليزيد عندما وقف شخص يحمل صرراً من الدراهم بيد والسيف بيد ليقول: من بايع فله هذا ومن لم يبايع فله هذا. كان الخروج بنية الإصلاح لمحاربة الفساد المستفحل آن ذاك، ونستطيع أن نتعرف على المسألة في الخطبة الثانية التي أطلقها الإمام الحسين  ، فمما روي عنه أنه قال  : "أما بعد فقد علمت أن رسول الله  قد قال في حياته: من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله  يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثم لم يغيّر بقول ولا فعل كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله". لم يقبل الإمام الحسين  أن يبايع حاكماً جائراً، لأن الثورة على الحاكم الجائر الذي يتصف بهذه الصفات في الواقع الإسلامي هي أمر واجب على المسلمين، لذلك كان الإمام الحسين  يعمل على تغيير الواقع، ولم يكن يريد في البداية أن يعلن الحرب، بل داعياً إلى الله، مصلحاً ؛مغيّراً للواقع؛مطالباً بالحرية. فلنتعلم من الإمام الحسين  ولنتخذه قدوة وأسوة لنكون من دعاة الإصلاح، ومن دعاة الحرية والديمقراطية، ولنمارس دور المصلح الرسالي. فذاك كان هدف خروج الإمام .

 إذا كان دم أبي عبدالله  قد حفظ الإسلام من الانحراف، وفضح الطواغيت وأساليبهم ووسائلهم، فإن دماء أنصاره التي تراق في العراق، ستحفظ العراق من خطر الانزلاق، في مهاوي الديكتاتورية والاستبداد من جديد، وستفضح الإرهابيين ، وجماعات العنف والتعصب الأعمى، وستحصن العراقيين من الرضوخ لحكم الأقلية أيا كان نوعها.

هذه آهاتي سطرتها في هذه الكلمات المتواضعة عليّ أكون قد وفيت القليل من تضحيات أبا الشهداء فإن هذه الكلمات الهدف منها معرفة ما بقلب كل موالي ومحب خصوصا لهذه الأيام العظيمة وهي عاشوراء الدم..

وبهذه المناسبة نرفع أحر آيات التعازي والمواساة إلى حضرة مولانا صاحب العصر والزمان قائم آل بيت محمد  الإمام المنتظر المهدي (عج) نسأل الله أن نكون من أنصاره وأعوانه لنصرة الحق والأخذ بثار الحسين وأهل بيته  ، وإلى الأمة الإسلامية جمعاء وعظم الله أجورنا وأجوركم أيها الموالون ونسألكم الدعاء..


التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.068 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com