الأستاذ جهاد عبد الإله الخنيزي - 08/12/2010ظ… - 1:51 م | مرات القراءة: 1246


نحن الشيعة الذين نؤمن بأنَّ الخلافة والإمامة هي منصوصة على الإمام علي وأحد عشر إماماً معصوماً آخر، نقول بأنَّ الناس عندما تركوا الوصية في تنصيب الإمام علي تحملوا نتيجة اختيارهم، وعندها ستحاسب الدولة على اختيارهم أي أنَّ أئمة أهل البيت ليسوا مسئولين عن الأخطاء التي تقع إذا لم يكونوا هم المتصرفين فيها، هم ليسوا مسئولين عن أي خطأ سياسي أو جغرافي أو ديني،

سألني أحدُ المثقفين عن وجود الدولة الإسلامية، هل هناك دولة في الإسلام، هل صحيح ما يقوله الإسلاميون بوجودها؟

قلت له: موضوع الدولة في الفكر الديني الإسلامي لا يختلف عن موضوع المزارعة والمساقاة والزواج والمضاربة والتأمين وغيرها.

سألني: كيف.

قلت له: الدولة في الإسلام موضوع أنشأه النَّاس من خلال تجاربهم، كما أوجدوا المساقاة والمزارعة والمؤاجرة والقرض والتأمين، والإسلام كدين عندما جاء لم تكن تعني له الدولة كما هي في النظام السياسي الحديث التي تتكون من شعب وأرض ونظام، لم تكن تعني له الكثير، بقدر ما كان يعني له وجود القائد الصالح والتشريع الصالح الذي يدير شؤون الناس ويحفظ لهم حقوقهم، ويمنع الظلم والتعدي، ويفتح آفاق التطور.

سألني: إذن ما يقوله الليبراليون صحيح فلا وجود للدولة في الإسلام.

قلت له: في الإسلام هناك تركيز

1ـ على الأرض التي يسكنها المسلمون لذا أجاز لأصحابها أن يقاتلوا من أخرجهم منها

2ـ وعلى قائد الأمة، من هو ، وما هي مواصفاته.

والدولة ليست مقصودة بذاتها كما يحدث الآن عند كل شعب وأمة ونظام.

سألني: كيف.

قلت: الدولة ككيان مرتبطة في وجودها بوجود دوافع وجودها، أي إذا وجد شعب مؤمن بالإسلام، وبالنبي محمد (ص) أو بخلفائه فسوف تصل السلطة إلى حيث يوجد، لذا اهتم الإسلام بالأرض التي يوجد فيها المسلمون، وترك شأن الدولة إلى ظروف الزمان والمكان، لأنه يرى الأرض كلها مجال دعوة للإسلام وليست أرضاً دون أخرى.

سألني: أهذا تأييد لعدم وجود دولة في الإسلام.

قلت له: لا ، هذا لا يعني أنني أنفي وجود الدولة في الإسلام، ولكنْ الدولة كما هي معهودة بحدودها الجغرافية وكشعب ونظام لم تكن مقصودة في الإسلام، فالإسلام دين عالمي، ودين هداية هدفه الإنسان والشعوب والأمم في كل مكان، لذا ترك موضوع الدولة كنظام جغرافي يتشكل من خلال التجربة، وركز على الحاكم لأنَّه ضمانة صلاح الأمة، وضمان صيانة الدين وفهمه وتعريف الناس به، كما ركز على أرض الإسلام لحمايتها كي لا تتحول لسيطرة دولة الكفر أو دولة الظلم، وأمرنا بالقتال لأجلها إذا أخرجنا منها لأنها أرض للمسلمين يقام فيها الإسلام.

قلت له: والسبب واضح جداً هو أنَّ الإسلام يرى الأرض كلها مجال دعوة، وهي دولته الحقيقية، وهو يريد الانبساط على كل الأرض.

سألني: وهل تصبح الدولة دينية إذا كان حكامها هم رجال الدين.

قلت له: في هذا الموضوع هناك مجموعة من الأمور التي ينبغي توضيحها كي نصل لإجابة سليمة

الأولى: لا بد أن نعرف ما هو الدين، فنحن نتصور الدين غالباً ضمن التصور العبادي أي الصلاة والصيام والحج والزكاة، وتأثير هذا الانصراف على مفهوم الدين منتشر في الوعي الشعبي لدرجة أنك إذا أردت أن تصف شخصاً بأنه متدين تقول يصلي ويصوم ويخمس ويزكي، أما أن تقول عنه بأنه يسعى للإصلاح ومحاربة الظلم والجهل والتخلف والاستبداد فهذا لا يعني له بأنه دين، وصاحبه متدين، مع أنَّ هذه من أسمى مقاصد الإسلام.

والدولة موضوعها هي هذه العدالة والتنمية الاقتصادية والبشرية ورفع الظلم وغيرها، والناس يعتبرون هذه الأمور من موجبات الحكم العادل الذي يفرضه توافق العقلاء على إقامة الدولة، لذا هم لا يهتمون كثيرا بوصف الدولة بأنها دينية أو إسلامية إذا كانت تدعو لتطبيق هذه المبادئ، لأنهم يعتبرونها من شؤون العقلاء أكثر من كونها من شؤون الدين.

الثاني: ما يقيم الدولة الدينية أو الإسلامية هي الأمة الدينية أو الإسلامية، فهم الذين يعطونها هويتها، وحتى في الجماعات التي لا تُكون دولا وتنتمي لدول تختلف عنها في الطباع أو الثقافة قد يطبعون مجتمعهم بالديني بسبب قوة تمسكهم به فيقال شعب فلان أو أرض فلان من خصائصها أنها بلاد دينية وشعبها شعب يلتزم بتعاليم الدين مقارنة بجزء آخر في نفس الدولة.

لذا لا يمكن لفئة طبقية أن تشكل هوية دولة لوحدها أياً تكن هذه الفئة بدون اتجاه الأمة لتكوين هذه الهوية.

الثالث: وجود رجل الدين في أعلى سلطة في الحكم يمكن أن يكون إشارة إلى كونها دولة دينية ولكن لم يحدث هذا بشخصه الديني فقط، بل بسبب تمثيله للدين، فالدين هو الذي جاء به، لذا المسألة مرتبطة في الحقيقة بنوع الفكر الذي أوصل رجل الدين للحكم لذا يمكن عندها القول بأنها دولة دينية لا بسبب الرجل بل بسبب من جاء بالرجل.


سألني: كيف تفسر إذن وجود أربع خلفاء بعد النبي كل خليفة اختير بطريقة مختلفة، ودولته تختلف عن دولة الآخر في الإدارة السياسية؟ وكيف نفسر دولا تقول بأن حكمها إسلامي وهي دولة إسلامية وهي تطبق العلمانية السياسية، وكيف ونحن الشيعة نؤمن بتنصيب الإمام

قلت له: الإسلام عندما ركز على الخليفة والحاكم كان مقصوده هو من يوصل الأمة إلى كمالها بتطبيق الدين، والناس لم تقبل النبي محمد بسهولة وتهيئ له أرضاً وحكماً، لقد بذل النبي محمد (ص) جهوداً كبيرة لأجل تأسيس الأمة الأولى والأرض الأولى واستغرقت منه المعركة أغلب سني بعثته لدرجة أن نجاحاته الكبيرة ظهرت في الواقع منذ السنة السابعة للهجرة بعد فتح مكة وإذعان قريش لسلطة النبي ودينه الغالب على دينهم، فبدأ الإسلام ينتشر في ربوع الجزيرة العربية.

وعندما توفي النبي محمد (ص) اختلف المسلمون في من هو الخليفة، حيث كان الإمام علي كان ينبه المسلمين إلى وجوب بيعته التي نصَّ عليها النبي محمد (ص) وذكرها في خطبته المسماة بـ (الشقشقية)، أما الأنصار أو مجموع الأوس والخزرج فقد اتفقوا في البداية على أن تكون الخلافة لهم دون قريش ولكنهم فشلوا بسبب اختلافهم، والتنازع، والنفاسة التي كانت بين زعيمي الأوس والخزرج.

أما قريش فقد فازت بالفرصة فهي التي حازت الخلافة وأقصت فريق الهاشميين وعلى رأسهم الإمام علي، كما أقصت الأنصار، وبددت حلمهم للأبد.

ومنذ ذلك الوقت تشكلت معالم الدولة بحسب اجتهادات الصحابة في اختيار الخليفة إلى أن وصلت للإمام علي مروراً بابنه الإمام الحسن ثم إلى بني أمية فالعباسيون كما هو معهود في كتب التاريخ.

سألني: ولكنَّ الدولة تشكلت في عهد الصحابة وبالأخص الخليفة عمر، فهل مؤسس الدولة هو النبي محمد أو الصحابة.

قلت له: الفارق بين نتيجتك وما قلت لك من قبل هو أن الله عزَّ وجل لما جاء بالإسلام وضع فيه كل ما يحتاجه البشر لإدارة حياة الناس فكما جاء بالتعاليم والقوانين وحدَّد من هو الخليفة، لم يجبر الناس على من يختارونه، رغم أنَّه حسب العقيدة الشيعية قد نصب لهم الإمام علي، وترك لهم حرية الاختيار وتحمل مسئوليته إن أصابوا أو أخطئوا، فالدولة كانت تنشأ بعد اختيار الخليفة، وهي في الواقع نتيجة اختيار الناس، لذا الدولة تتسع وتضيق، وتنمو وتتقهقر بحسب السنن الطبيعية.

وحتى نحن الشيعة الذين نؤمن بأنَّ الخلافة والإمامة هي منصوصة على الإمام علي وأحد عشر إماماً معصوماً آخر، نقول بأنَّ الناس عندما تركوا الوصية في تنصيب الإمام علي تحملوا نتيجة اختيارهم، وعندها ستحاسب الدولة على اختيارهم أي أنَّ أئمة أهل البيت ليسوا مسئولين عن الأخطاء التي تقع إذا لم يكونوا هم المتصرفين فيها، هم ليسوا مسئولين عن أي خطأ سياسي أو جغرافي أو ديني، وهم ليسوا مسئولين عن الدول التي حولت الحكم إلى ملك عضوض واستبدادي ، هذا أمر بديهي فأنت لا تستطيع أن تلزم أحداً بفعل غيره.

وفي هذه المرحلة تصبح قيمة الدولة في تطبيقها للمبادئ الإسلامية في الحكم والأمرة، أي أن الحكم السياسي سوف يكون إسلاميا أو غير إسلامي عندما يلتزم الحاكم بتطبيق غايات الدين في تحقيق العدالة والمساواة ونشر المحبة ورعاية شؤون الناس وتحقيق الصلاح.

سألني: هذا عن الدولة الواحدة، فماذا عن وجود دول إسلامية لكل منها نظامها السياسي وشعبها وجغرافيتها.

قلت له: لا يختلف الأمر فالذي يحدد الحكم أنَّه إسلامي أولا هو وجود شعب يؤمن بالإسلام، وحاكم يطبق مبادئ وقيم الإسلام، فعندها تصبح كل دولة إسلامية حتى لو كانت كل واحدة مستقلة عن الأخرى.

قال لي: كيف وهي تختلف في نظم الحكم.

قلت له: كما تعرف الإسلام عندما جاء قدم التعاليم أو ما نسميه القوانين، كما حدَّد من هم الخلفاء على نحو التعيين كما يقول الشيعة، أو على نحو عدم التعيين كما يقول السنة، وكان غرضه هو صناعة التقدم والفضيلة وإصلاح وضع الشعوب، وهنا الشعوب هي التي عليها أن تختار نظامها السياسي الذي يحقق لها هذه الغاية، فطالما لا يتولى المنصوص عليه من قبل الله، بحسب اعتقاد الشيعة، تصبح المسئولية هي مسئولية الناس فهم عليهم أن يرتضوا نظام الحكم الذي سيحكمهم هل هو الديمقراطي أو نظام أهل الحل والعقد أو الوراثي أو الحزبي أو غيرها. المهم هو هل يحقق هذا النظام غايات الإسلام من وجوده ووجود أمة الإسلام، ويحقق العدالة والتنمية والمساواة وينشر الكرامة والحرية والفضيلة ويقوي من الأمة.

عند هنا اعتذرت من صديقي، وقطعت الحوار، واستأذنت منه، فأحببت أن أنقل لكم هذا الحوار وتركت الإتيان بالشواهد والاستدلالات إذ لكل واحد منها شاهد عندي.




التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.106 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com