حمزة قبلان المزيني* - 09/02/2007ظ… - 6:36 ص | مرات القراءة: 509


أصدر مكتب المرجع الشيعي البارز السيد علي السيستاني بيانا مهمًّا في 14/1/1428هـ مذيَّلا بختمه يتناول فيه الأوضاع المتفجرة بين الشيعة والسنة، في العراق وخارجه.

وكانت بعض التهم قد وُجِّهت للسيد السيستاني في بعض المواقع الإنترنتية وبعض وسائل الإعلام مفادها أنه يكفِّر المسلمين غير الشيعة. وهو ما أثار كثيرا من اللغط وقوبل بردود فعل قوية. ويبرئ هذا البيان السيد السيستاني من هذه التهم فيقول إن بعض وسائل الإعلام تنشر:"... بين الحين والآخر فتاوى غريبة تسيء إلى بعض الفرق والمذاهب الإسلامية وتنسبها إلى سماحة السيد دام ظله في محاولة واضحة للإساءة إلى موقع المرجعية الدينية وبغرض زيادة الاحتقان الطائفي وصولاً إلى أهداف معينة.
إن فتاوى سماحة السيد دام ظله إنما تؤخذ من مصادرها الموثوقة ـ ككتبه الفتوائية المعروفة الموثّقة بتوقيعه وختمه ـ وليس فيها ما يسيء إلى المسلمين من سائر الفرق والمذاهب أبداً، ويعلم من له أدنى إلمام بها كذب ما يقال وينشر خلاف ذلك".
وإن هناك من يسعى:"... لتكريس الفرقة والانقسام وتعميق هوة الخلافات الطائفية بين المسلمين، وقد زادوا من جهودهم في الآونة الأخيرة بعد تصاعد الصراعات السياسية في المنطقة واشتداد النزاع على السلطة والنفوذ فيها، فقد جدّوا في محاولاتهم لإظهار الفروقات المذهبية ونشرها بل والإضافة عليها من عند أنفسهم مستخدمين أساليب الدسّ والبهتان لتحقيق ما يصبون إليه من الإساءة إلى مذهـب معين والتـنقيص من حقوق أتباعه وتخويف الآخرين منهم".
وأشار إلى:"... مواقف سماحته والبيانات الصادرة عنه خلال السنوات الماضية بشأن المحنة التي يعيشها العراق الجريح، وما أوصى به أتباعه ومقلّديه في التعامل مع إخوانهم من أهل السنة من المحبة والاحترام، وما أكّد عليه مراراً من حرمة دم كل مسلم سنياً كان أو شيعياً وحرمة عرضه وماله والتبرؤ من كل من يسفك دماً حراماً أيّاً كان صاحبه".
وتأتي أهمية هذا البيان من صدوره عن هذه المرجعية الشيعية العليا التي يقلدها كثير من المسلمين الشيعة في العالم. وهذا ما يوجب الترحيب به والعمل على جعله أساسا لبداية عمل مخلص جديد لوأد الفتنة بين المسلمين. كما يجب أن يُبرز ويُنشر على نطاق واسع لما يتضمنه من المبادئ التي يمكن أن تُرشِّد مواقف المسلمين الشيعة وتُدخل الاطمئنان على السنة وتضع الخلاف بين المذهبين في مساره الحقيقي.
وافتتح البيان بالفقرات الثلاث المهمة التالية:
"تمرّ الأمة الإسلامية بظروف عصيبة وتواجه أزمات كبرى وتحدّيات هائلة تمسّ حاضرها وتهدّد مستقبلها، ويدرك الجميع ـ والحال هذه ـ مدى الحاجة إلى رصّ الصفوف ونبذ الفرقة والابتعاد عن النعرات الطائفية وتجنّب إثارة الخلافات المذهبية، تلك الخلافات التي مضى عليها قرون متطاولة ولا يبدو سبيل إلى حلّها بما يكون مرضيّاً ومقبولاً لدى الجميع، فلا ينبغي إذاً إثارة الجدل حولها خارج إطار البحث العلمي الرصين، ولاسيما أنها لا تمسّ أصول الدين وأركان العقيدة، فإن الجميع يؤمنون بالله الواحد الأحد وبرسالة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وبالمعاد وبكون القرآن الكريم ـ الذي صانه الله تعالى من التحريف ـ مع السنة النبوية الشريفة مصدراً للأحكام الشرعية وبمودة أهل البيت عليهم السلام، ونحو ذلك مما يشترك فيه المسلمون عامة ومنها دعائم الإسلام : الصلاة والصيام والحج وغيرها.
فهذه المشتركات هي الأساس القويم للوحدة الإسلامية، فلا بدّ من التركيز عليها لتوثيق أواصر المحبة والمودة بين أبناء هذه الأمة، ولا أقل من العمل على التعايش السلمي بينهم مبنياً على الاحترام المتبادل وبعيداً عن المشاحنات والمهاترات المذهبية والطائفية أيّاً كانت عناوينها.
فينبغي لكل حريص على رفعة الإسلام ورقيّ المسلمين أن يبذل ما في وسعه في سبيل التقريب بينهم والتقليل من حجم التوترات الناجمة عن بعض التجاذبات السياسية لئلا تؤدي إلى مزيد من التفرق والتبعثر وتفسح المجال لتحقيق مآرب الأعداء الطامعين في الهيمنة على البلاد الإسلامية والاستيلاء على ثرواتها".
وتتضمن هذه الفقرات بعض المبادئ المهمة لردم الهوة بين المذهبين ومنها أن هذه الخلافات:
1ـ مضى عليها قرون متطاولة ولا يبدو سبيل إلى حلّها بما يكون مرضيّاً ومقبولاً لدى الجميع.
2ـ لا ينبغي إثارة الجدل حولها خارج إطار البحث العلمي الرصين.
3ـ أنها لا تمسّ أصول الدين وأركان العقيدة.
ويكفل هذا التوصيفُ القضاءَ على الأسباب الرئيسة التي ينطلق منها المغرمون بتأجيج النزاعات بين المذهبين.
ذلك أن هذه الخلافات ـ بحسب السيد السيستاني ـ لا تمس أصول الدين وأركان العقيدة. فالأساس الذي قامت عليه سياسي في طبيعته ويتلخص في التنازع في مسألة خلافة النبي صلى الله عليه وسلم.
فيرى الشيعة أن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه أحق بالخلافة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى له بذلك. أما السنة فلا يرون ذلك، وهو ما جعلهم يختارون لها أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ـ رضي الله عنهم أجمعين.
ويرى السنة أن ترتيب علي رضي الله عنه خليفة رابعا وعدم توليته الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وتقديم الخلفاء الثلاثة عليه لا يتصل بموقف سلبي منه ولا يعني عدم حب السنة له ومعرفة فضله.
وكان هذا التنازع السياسي بطبيعته هو الأساس الذي تفرعت عنه القضايا الخلافية كلها، وهي التي زادت من احتقانها الأحداث الأليمة التي حدثت بعد ذلك ومن أهمها استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنهما.
ودام هذا الخلاف لقرون عديدة، كما يلاحظ السيد السيستاني، ولم يصل المسلمون إلى حل لهذه العقدة على الرغم من كثافة الاهتمام بها. وظل كل فريق يكرر حججه المعروفة التي يقابلها الفريق الآخر بحجج مضادة، وكانت النتيجة أن أحدا لم يُقنع أحدا.
ومحصلة كلام السيد السيستاني أنه ما دام أن المسلمين لم يصلوا طوال تاريخهم إلى حل لهذه المشكلة فإنهم لن يصلوا إليها الآن مهما اشتد الجدل بينهم. فالأَولى، إذن، أن يحتفظ كل فريق بموقفه ويكف عن محاولة إرغام الفريق الآخر على التخلي عن الموقف الذي يتمسك به.
ومما يسهل التعامل مع هذه المشكلة على المعاصرين من المسلمين أنهم ليسوا مسؤولين عنها، وليس بإمكانهم تغيير ما حدث. ومادام أنه من المستحيل الوصول إلى حل مرض لها الآن فمن الأفضل أن تظل قضية تاريخية يهتم بها المتخصصون في التاريخ.
ومما يساعد في معالجة هذه المسألة التي فرقت بين المسلمين طوال العصور وأسالت كثيرا من الدماء وخلَّفت كثيرا من المشكلات الفرعية تأكيد السيد السيستاني أنها ليست من صميم الدين، ويعني هذا أنه لا يحق لأي من المهيِّجين من الطرفين جعْلها سببا في تكفير المسلمين من المذهبين.
ويشير السيد السيستاني إلى أن المسلمين تجمع بينهم مشتركات أساسية تشهد بانتمائهم جميعا إلى الإسلام على الرغم من بعض الخلافات التي يجعلها بعض المتشددين من الطرفين حدا فاصلا يدخل هذا الفريق في الإسلام ويخرج الفريق الآخر منه. وتكفي هذه المشتركات لتمثيل الحد الأدنى الذي يمكن أن يؤسس عليه المسلمون جميعا علاقات سلمية بينهم بغض النظر عن اختلاف مذاهبهم.
ومن الواضح أنه لو ارتقى المسلمون جميعا إلى هذا المستوى لكان من السهل عليهم القضاء على جزء كبير مما يثير الفتنة بينهم.
ومن هنا يجب أن نمسك بهذه اللحظة التاريخية التي يمثلها صدور هذا البيان من هذه المرجعية المرموقة، ونعمل تبعا لذلك على تعميمه على أوسع نطاق، في العراق خاصة الآن، وأن يكون وثيقة يوعظ بها على منابر المساجد والحسينيات والمنتديات والصحف والندوات التلفازية والإذاعية حتى يصل إلى المسلمين جميعا من المذهبين بديلا عما تحفل به هذه المنابر كل يوم من الشحن الطائفي البغيض.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن يقابَل هذا البيان المؤسِّسُ ببيانات من علماء السنة، تماثله من حيث المرجعية والمحتوى. أما في غياب هذا التجاوب فإن كثيرا من المتطرفين على الجانبين سيستغلون الأحداث السياسية التي تمارس ضغطها الآن ليجعلوها ستارا يتخفون وراءه لتنفيذ مشاريعهم الإقصائية التي تتذرع بالإسلام ومحصلتها سفك الدماء وإدامة الفوضى والتخريب وتهديد مستقبل دول بأكملها ليس العراق إلا الضحية الأولى لها.
إن صدور مثل هذه البيانات من المراجع الدينية العليا للمذاهب الإسلامية هو البديل الوحيد الناجع في الظروف الحاضرة لمؤتمرات "التقريب" التي لم تؤد إلا إلى تأكيد الخلافات بدلا من معالجتها. ويجب أن تكون محصلة هذه البيانات أن الإسلام ليس حكرا على مذهب بعينه، وأن الواجب الأول على قادة المسلمين وأولي الرأي فيهم ألا يجعلوا من الخلافات التاريخية أسبابا لإبقاء جذوة العداء والتنازع حية مع أنهم لا يملكون الآن تغييرها.


التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.064 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com