الأستاذ جهاد عبد الإله الخنيزي - 10/02/2011ظ… - 8:48 م | مرات القراءة: 942


فأي رجل دين أو مثقف يدعو للتحزب والتصادم، ويقود خطاباً يؤجج المجتمع هو رجل لا يمثل قيم الدين، بل والعياذ بالله ربما أوقع نفسه في مأثمة لا يعلم نتائجها على نفسه ومن تأثر بها إلا خالقه، ونحن نسمع عن فرعون كيف أورد قومه النار والعياذ بالله.

تمارس المجتمعات المتحضرة حوارات ذاتية مستمرة، ويتصاعد داخل بنية كل ثقافة من يمثل تكوينها التاريخي، والمعاصر، سياسياً ودينياً وثقافيا واجتماعيا ويُلقى على لسان الناس تحميلها مسئوليتين:

1ـ المسئولية التشارعية، ونقصد بها اعتقاد الناس أنَّ هذه التكوينات هي ممثل عنها خرج من رحم الثقافة، فهي تأخذ قوتها من هذا الانتماء، سواء أكانت سلطة سياسية أو دينية أو غيرها.
2ـ المسئولية الاقتدائية، ونقصد بها أنَّ نجاح هذه التكوينات في أداء عملها يجعلها محل قدوة اجتماعية وفي نفس الوقت مقتدَ بها، لأنَّ النجاح هو غاية متفقة بين الجميع، وأمرٌ يمكن قياسه بوضوح.

ولا يخفى أنَّ موضوع العلاقة بين السلطات معقد في تركيبه وتكوينه، وتتبدل درجات قوته، إلا أنَّ المؤكد أنَّ أي مجتمع يتطلع دائماً لتعاون هذه السلطات من أجل التنمية المستمرة، وتقليل التوترات الداخلية، وبناء نماذج ناجحة في طريقة إدارة الفكر الاجتماعي المنتج.

ما يعنيني هنا هو فهم الأدوار المثالية لكل سلطة من السلطات التي يتمتع بها
1ـ رجل السياسة 2ـ رجل الدين. 3ـ المثقف. 4ـ الوجيه.

في سبيل تحقيق أهداف الوطن ـ الأمة ـ المجتمع.

وبهذا تتكامل أضلاع الدولة الخمسة عندما نضم المجتمع كجامع طبيعي ومصدر هذه السلطات، فأيٍ تكن أيدلوجيات شرعية السلطات بما فيها الدينية فهي لا تخرج عن كونها تشريع لنوع السلطة التي تنبع من رحم المجتمع.

دعونا ننظر للصورة بشكل متكامل، من خلال نوع الوظيفة، فرجل الدين هو معلم للقيم الفاضلة فوظيفته هي التعليم، فيما وظيفة المثقف هي بيان قيمة وقوة الأفكار الذهنية التي تمثل هذه القيم، أما الوجيه فهو بحسب المتوقع نموذج مصنوع من هذه القيم والأفكار، ويأتي رجل الدولة أو السياسة كمسئول أول ومتفهم ومدير ومنتج لكل أهداف أضلاع الدولة أو غايتها وهو المجتمع الذي يحتوي كل شيء.

ولا أريد أن أناقش هل يمكن أن تجتمع هذه السلطات في شخص رجل، أو بعضها، أو لا يمكن فلست غايتنا تفصيلية تماماً.

إلا أن الحقيقي أن نجاح التنمية أو معالجة المشكلات لا يمكن تحقيقه بدون تعاضد جميع السلطات، وصلاحها في نفس الوقت، واجتماعها على قرار وطني واضح هو بناء الوطن ـ الإنسان.

وما أريد قوله هو أنَّ ممثلو السلطات بحاجة دائماً للاستماع إلى بعض، كما الاستماع إلى الجمهور، واستدامة الحوار بينها كمولد للأفكار والحلول والمشروعات ينبغي أن يكون منهجاً دائماً أيضاً.

لقد وضحت لنا الكثير من التجارب أن الحوار والتواصل بين السلطات الأربع مهم جداً، وليس صحيحاً أنَّ الدعوة للقطيعة بين السياسي أو رجل الدولة من جهة، والوطني والديني والثقافي من جهة ثانية هي السبيل المفضل لتكوين مجالات منفصلة، فتجزئة العمل هو تجزئة للوطن، وتضاد السلطات هو تفكيك للمركب الطبيعي.

وبحسب تتبعي التاريخي فإنَّ الناس تميل للتعايش والتوافق الذاتي طالما لم تتوفر لها دواعي العصبية بمختلف أنواعها، لذا لا أفهم العصبية التي تحدث بين المدن والمحلات والمذاهب والفئات والتوجهات، هل يمكن أن نعقل كيف أن موظفاً يتحزب لمحلته وقريته أو مدينته على حساب أخرى تقع بجواره، هل يمكن أن نتصور وجيهاً يعتقد بأنَّ الدنيا هي فيما يخص فئته التي ينتمي لها اجتماعياً، هل يمكن أن نتصور مثقفاً ينتج الأفكار كي يصلح فئة محدودة جداً والبقية فلتأكلها النار؟! هل يمكن تعقل أنواع هذه العصبيات وغيرها؟!

وفي ظني إنَّ أخطرها دائماً هو العصبية الدينية التي قد تظهر من بعض رجال الدين وتتلبس مظهر الحمية والدفاع عن الدين أو فئة أو جهة أو حزب فيما هي شؤون فردية مردها عوالج نفسية خاصة باطنية.

فأي رجل دين أو مثقف يدعو للتحزب والتصادم، ويقود خطاباً يؤجج المجتمع هو رجل لا يمثل قيم الدين، بل والعياذ بالله ربما أوقع نفسه في مأثمة لا يعلم نتائجها على نفسه ومن تأثر بها إلا خالقه، ونحن نسمع عن فرعون كيف أورد قومه النار والعياذ بالله.

علينا إذاً أن نتقي الله فيما نقول وننتج من خطاب، ويكفي تضحية بالناس، وبقيمهم ودينهم، و وطنيتهم، يكفي التلاعب بالدين، واستغلال الناس بالخطاب العاطفي، يكفي تسميعهم خطاب العصبية السياسية بلباس ديني أو وطني أو فئوي، فكل هذه لمن عرف تعاليم الدين مفاسد ومآثم من الدرجة الأولى بعد الكفر والعياذ بالله، ألسنا نسمع من القرآن بأن الفتنة أشد من القتل، ألسنا نعلم بأن القتل هو من أكبر الكبائر التي ورد فيها أن من يقتل مؤمنا لا يدخل الجنة، أنظر كيف الأمر إذا في الفتنة، أنَّها تتجاوز حدود الكبيرة إلى كبيرة الكبائر.

هذا كلام أمنيتي أن يستمع إليه الجميع، وأن ينتبه من يدعو للفتنة علناً أو سراً، كلاماً أو عملاً، عفوية أو تخطيطاً، أو يهيج الرأي العام، ويفت من عضد المجتمع، ويقف حائلاً بين الأخوة الإسلامية، أنَّ التاريخ سيحاسبه أولاً، فسنة الله أنَّ ما ينفع الناس يبقى والزبد يذهب جفاء.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.068 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com