الأستاذ جهاد عبد الإله الخنيزي - 18/02/2011ظ… - 8:00 ص | مرات القراءة: 1717


من خلال معرفتي بالواقع الشيعي في القطيف والأحساء والمدينة المنورة، يمكن التأكيد على حقيقة راسخة وبديهية، هو أن الأغلبية هي مع الخيار الوطني الداخلي، ومع وحدة هذا الوطن، وتلاحمه، والبقاء عليه متماسكا قوياً تسوده روح الإخاء والمحبة، وتتلاشى فيه الأزمات الداخلية التي تصنع بين فترة وأخرى.


في الأيام السابقة ونتيجة لما يحدث في المنطقة العربية، بت أسمع كلاماً من بعض الناس حول الغضب السعودي، وأن الشيعة أيضاً غاضبون جداً من واقعهم الذي يفقدون فيه كثيراً من الحقوق المدنية والوظيفية، هل صحيح أن الشيعة السعوديون غاضبون جداً كما يقول البعض أم أنَّه من تأثير موجة الإعلام؟

من خلال معرفتي بالواقع الشيعي في القطيف والأحساء والمدينة المنورة، يمكن التأكيد على حقيقة راسخة وبديهية، هو أن الأغلبية هي مع الخيار الوطني الداخلي، ومع وحدة هذا الوطن، وتلاحمه، والبقاء عليه متماسكا قوياً تسوده روح الإخاء والمحبة، وتتلاشى فيه الأزمات الداخلية التي تصنع بين فترة وأخرى.

هذا لا يلغي أنَّ الشيعة السعوديين لهم مطالبهم التي يريدون لها أن تحل من خلال معيار الوطنية أولاً وأخيراً، أي أنهم يرغبون في حل المشكلات التي يتعرضون لها من خلال وضع آليات مساواة بين الجميع تعتمد الكفاءة أولاً دون النظر إلى المذهب والقبيلة والمنطقة والأسرة التي تسربت لواقع الكثير من المؤسسات والشركات الوطنية الكبرى، ثم بعد ذلك ليفز من يفوز نتيجة هذا المعيار، وليخسر من يخسر نتيجته، ولن يقول عندها أحدٌ بأن مذهبي أو قبيلتي هي السبب.

طبعاً هذا يحتاج لقرار سياسي قوي وصارم أثناء التطبيق، فقد بينت التجربة أن قوة الدولة تستطيع حلَّ كثير من المشكلات عند تدخلها حيث يخضع الجميع لها وتختفي أصوات المصلحيين والمنتفعين.

إذاً نحن أمام معادلة مختلفة عن الغضب اسمها التأزم، ومعالجتها سهلة وبسيطة بحسب تصوري لأنها تحتاج لتصورات صحيحة تنفذ من قبل رجال وطنيين وتكنوقراط يخلصون لدولتهم ويحبون شعبهم بنفس المقدار، أي أن المعادلة الصحيحة هي هكذا ( قرار سياسي صحيح + مسؤول وطني = وطن متحاب منتج مصان داخلياً).

أقول هذا لأنني وفي السنوات السابقة كان الكثيرون يحضرون لمجلسي الصغير حيث يحضر مجموعة من الأصدقاء معي يعرضون مشكلاتهم، كنت ومعي غيري استمع لهم بحرقة وألم ، وفيما كنا نرفع هذه المشكلات للمسئولين كنا ننجح في بعضها، ونخفق في أخرى، ونحاول مرة ثالثة، ولكننا كنا مصرين للغاية أن نتعامل مع الشرعية من الداخل ومن خلال الحوار والعرض الواضح مع المحافظة على سمعة الوطن ونجاحه في التنمية والمساواة بين جميع المواطنين.

مثلاً هناك شكوى عامة من عدم توظيف الشيعة في شركات سابك منذ سنوات طويلة نفذت باستراتيجية قبلية حيث تَنَفْذَ أصحاب القبائل فيها وباتوا يوزعون المناصب والوظائف بينهم، ونال هذا العقاب حتى السُّنة من سكان المنطقة الشرقية بسبب غلبة قبليين آخرين، ومثل ذلك يحدث مع شركة الكهرباء، وبنسبة ما مع شركة أرامكو في الترقية الوظيفية، ومثل ذلك مع إدارة تعليم البنات بالمنطقة الشرقية حيث تمارس أقسى أنواع التمييز ضد المعلمات الشيعة، ومثل ذلك ما يحدث في الإحساء مع تعليم البنين، وتجاه حقوقهم الدينية البسيطة التي اعتادوها منذ مئات السنين، ومِنْ قبل كان التوظيف للأطباء في مستشفى الملك فهد التخصصي بالمنطقة الشرقية يجري على أساس الكفاءة وارتفعت سمعته بسبب المهارة الواضحة لهؤلاء الأطباء الذين صرفتهم عليهم الدولة الكثير كي يتحولوا لرجال لخدمة هذا الوطن، وفجأة تغير مدير المستشفى وبدأت تظهر ميول طائفية قوية، وبات التوظيف يخضع لمعيار سني ـ شيعي ! يا للعجب؟! وغيرها في مجالات أخرى، طبعاً هناك سياسة تسمى ذر الرماد في العيون أي توظيف عدد من الشيعة بمقدار أصابع اليد لجعلهم حجة ضد أي شكوى، وهذا أسلوب بدأ في الانتشار وأصبح لعبة واضحة بيد من يمسكون بالإدارات التنفيذية.

يحدث هذا في ضوء تأكيد القيادة السياسية العليا في المملكة عدم قبولها بأي توجه طائفي أو أي تمييز بين المواطنين على أساس المذهب، هذا يؤكده الأمير محمد بن فهد والأمير جلوي، والأمير سلمان بن عبد العزيز حيث التقينا به يوم الثلاثاء 12ـ 3ـ1432هـ ، وأنا أثق في هذا الكلام، ومن خلال تجربتي الشخصية لا تجد ميولاً طائفية ومذهبية عند الطبقة السياسية العليا في المملكة، نعم تجد هواجس أمنية ـ وهذا طبيعي في أي دولة ـ.

إذن أين المشكلة؟

وللحقيقة نقول المشكلة تكمن من خلال توضيح نقطتين:

الأولى: هل الشيعة يشكلون هاجساً أمنياً؟
طبعاً أنا أقول من خلال تجربتي واحتكاكي بمختلف القوى الدينية والوطنية أن الأغلبية هي سند أمني، وأحد أعمدة الثبات، وهذا تدل عليه مواقفهم من غزو صدام المجرم للكويت، ومن موقفهم من الإرهاب الذي تعرض له وطننا، ومن استنكارهم لكل تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية السعودية. هذا لا يعني عدم وجود قلة قد لا تكون كذلك، ولكنها ليست هي الأغلبية والسائدة والمسيطرة على الشارع الشيعي المحب لوطنه ودولته وحكومته.

الثانية: حل مشكلة التمييز الوظيفي الذي تتعرض له الشريحة الواسعة من الشيعة، فكثرة شكوى الناس وتعدد مجالاتها تدل على وجود شيء، وليس مجرد افتراض أو نتيجة عقدة الاضطهاد، وأنا هنا أدعو لحوار مفتوح وصريح مع القيادة السياسية الكريمة، لحل المشكلة بطريقة الحل الوطني العلمي المهني ونسيان الماضي وفتح صفحة المستقبل، ولا شك بأن الحلول الوطنية التي تعتمد الموازين العلمية والكفاءة ومكافأة المخلص على إنجازه، وإلغاء ما يسمى بعصا المقابلة الشخصية التي استخدمت ذريعة لإسقاط كثير من الكفاءات التي تنجح في أماكن أخرى عندما ترفض في مؤسسات وشركات الدولة، كلها تساعد على تغليب الأمن الاجتماعي الذي هو أحد غايات أي دولة.

لنجعل إذا هذا منهج ثابت وراسخ ، وليكن هو القيمة الأولى، ولنتحوار دائماً عند حدوث أي مشكلة، ولا نؤخر الحل والعلاج، ولنحذر من فئتي القبيليين والمذهبيين ولنقبل بالوطنيين والمخلصين فهؤلاء موجودون وهم الأكثر ولكنهم لا يستطيعون النجاح بدون دعم من القادة السياسيين لمملكتنا الحبيبة سواء من الرياض أو من أمراء المناطق.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.066 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com