الاستاذ فؤاد نصر الله - 30/11/2011ظ… - 9:18 ص | مرات القراءة: 4010


عندما يكرم المرء خلال حياته فهذا أبلغ دليل على أن الوطن يحتفظ بذاكرة مضيئة ، يمكنها أن تبرز أقدار الرجال خاصة أولئك الذين يعملون في الحقول الثقافية والأدبية التي قد تبدو بعيدة بعض الشيء عن المكاسب والمغانم المتوقعة .

الجشي1وقد كان عبدالله الجشي واحدا من الأعلام الذين كرمتهم المملكة في حياتهم ،  وتنبهت للدور الثقافي الاستثنائي الذي قاموا به في  ميادين الإبداع الشعري والتاريخ الأدبي ناهيك عن الدور الحيوي لنشر المعرفة في كافة أنحاء البلاد كما يليق بهذا الرعيل  من الرجال الذين سخروا أقلامهم ليكشفوا عن قدرات الوطن ومناحي نبوغ أبنائه .

عبدالله الجشي الذي ولد في القطيف سنة 1926م 1344هـ ينتمي لأسرة الجشي العريقة التي تتواجد في القطيف والبحرين والأهواز والعراق وغيرها، فوالدته ملكة الشيخ علي الحكاك، ولدت في بغداد وهي من أصول بحرانية وترتبط بسبع أسر عراقية هي بيت الحكاك وبيت المحاري وبيت الجشي في العراق وبيت الخفاجي وبيت البحراني وبيت لبجة وبيت الفتاح.

 وقد انعكست تلك الأصول على اعتزازه بنفسه فهو كما يعشق مسقط رأسه بصورة فريدة نراه ينفتح مبكرا على ثقافات متعددة ذات مهاد عربي إسلامي . ومثل هذا الشعور القوي بصلابة الجذور نجده يمنح صاحبه حسا رائقا في تناول الموضوعات الأدبية بروح وثابة ، وذهنية لا تعرف الخوف أو الانعزال .

كانت أسرته تعمل في تجارة اللؤلؤ وكذلك في استثمار العقارات وحقول النخيل ، وهذا هو السند المادي الذي كان يدعم بقوة كل من امتلك الموهبة لينال قدرا من العلم . وفي الحقيقة فإن بيوتات القطيف القديمة كانت تفخر بمجالسها العلمية ، وبأبنائها المتعلمين الذين كانوا يقومون بدور أساسي في نشر العلم والمعرفة بكل السبل الممكنة باعتيار أن الثقافة العربية هي التي تمنح الإنسان هويته ، كما أن اللسان الطليق الفصيح هو رسول القوم لكل وزارة أو إمارة.

تفرغ الشاب  لدراسة الفقه والأدب، على يد عدد من كبار العلماء الذين وجدوا فيه عقلا حاضرا ، ووجدانا صافيا ، ومثل هذه الطريقة المباشرة في تلقي العلم أكسبته طلاقة لسان وصفاء ذهن ، وكان ممن تتلمذ على أيديهم كل من : الشيخ عبدالعزيز الجشي وهو فقيه وشاعر، والشيخ علي بن حسن الجشي وهو أيضا فقيه وشاعر، والشيخ محمد علي بن مسعود الجشي وهو فقيه وتاجر، ومحمد حسن الجشي الذي كان يعمل بتجارة اللؤلؤ ، ولحاج امنصور الجشي الذي كان يعمل بتجارة  اللؤلؤ ، والشيخ محمد علي بن ماجد الجشي الفقيه والتاجر، ومحمد سعيد أحمد الجشي  الشاعرالمعروف ، وغيرهم كثير .

وسط هذه الكوكبة من العلماء تلقى العلم ، وأدرك أهمية أن يحصّل أكبر قدر من المعارف من أولئك الرجال الذين أحاطوه بالرعاية والعناية.

ربما كانت الطفولة لها أثرها في التكوين النفسي للجشي وعنها يقول : " كنت الولد الوحيد الذي عاش لوالدي بين أولاده العشرة فكان حريصاً عليّ وكان يصحبني معه في كل مكان يذهب سواء في القطيف أو غيرها حتى عندما يذهب للبيت الثاني يأخذني معه وإذا ذهب إلى بيت عمه في تاروت يأخذني معه وإذا ذهبت إلى الملا عيسى الذي اتخذ من حسينية الفارس في محلة الخان مكتباً له يرسلني مع الشغال عندنا حمود الكردي أو ابنه عبدالرسول وأذكر في إحدى المرات ذهبت إلى حسينية الفارس مبكراً وكانت مغلقة فجلست على دكة الباب وكنت ألبس قطعاً ذهبية ثمينة منها قلادة وخواتيم وأسورة وهلال مربوط بشعر الرأس. فمر رجل ولم ير أحداً فأخذها وذهب في حال سبيله " .

الجشي2 سنتوقف قليلا أمام هذه القصة فنجد فيها مساحة للحكي الذي أجاده الجشي كما أجاد الشعر سواء بسواء . ومن المعروف أنه قد انخرط في كافة الأنشطة الثقافية الأهلية منذ وقت مبكر ، حيث كانت ليلة الاثنين من كل أسبوع خاصة للسمر في منزل الحاج عبدالله شكر الصراف من شلة أعضاء الرابطة الأدبية .

كما تولى إدارة مكتبة الرابطة من أجل أن يكون قريباً من إحدى مناهل المعرفة وظل هذا السلوك هو ديدنه في كل أفعاله فيما بعد فالعلم هو طلبه حتى لو كان في ذلك السفر لبعد جهات الدنيا .

تولى إدارة مكتبة العلامة الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء أكثر من سنتين مجاناً لأنها كانت أكبر مكتبة بالنجف وأغناها بالمخطوطات القديمة،  وهذه الخطوة المبكرة أمدته بحنكة ودراية في مجال الإدارة نفعته فيما بعد خلال تنقلاته وأسفاره المتعددة .  

وقد ظل حريصا على  الحضور يومياً إلى مكتبة العلامة الشيخ محمد السماري وذلك بغرض كتابة " ديوان الشيخ جعفر الخطي " ، وكانت النسخة الوحيدة وقتذاك موجودة في العراق ،  وقد فقدت منه بعد ذلك وحين  عاد للقطيف وجد نسختين في مكتبة والده ،  ناقصة إحداها من البداية والثانية من النهاية فجمعها بخط المرحوم ملا سليم الجارودي ومن ثم  قابلها على نسخة المرحوم عبدالله منصور أبو السعود وبعد حين صدرت طبعة السيد علي الهاشمي وكان الفرق في بيتين وحذف بعض المقدمات من مطبوعته وإن آل ترتيبه على الحروف الأبجدية بدلاً من الموضوعات.

عناية فائقة بالمخطوطات تدل على هذه الذهنية التي وجدت في تحقيق التراث أو مراجعة دواوين الشعر مهمة أساسية يبذل من أجلها المال والجهد والوقت بتصميم مدهش يلفت نظر كل المؤرخين . فلو عرفنا أن هذا التطلع لخدمة الثقافة كان بلا مقابل مادي أو رغبة في الترقي لمنصب ما لأدركنا طابع الجدية والالتزام الذي عرف بها هذا الرجل الذي رفعته جهوده لمكانة مرموقة في البلاد.

من ضمن ذكرياته التي نعرفها عنه أنه شارك في المهرجان الذي أقامته جمعية الرابطة الأدبية لوفد من الأدباء المصريين مساء 1943 والتي ألقي فيها قصيدة (كرم العلم والعرفان والأدباء) ، وهي موجودة في ديوانه المنشور. و لو أننا نظرنا إلى القصيدة فنيا لوجدناها تنم عن موهبة أدبية حقيقية كما هو واضح من السبك اللغوي القوي ونصاعة البيان .

من أنشطته أنه تولى تحرير مجلة الغري عام 1945م،  وقد حقق نجاحا في تلك التجربة المبكرة ، كما أنه شارك في تكوين أول مكتبة عامة في القطيف عام 1955م ، و شارك في تأسيس أول جمعية تعاونية متعددة الأغراض في القطيف أيضا ، وساهم فيها.
كما أنه كان يأتي  بالصحف المصرية من مكتبة عمر بايزيد في مدينة الخبر ، ويعرضها للبيع والقراءة في عام 1950م.

وفي فترة دراسته في النجف كان يجتمع  مع عدد من الطلبة ، وهم الذين تجمعهم مرحلة من الدراسة فيشكلون فريقاً يتولى كل يوم واحد منهم استعادة ما استوعبه من الدرس الأخير ويناقشه الآخرون وتسمى عندهم ب" المباحثة " ،  ويضم فريقاً هم أحمد الدجيلي وعبد الرؤوف جمال الدين والسيد مصطفى جمال الدين .

ويبدو أن علينا تأمل مسيرته الطويلة لنعرف أنه كان دائم الشعور بالانتماء للجماعة والعمل في فريق لتحقيق ما يصبو إليه من أهداف . يذكر أنه قد شارك في وفد القطيف الذي ذهب ليقابل الملك سعود في جدة وعزاه بفقد والده . وقد التقى بكثير من أدباء الحجاز أثناء زيارته للشيخ محمد سرور الصبان في داره واحتفوا به احتفاءا جميلا .

و زار مع الوفد الأمير عبدالله الفيصل في جدة كما أهداه الأمير ديوانه المطبوع آنذاك ووعده  بأن يرسل نسخة خاصة إذا أعاد طبعه وبالفعل فقد أعيد طبعه طباعة ممتازة في ذلك الوقت وأهداه نسخة طبعت طبعة أنيقة ، وقد رد على هذه الهدية بالشكر فكان أن رد عليه سمو الأمير ولا تزال الرسالة ونسخة الديوان محفوظتين بداره للآن.

مثل هذا الحراك الثقافي يؤكد أنه آمن بحقيقة التوجه لأولي الأمر لعقد نوع من التحاور الحميد ، وهو ما يعزز من دور الكاتب في واقعه فهو يرى نفسه قادرا على توصيل رسالة المجتمع للمسئولين طالما هناك تلك ثقة متبادلة بينهما.
عن فترة إقامته في مدينة الرياض عام 1960 وما بعدها أنه كان يزورالأستاذ حسن مشاري كل جمعة في منزله بالملز،  كما كان يزورالأستاذ الشيخ عبدالله بن إدريس بين حين وآخر في منزله بالملز.

كذلك نراه انتمى  لنادي الموظفين الرياضي، وكانت الرياضة واجهة له وكان يرأسه أحمد الدمنهوري وكيل وزارة المعارف وكان سكرتيره الكاتب المعروف عابد خازندار ومن أعضائه الأستاذ فهد السدير وأخوانه وكان يزوره عدد من الأصحاب وتقام به ندوات أدبية وعرض سينمائي ليلتي الاثنين والجمعة، وعندما انتهت دورة الهيئة الإدارية رشح نفسه للعضوية .

هنا نلاحظ أن الجشي كان مصرا على أن يندمج في كل وسط أدبي أو ثقافي أو اجتماعي يجده في بلد يقطن به ، دون أن يستسلم للعزلة التي يمكن أن تفرضها عليه الظروف فهو قادم من المنطقة الشرقية . لقد كان مصمما على أن يواجه الحياة بقوة العمل ، وألا يبدد طاقته إلا فيما ينمي ثقافته ويعمق من قدراته الذهنية والوجدانية ، وهذه سمة من سمات طبيعته الشخصية.

ويمكننا ملاحظة هذا التضافر الاجتماعي بينه وبين الآخرين حين نتأمل نفس الفترة متصفحين مذكراته فنجد أن شقته في الرياض كانت مفتوحة للواردين من المنطقة غرفا وفراشا وفطورا كما كانت مفتوحة لإقامة الطلاب وطلاب الحاجات ومراجعي الدوائر الحكومية وحتى الأسر. وهي مسألة تعزز فكرة الانتماء للجماعة التي يعززها كونه كلما حط رحاله إلى مكان يجد أنه مهيأ فيه لخدمة الآخرين.

لكننا نود أن نقدم هنا إطلالة عجلى على بعض آثاره الشعرية ، فنجد أنه يقدم قصائده الجميلة التي تقترب من قصائد شعراء الطبيعة كما جاء في دراسة موثقة للدكتورعبدالرحمن السماعيل الذي يقول أن الشاعر الجشي " يقدم لنا صورة متكاملة عن الربيع وفتنته وكأنما الروضة الجميلة التي زينها الربيع وأضفى عليها فتنته فتاة بكر تعبق ثناياها بالعطور، وتفيض فتنتها بالوعود والآمال، وهي صورة ألفناها في قصائد الوصف في الشعر العربي وبخاصة حين نجد الشاعر يصف روضة أنفا ويشبهها بالمرأة البكر التي لم يطأها أحد من قبل" . وذلك في معالجته لقصيدة الربيع التي نقرأ فيها مثل هذه الأبيات :
هذا الربيع أتى فاستجل فتنته
فإنما هو آمال وأوطار
فباكر الروضة المئناف منتشقا
فالروضة البكر أنسام وأعطار

الجشي3وفي قصيدته (لؤلؤة الخليج) التي نظمها حين زار البحرين عام 1948هـ وكان في عقده الثالث آنذاك نجد الشاعر يطل على قارئه من نافذة تراثية مبدعة في لغته وتراكيبه وصوره، ومما يميز الصور الشعرية في هذه القصيدة :
أنت الجنان أم الربيع الباكر
أم طاف فيك من الطبيعة ساحر
فكأنما هو في سمائك ديمة
وطفاء يرفدها الخضم الهادر
وهب الحياة ثراك فهي جنائن
وكسا الجمال رباك فهي مناظر

انتهى كلام الباحث واستشهاداته ، وعلينا كمتلقين أن نلتمس في تلك القصيدة سمات أسلوبية شديدة الوضوح منها حسن اختيار الألفاظ وثراء المخيلة ، وقدرة الشاعر الجشي على أن يكون رومانسيا بشروط بيئته وهو مايغيب عن شعراء كثيرين. إنه هنا يمثل قمة الأصالة بتفعيل الجذر التراثي في النص مع مسحة عصرية تنبيء عن شاعر أصيل.
نلتقط هنا بعض الأبيات التي تنقلنا إلى هذا الفضاء التخييلي الذي أبدعه أبوقطيف فنعثر على النغمة المائزة في شعره حيث جمال اللفظ وبهجة التصوير وقوة المعنى كما في بقية القصيدة :
وتأشبت فإذا السباخ خمائل
وتفتحت فإذا الرمال أزاهر
وتفجرت فإذا الصخور جداول
وتضاحكت فإذا الخرير مزاهر
وتطاولت فإذا النخيل عرائس
وتخطرت فإذا الغصون غدائر
وتزينت فإذا الثمار قلائد
وتأرجت فإذا الرياض مجامر

هذه القريحة الرائعة لم تكن مصادفة ولا كانت حركته الواعية المشرقة إلا ترديدا لصدى عميق في نفسه الكريمة المعطاءة .
حينما كرمته القطيف شعبيا بصورة لائقة كان موقفا إنسانيا رائعا ، لأنه  أحد الأعلام الفكرية على مستوى الخليج العربي ، بكتبه ، وتأريخه ، وأشعاره ، ودوره الثقافي المعروف .

وكما تحدث يومها سماحة الشيخ حسن الصفار عن أهمية تقدير الكفاءة والإبداع ذلك أن الإنسان السوي يختزن في أعماق نفسه مشاعر إعجاب وتقدير لكل كفاءة متميزة وإبداع خلاق ودون ذلك لا يكون إنساناً سوياً، وإن امتلاك قدرة التعبير عن تلك المشاعر والمبادرة لإبرازها هو سمة الراقين المتحضرين، فالمجتمعات المتقدمة تجتهد في تكريم المبدعين ورصد الأوسمة لهم والجوائز وتوفير وسائل العيش الكريم لهم، في الوقت الذي أشار فيه إلى أن التكريم في مجمعاتنا العربية ينحصر في المتفوقين رياضياً وفنياً.

وكما أشار الأستاذ محمد رضي الشماسي في دراسته النقدية لشعر الجشي فإنه تأثر عندما كان يدرس في النجف بالشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، بل إنه كان يغرف من بحره وينحت من صخره، وأشار إلى أن الحب عند الشاعر الجشي هو عنوان الوطنية، وعنوان الخلق الإنساني، فقد أحب الجشي الأرض التي عاش عليها، لذلك سمى ابنه بـ( قطيف) وابنته بـ ( يمامة) وهو الأسم القديم للرياض!!

ولكل من اقترب من الشاعر عبدالله الجشي ذكريات حميمة فالناقد المعروف الدكتور عبدالله الغذامي يؤكد على أن محبته للجشي هي محبته لهذا الوطن لأن ما يحمله الجشي في قلبه وما يقوله في شعره هو ما يجده الغذامي في نفسه لذلك فالجشي هو الضمير غير المستتر، بل هو الضمير الناطق. هو الرمز والمعنى .

ومن الجميل أن يلقى هذا الشاعر التكريم الرسمي في حياته فالدولة تنبهت لهذه القامة السامقة وكرمته تكريما لائقا يستحقه بالفعل حين كرمه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في احتفال الجنادرية 2005،وهذا التكريم قد لامس قلب هذا الشاعر المعتز بوطنه ، والمحب لعروبته ، والذي يدرك انه ينتمي إلى الإنسانية كلها ، وقد فاضت عاطفته في قصائده البهية ذات الرونق كما أبان عن ذلك ديوانه  "الأرض والإنسان" الذي بدت فيه اللمسة الإنسانية التي ميزت شخصيته على الدوام.
مباركة هي الأرض التي تنجب هؤلاء العظماء ، وسلام على أرواح المحبين لهذا البلد.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.056 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com