محمد الجلواح - 29/09/2006ظ… - 5:38 ص | مرات القراءة: 1339


سأتناول في هذه السطور .. الذكريات والخواطر والصور والمشاهد وغيرها التي عشتها شخصيا داخل بلدة القارة بالأحساء ، ويعني ذلك ان هناك ـ بالطبع ـ اختلافات عديدة بين كل قرية ومدينة ، ومنطقة وأخرى في الأسماء والكلمات والكيفيات والصور وغيرها ، فإلى ذلك فقط أحببت التنويه، ومراعاة الفروق ، ومحاولة المقاربة بين ما هو مكتوب وما يعيشه كل قارئ للمقال في مكان إقامته .. متمنيا للجميع صوما مقبولا وعيدا سعيدا

ــ حينما كنا صغارا .. كنا نهتف فرحين في أول لحظة تقع فيها عيوننا على هلال الشهر الكريم .. :

يا اهلال هلك الله

ربنا وربك الله .

إشراقات ..

ــ يشرق شهر رمضان المبارك في دواخلنا قبل أيامنا، وفي أرواحنا قبل ساعاتنا.. شعور مُريح وغريب وعارم وطبيعي نعيشه منذ الأسبوع الأخير من شهر شعبان ، وبالذات في اليوم الأخير منه، وهو ما نسميه ( يوم القـَرش).

ويوم القرش هو الاستعداد الشكلي ، والظاهري والاجتماعي لقدوم الشهر الكريم من تنظيف المنزل وإعادة ترتيبه والتخلص من الكثير من الأشياء والأثاث القديم ..الخ، وكنا – وما أجملها من كلمة مقدور عليها حتى الآن على الأقل ، وما آلمها في الوقت نفسه- ننتقل من بيت إلى أخر بالأشياء والحاجات القديمة والجديدة ، ويستعد أحد المنازل بتقديم الغداء لجيرانه المقربين في ذلك اليوم .

شعور وبهجة بالصوم تصنعها.. كل الجوانب والوجوه البشرية والسلوكية والنفسية بعد عظمة وجمال الفريضة المؤداة..

تهنئة ..

ــ لم تكن عبارة ( كل عام وأنتم بخير ) معروفة في قرى الأحساء (على الأقل) حتى بداية السبعينيات الميلادية المنصرمة ، في اقتراب مباشر من صورة التهنئة بالشهر الكريم .. فهي من العبارات العصرية الوافدة ، بل كانت التهنئة لشهر رمضان المبارك لا تتجاوز عبارتين اثنتين :

ــ على البركة بالشهر .

ــ على البركة بالصيام .

تلك كانت تحياتنا مع بداية الشهر.. وهي لكم أيضا ..

ولقد لاحظت أن التهنئة لا يتم القيام بها أو تبادلها مباشرة في التزاور المعتاد بين الناس في ( ليلة الهلال ) نفسها أو بمجرد أن تثبت الرؤية ، ولم يكن هناك ذلك التسابق على التهنئة كما هو الآن .. بل كانت تتم بعد الإفطار من اليوم الأول من الشهر الكريم ، وحينما سألت والدي ( يرحمه الله ) عن ذلك ..أي لماذا لا تكون بمجرد معرفة وثبوت الهلال .. قال لي :

(….أن السبب يعود إلى أنك تقوم بتهنئة أخيك المسلم بعد أن بلــّغه الله تعالى صيام اليوم الأول من شهر رمضان ، وذاق طعم و حلاوة الصوم ، ودخل فعلا بصومه في ضيافة الله ، وكذلك أنت ، فتكون التهنئة ــ والحديث لازال للوالد ــ بدخول الشهر وبلوغ فريضة الصوم أنسـَــب ، إذ ْ لا محل للتهنئة قبل هذين الأمرين ، بالإضافة إلى ظروف كل صائم في ذلك …) انتهى .

إضاءات شهر النور ..

** قضينا أواخر الستينيات الميلادية والنصف الأول من السبعينيات المنصرمة دون كهرباء ، وذلك في معظم قرى الأحساء .

في رمضان كان ( التريك ) وهو قنديل يعمل على ( الكاز/ الكيروسين ) هو الذي يشق عباب ظلام القرية ليلا ، وهو الذي يــُشعل مع اشتعال ( فتيلته) كل جوانب العمل والحركة والنشاط العام ، ومع ذلك فقد لا تجده متوافرا لدى الجميع .. فأغلبنا كان يعيش ضيق اليد و ( ذاتها ) !!

صورة المرأة الناصعة ..

هنا تعبر الذاكرة صورة ناصعة تقدمها المرأة في الأحساء ( وفي أغلب المناطق والمدن أيضا ) .. أثناء الشهر الفضيل،

تلك الصورة هي القيام بعمل أغلب عناصر مائدتي الإفطار والسحور ..يدويا وبمواد غذائية محلية بحته ، وفي ذلك لا تجد أحلى ، ولا أروع ، ولا أنفع، وكل أفعال التفضيل في لغتنا العربية .. مما تقدمه المرأة على تــيــنــك المائدتين ..

بل إن بعض النساء لدينا كُــنّ ينفرن من ( بعض ) المواد الغذائية الجاهزة التي ( بــدَأَت) تتسلل إلى بعض المنازل مما يجلبه بعض موظفي شركة ( أرامكو ) من ( الكانتين : أي السوق المركزي في الشركة ).

وكانت المرأة تسخر من هذه المواد وتضرب في ذلك بعض الأمثلة الشعبية كقولها :

ــ اللي ما يشرب من كفه .. عطشان !!

وفي الحقيقة .. فإننا حتى الآن لم نجد ما ينافس ما كانت تعمله أمهاتنا بيدها عن بقية الأصناف الأخرى المعروفة الآن

سواء من مواد مستوردة ،أو حتى مُصَنـّـعة محليا ..بشكل حديث .

أما أهم الأصناف التي كنا نتناولها في شهر رمضان على الإفطار فهاك بعضها :

ــ لقمة القاضي ، وفي الأحساء نسميها ( اللقيمات ) ، وفي القارة نسميها ( الماصـِخ )، ولا تزال صامدة حتى الآن في تصدّرها ومنافستها للتمر( عند البعض ) ، ويتم غمسها في ( الدبس ) وهو ماء التمر وعَسَله ..

ــ الهريسة .. والشوربة المعمولة منها.

ــ الكبة الحساوية المطبوخة بالأرز الأحمر الخاص . وسنتناولها بتفصيل مقبل .

ــ خبز الرقاق ، وتناوله مع اللبن .

ــ الساقو

ــ النشى وغير ذلك

بداية دخول في الذكريات ..

ومع أن الشهر الفضيل له روحانيته وخصوصيته وبرامجه ، إلا أنك قد تجد من البعض من يجري فيه ( عقد القــَـران ) بين خطيبين ليكون الزواج في ثاني أيام العيد المقبل ( إذا كان الجماعة مستعجلين وايد ) بما قد يراه البعض الآخر فيه غرابة إلى حد ما ، ويتم ذلك بقصد أن تشمل بركة شهر رمضان هذين الخطيبين ويرزقهما الله الذرية الصالحة ، ولكن حتى نهاية الثمانينيات لم أشهد حفل زواج في نفس أيام الشهر في الأحساء ، بـَـيـْـد أني دُعيت على ذلك في أواخر التسعينيات وما بعدها ..في مدينة الهفوف ، ثم بعد ذلك بدأ الأمر يأخذ في الألفة .

و في ليالي شهر رمضان الكريم وأيامه المباركة نقرأ القرآن ليلا في المجالس بصوت مسموع ، وتليه الأدعية الليلية المأثورة ، وكذلك قراءته في النهار .. إذ ان الشعور مرتبط بأن هذا الشهر هو ( شهر القرآن ) .

وفيه يتم عند الكثير من الناس ..إنجاز وإنهاء الكثير من الأعمال ( المؤجلة ) ، فالكاتب .. يكتب في الليل ، والقارئ يقرأ فيه ، ويكون في سباق مع نفسه لقراءة المزيد من ( ختمات ) القرآن الكريم ، والفنان .. ينجز لوحاته ، والتاجر .. يحرص على ( توسيع ) محله وتجارته ، والمواعيد الإجتماعية يتم إنجازها والقيام بها في كل القطاعات والأوساط ..

و كان الإنتاج العملي في النشاط العام في أغلب القطاعات إنتاجاً طيباً , بل مضاعفاً .. رغم مجيء شهر رمضان في الصيف أحيانا, ولكنه لم يكن أبداً ذريعة للخمول والتكاسل والنوم وتأجيل الأعمال .. كما هو اليوم – للأسف- .

ومن فضائل وعجائب شهر رمضان المبارك أن الإنسان كان ولا يزال منسجما تماما مع ( التغيير) المفاجئ الذي يطرأ على برنامجه اليومي والغذائي وعلى ساعته ( البيولوجية ) كما يقولون ، فلا تجد من يتأثر صحيا بذلك أبدا ، بل تجد العكس تماما .

ذلك لأن الإنسان قد أَعــَدّ نفسه مسبقا منذ الأيام الأخيرة من شهر شعبان في كل ما يمكن أن يطرأ عليه ، بالإضافة إلى (المكانة المقدسة) لهذا الشهر عند المسلم ، كما أن العلاج الصحي لأي تغيير مفاجئ هو الوضع النفسي ــ كما هو معلوم ــ ، لذا لا تجد ذلك حاضرا عند الصائم في السابق ، بل ربما وجدته جليا عند الإنسان المعاصر .

أكل في وضح النهار ..

ـــ لا أدري ماذا يسمي الأخوة في المناطق والدول الأخرى المجاورة عادة (البَوْق) .. في شهر رمضان .. كما نحن نسميها في قرية القارة بالأحساء..

- البَوْق .. هو قيام الشخص الذي يصوم لأول مرة ( ولداً كان أم فتاة ) بتناول (الأكل) في وقت معين من النهار بعيداً عن الأعين , ثم يظهر بعد ذلك بين الأهل أنه صام اليوم كله ..!! .

وكلمة (البوق) معناها السرقة , أي أن هذا الصائم الصغير أو تلك الفتاة .. يقوم (بسرقة) الأكل أثناء الصوم , باعتبار أنه لم يتعود على الصيام لنهار كامل..!

وتتم عملية (البوق) في ظروف مختلفة , فأحيانا يجلس الصائم الصغير بجانب أمه أو أخته أو خالته وهي تقوم بتجهيز وطبخ بعض الأكلات الرمضانية التي تتطلب العمل بها ظهراً أو مبكراً , فيغافل أمه , ويأخذ مما طبخته و(بحجم صغير) حتى لا يفتضح أمره ، وأحيانا يحاول معرفة مكان الأكل الجاهز في المطبخ فيغافل من فيه ويقوم (بالبوق) وغير ذلك ..

ولعل الكثير في مناطق المملكة ودول الخليج والدول الإسلامية من عاش هذه الظاهرة بأسماء وأشكال وظروف وطرق مختلفة ومتعددة .. بل ربما لا تزال حتى الآن ..

- شخصياً .. قمت (بالبوق) في السنة الأولى فقط من بدء صيامي حينما كنت في السنة الثانية عشرة من عمري ..

وكانت أمور البوق (ماشية معاي طول الشهر) .. لكن في اليوم السابع والعشرين منه .. اكتشفتني أختى الكبرى (بالجرم المشهود) , الذي لا مَفَرّ من الاعتراف به , فحرمني والدي حينها من (العيدية) .. والله يسامحش يا أختي..

معرض الذكريات الرمضانية ..

**(مسجد الوَكْرة) الذي كان والدي – يرحمه الله – يأخذني إليه بعد العصر لنمكث فيه مع رجال ذلك الزمن الجميل الطيبين .. نقرأ القرآن الكريم.. بصوت مسموع ومرتل مع عدد من الصبيان الذين جاءوا ليتعلموا تلاوة الكتاب المجيد في الشهر المجيد .. ثم نقرأ شيئا من الأدعية والابتهالات المأثورة الخاصة بالشهر الكريم .. حتى أذان المغرب.. وحينها نتناول شيئا من التمر أو الرطب ، واللقيمات والماء واللبن مما قد أحضرناه من منزلنا أو قام بجلبه أحد المؤمنين الحاضرين أو احد جيران المسجد .

هذا السلوك الجميل التلقائي الذي تعامل الناس به خلال شهر رمضان المبارك، والذي هو خاص واستثنائي لهذا الشهر الكريم .. يبرهن (بما لا يقبل مجالا للشك ) – كما يقولون- أن الإنسان المسلم.. المؤمن.. الذي يفهم العبادة المحضة الخالصة لله تعالى جوهرا وفهما .. لا شكلا وطقسا .. هو الذي يجعل من حوله ، وما حوله مؤمنا .. كما هو .. نفسه..

** أبرز ما يميز(عصريات) شهر رمضان إلى جانب ما ذكر آنفا.. هو رائحة (خبز المسح) .. وخبز المسح.. هو (خبز الرقاق) أو خبز التاوة و رائحة (اللقيمات) .. ورائحة (الهريس) .. حيث كانت البيوت متلاصقة ومتداخلة.. والحارات ضيقة وصغيرة مما يساعد على انتشار عدد من روائح الأكلات والطبخات الأخرى..

وكان في معظم مدن وقرى الأحساء .. وكسائر المدن والقرى الداخلية الأخرى في المملكة ودول الخليج حتى أواخر السبعينيات الميلادية المنصرمة/ الدهاليز أو (سوابيط .. جمع : ساباط)( وفي القارة نقول الدهريز ـ بالراء المهملة النقطةـ )، وهو الطريق المسقوف (يطول أو يقصر) (يتسع أو يضيق) بين المنازل المتداخلة والطرق المتصلة ببعضها ليمر منه الناس ويتخذه الآخرون استراحة لهم ، وتنشط هذه (السوابيط) – أكثر ما تنشط خلال شهر رمضان المبارك .. في اجتماع الناس واستعراض ما لديهم من مواد للبيع والتسلية البريئة و(التقزير)

وهنا والحديث يمر على البيوت المتداخلة.. فلعل الجيل الجديد لم يلحق على هذه الصورة الإجتماعية الناطقة بالتلاحم الرائع ، والإيثار الحقيقي وهي أنك تجد سطح إحدى غرف البيت في منزل الجار، والغرفة نفسها في البيت الآخر وكذلك قيام أحد الأشخاص بالتبرع بجزء من مساحة منزله لتكون طريقا للمارة وتتحول إلى ( صكة/ ساباط) مسقوفة ، وسطحها في أحد منازل الحارة..!

و(التقزير) معناه صرف الوقت بما يفيد ومالا يفيد من حكايات وتسالي وغيرها حتى يقترب موعد أذان المغرب..

** في رمضان كنا نشتري البليلة ( وفي قرية القارة نسميها : اللبــلــبــي ) مع الفول الكبير ( الباجلا) و أحيانا الكبدة ، وكان هناك تنافس محموم في تقديم الأفضل ..في هذه الأكلات الشعبية ، وكنا ننتقل من ( فريج ) إلى ( فريج ) للبحث عن الشخص الذي يقدم الأفضل ، حتى لو كان سعره مرتفعا ، وكنت أحصل على ( تخفيض ) خاص منهم باعتبار أن والدي هو أحد مـُـعَــلـّمـِـي القرآن الكريم في القرية ، فأنا( ولد المـْــطــوَّع ) !!

** لجوء إلى إحدى مغارات(جبل القارة) الذي يتميز ببرودته صيفا، ودفئه شتاء ، إذا كان الشهر الكريم ضيفا صيفيا ، واستسلام للشمس إذا كان شتائيا ، وحديث بصوت منخفض أثناء الصوم من قبل المتعلمين ورجال الدين والعارفين جيدا لاحترام شعيرة الصوم.

وأذكر أنه كان في حارتنا شخص كبير كان يقول : أن الماء في شهر رمضان المبارك الذي يأتي في الصيف لا يُفطر الصائم , ولا يفسد الصيام , وكنا نصّدقه ونشرب الماء (لأنه كبير/ وفاهم) ونحن صغاراً..!

وهنا أتذكر (الآن) مقولة صديقنا الفنان (عادل إمام) في مسرحيته الشهيرة (شاهد ما شافش حاجة) :

في رمضان بيجي في الصيف , وفي رمضان بيجي في الشتا.. !!

** و هناك ما نسميه ( قِرْص البيض) وهو خبز الرقائق المعمول في البيت وقبل أن يؤخذ من فوق صفحة الصاج الحديدية التي يتم خَبْزُهُ عليها.. يتم وضع بيضة واحدة على الخبز ثم يعقبها قليل من السكر, فيخرج لنا خبزٌ بالبيض والسكر في غاية الروعة واللذة وهذه يتم توزيعها على الإفطار / ويتم عمل الكثير منه (ليلة العيد) لتكون لإفطار يوم العيد.. وفي السنة الوحيدة التي قمت فيها (بالبوق) كنت كثيرا ما أبوق خبز البيض أو (قرص البيض).. !! ، ولا زلت أحبه حتى الآن ولم أتوقف عنه حتى بعد شهر رمضان .. ، لكن ( البوق ) توقف منذ ذلك العام ..!!

ومن المعروف أن صناعة خبز المسح بشكل عام في شهر رمضان هي من ابرز الأشياء التي تجعلك تشعر أنك في شهر الصوم حيث رائحته المميزة كما قلنا ..، ولعل أبرز ما يميز هذه الصناعة هو التفاف الأطفال على( التاوة ) وتهافتهم على ( قرص البض ) المذكور آنفا وأكله حارّا.. على أن هذا الخبز الخاص المذكور.. هو إحدى مواد مائدة الإفطار أيضا ..

** أما (الكبة الحساوية) التي ذكرتها في أول المقال فإنني أتحدى الآن ــ بالنسبة لنا كأحسائيين ــ وبكامل قواي العقلية و بعد أن أدركنا كل الأنواع القادمة من أصناف (الكبة) الأخرى.. أنْ تـُـجاريْ أو تـصُـفّ بجانب (الكبة الحساوية) المكونة في الأساس من الأرز(الحساوي) الأحمر .. الخاص جدا الذي يمتاز بقوته وثقله وتوفر المواد الكربوهيدراتية العالية فيه، وبخاصة الحديد ، والذي لا يتوفر في السوق حتى يومنا هذا بتلك الكثرة التي يتوفر بها سواه من أنواع الأرز الأخرى كما أنها – أي الكبة الحساوية – تتكون إلى جانب (العيش الحساوي ) من الربيان والبيض واللحم الصافي والنخاع الصافي جدا المعالـَـج بطريقة شعبية نظيفة .

آمل أن لا يسيل لعاب القارئ ،أو يتمنى الآن أن يأكل (الكبة الحساوية)..

على العموم.. بالهناء .. والشفاء..

الكركيعان ..

سأتناول (الكركيعان) هنا كظاهرة اجتماعية تعاونية.. جاءت ضمن سلوك اجتماعي عفوي/ خاص للأطفال .. و ما كلمات الأهازيج والأناشيد الخاصة التي يرددها الأطفال في ليلة ويوم الكركيعان – على اختلاف بعضها – بين دول الخليج إلا برهان على ذلك فهي عبارة عن أمنيات ودعوات وابتهالات جميلة أبرزها .. :

(عطونا / الله يعطيكم .. بيت مكة يوديكم)..

ولن نجهد أنفسنا كثيرا في البحث عن تاريخ ومكان ونشوء ظاهرة يوم الكركيعان , فالثقافات الإنسانية تتمازج ولم تأبه في يوم ما بالجغرافيا.. ، ولا بالتأويلات والظنون المريضة .. فكل أمنيات الإنسان الطيبة في أي مكان وزمان .. طيبة ، وعلى العموم.. هي – كما يعلم الكثير – عادة خليجية جميلة ..

** كنا نخرج عصر يوم 14 من شهر رمضان ، وليلة 15 .. نجوب الحارات لنجبي الحب(المكسرات) و(حلاوة الألواح) وفي (حارتنا فقط / فريق الرحـِـل ) أطلقوا عليها (حلاوة الجلواح ) لقرب الكلمة من الاسم ، وللتندر والتعليق والأمر كله لله !! وحلاوة الألواح هي عبارة عن طحين وتمر وسكر وسمن ومكسرات مطحونة مطبوخة تم تقطيعها على شكل قوالب طولية أو ( قضبان) مستطيلة .يتم توزيعها على الأطفال (المكركعين) ، ويا ويل البيت الذي لا يقدم للأطفال شيئا لأنه سينال من سخرية ودعاء(مضاد) عليهم وكذلك تقديم الحَبّ (المكسرات)،( واللي يقرا .. كلمة الحب هنا .. لازم يقرا حرف الحاء بالفتح لا بالضم .. علشان ما نبتلش مع العشاق !! ) , وأحيانا النقود وغيرها ، ولقد اضمحلت عادة (يوم الكركيعان) هذه الأيام.. مع ضجيج التكنولوجيا وطغيان المشاعر البلاستيكية..(وتبلدت)

النفوس (بتبلدات) التوغل في المعاصرة . وان كانت هناك بعض المحاولات الجادة المفرحة التي بدأت تخرج هنا وهناك لإحيائها ..

** وأستعرض أبياتا عن شهر رمضان المبارك من قصيدة ( الملحمة الشعبية الكبرى ) البالغ عدد أبياتها 226 بيتاً ثنائيا (دوبيت) لكاتب هذه السطور والتي رَصَدَها كاملة أحد مراكز التراث في إحدى الدول العربية ..:

1- يا وْلِدِي .. شهر رْمِضانْ .. ابْوَقْتي .. أَحْسَنْ منَ الْحينْ

2- راحـة نـفـسّية تِـحـِسّ فـيها , و تِـحِـس ّ .. بالمؤمنين

3- في وَسَطْ (مسجد الوَكْرة) مْنِ الْعَصِرْ .. يبْدا ( الدَّرِسْ)

4- و (الدُّعا) نِقراهْ , واحْنا .. بْوسَط بيت الله ( بْعِرِس)

5- عِشْت وقْتِ اللّي (أُبُو طْبيلة) (يهَلّلْ) .. في السّحورْ

6- وْ ما يـخلـّي بـيـتْ .. نـايمْ مـا يـِقـَعـْدَه .. للـسـّحــور

7- وَلاَّ في (نِصّ) ارْمِضان , يْجينا .. يوم ( الكركيعـان)

8- وهـذا لَهْ (شَـيْـلَـة) .. نـْسـَوّيها بـْفـَرَح , ويّـا لِـخوان

9- طُول يوم اللّي ذِكَرْتَه .. نْصيحْ : (كركيع .. كركيعان)

واللّي مـا (يـعطيـنا) مِـنْ خـيـره .. انوَرّيـه الـهَــوان 10-

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

معاني المفردات (حسب رقم البيت) : **

3- مسجد قديم في قرية القارة بالأحساء لازال قائماً ، الدرس : بكسر الراء .. أي درس وقراءة القرآن الكريم بعد صلاة العصر..كما مر سابقا

4- الدعا .. بالتخفيف .. أي الأدعية المأثورة الخاصة بشهر رمضان المبارك .. بْعرِس : بكسْر الراء أيضا .. أي كأننا في فرح أو عرس ..

5- أبو طبيلة .. هو الشخص الذي يضرب بالطبل لإيقاظ الصائمين لتناول السحور .. (المسحراتي) ، يهلل :

يقول : لا اله إلا الله محمد رسول الله أصحى يا نايم وحّد الدايم .

7- نِص : منتصف رمضان , الكركيعان .. تظاهرة اجتماعية خاصة بالأطفال ، وقد تم تناولها في السطور السابقة .

8- شَيلة : أي أنشودة .. لخوان : الأخوان ..

9- كركع كركيعان : مطلع أنشودة يوم الكركيعان في قرية القارة..

10- يعطينا : أي يقدم لنا – نحن الأطفال- الحلويات.

انْوَريه : نـُِريه .. نتوعده , وننشد أنشودة عكسية لمن يكون بخيلاً , بحيث يشعر بالهوان أو الخَجَل ، أي ندعو عليه بدلا من أن ندعو له .. ومن كلمات هذه الأنشودة العكسية ..

عشاكم .. حِصْحِص القـُوع

عشاكم .. بيت جَــدّوع

* حصحص : أي الحجارة الصغيرة الناعمة التي تكون في حفرة مهجورة أو مبثوثة في الطريق ..

والقوع .. هو الأرض الصخرية الجبلية المنبسطة التي يتم فوقها فرز الأرز (الحساوي) الأحمر من السنابل ، وهو أحد الأحياء العمرانية الكبيرة في بلدة القارة في الوقت الحاضر .

وسأتناول الأرز الأحمر (العيش الحساوي) في موضوع مستقل إن شاء الله

جـَدّوع .. ليس لها معنى سوى مراعاة تركيب الجملة الشعرية ، وربما يكون ( بيت جدوع ) هو أحد البيوت الفقيرة التي ليس فيها ما يؤكل أو يؤخذ .

ليلة ويوم العيد

في ليلة العيد .. يتضاعف الشعور الغريب الذي كان يلازمنا طيلة ليالي الشهر الكريم .. فيتحول ويتغير من شعور غريب إلى شعور أغرب في أحاسيس ومشاعر خاصة جدا لدى الكبير والصغير ، المرأة والرجل لدرجة أنه لا يمكن للقلم أن يرصدها أبدا..

مشاعر تكون في الروح والقلب بحجم ما انتابها خلال الشهر كله .. سبحان الله ..

( ليلة العيد هي أيضا ليلة التعب الجميل) و(الطراد) المتلاحق و(الصراخ) المقبول، وهي ليلة يحس فيها الطفل، والفتى، والمراهق والرجل أيضا بشيء من الاستقلالية حينما يقوم باستلام ملابسه الجديدة وملحقاتها و( أكسسواراتها ) من عطر و طاقية بيضاء وحذاء جديد وغيره ، أو على الأقل تعيين مكانها من المنزل لارتدائها بعد صلاة العيد مباشرة .

هي ليلة .. ليلة عجيبة.. عجيبة في حلها ورحيلها.. !!

باكر العيد .. أي ازدياد إنارة الشوارع والطرق والقلوب أيضا ، وفيها يتهادى الناس مشاعرهم تلك بشيء من الأسى وكثير من الفرحة .

فرحة أوجدها الخالق جل وعلا في نفوس عباده .. جائزة كبرى لبلوغهم صيام شهره العظيم، فهل يسع أحدنا رفض الجائزة الربانية ؟

وفي هذه الليلة الحبيبة نبدأ في ( حساب ) العيديات التي سنحصل عليها من الأهل والأقارب والأصدقاء ، وهل ستكون هذه السنة أكثر من العام الماضي أم أقل ، ويتم ذكر من تعود على إعطاء العيدية ثم انقطع عنها في السنة اللاحقة ، أو من بدأ يعطيها …

لكن كيف يكون مع هذه الفرحة المــُعاشة الليلة ، وفرحة العيد في الغد ، فراق شهر عزيز ، بل كيف يعقب هذا الفراق .. عيد ؟

ومن ذلك انطلق المثل الشعبي الطريف ذو المغزى .. البعيد/ القريب في قولنا :( هذا فراقه .. عيد ) لشخص ثقيل نريد فراقه بأي صورة بل نحتفل بفراقه كاحتفالنا بالعيد بعد رمضان !

لكن الفرق أن الشهر ليس ثقيل على المؤمن بل هو ثقيل على من إيمانه ضعيف .. هكذا كنا نفسر المثل .

كنا نتحاجى .. : ما اليوم الذي يحرم إفطاره ، ويحرم صيامه ؟

أول رمضان ، وأول العيد … سبحان الله .. سبحان من حلل الحلال ، وحرم الحرام

ليلة العيد ..كنا ننشد :

باكر العيد ونذبح الناقة .. نادوا ( عويس ) ونكسر ساقه …

باكر العيد ، ونذبح لبقرة .. نادوا ( عويس ) متين الخنفرة

ـ هكذا توارثنا هذه الأهزوجة الساخرة الطريفة الدموية القاسية مع انتظار العيد

تناقض عجيب

و( عويس ) قد يكون شخصا شريرا ومكروها في الحارة

** أما يوم العيد .. فهو الشعور الخاص الذي يهيمن على كل فرد منا بشكل منفرد قد لا يشابهه شعور الأخر .. وأتذكر أنني كتبت مقالا قبل بضع سنوات في جريدة اليوم عن العيد وما ينتاب المرء فيه من شعور خاص.. فأطلقت على المشاعر العيدية.. ( مشاعر البصمة ) .. فكل له إحساسه الخاص بيوم العيد.. ولعلها حكمة إلهية أن جعلها الله كذلك.. أو كما هي بدت لي..

وقد جاء في (الملحمة الشعبية الكبرى) التي نوهنا عنا آنفا .. :

يا ولدي.. ياما.. (تدرفنا) ..(بدروفة ) العيد.. !

و(شاط شاط البطة) غنينا .. وكل مرة نزيد.. !

لكننا في يوم العيد .. كنا نردد على الأرجوحة ( الدروفة ) :

كروز أمي مليته ،

واخذيته ودعبليته

في غرفتي المبنية

فيها حسن عطية …. إلخ

وأهزوجة أخرى .. :

شوط شوط البطة

يالعنبو من حطه ،

ما حطته إلا اعديوة

، وعديوة راحت البر

، وتجيب حــب أحمر.. إلخ

الكروز : هو جرة فخارية حجمها وسط بين الكبيرة والصغيرة .. وفيها إصبع .

مليته : أي ملأته بالماء

أخذيته : أخذته ، ودعبليته : تركته في الغرفة مهرا ق الماء

عديوة : تصغير عدوّة ،أي امرأة عدوة لنا

لكننا نصحو من كل ذكرياتنا ونرسل كل معاني المحبة لكل الأحباب في شهر المحبة وما بعده من عيد

ويكفي أن تقول أنك في ( عيد ) حتى دون أن تقرن كلمة واحدة بعدها .. فأنت لست في حاجة لذلك ..

وربما يحلو الهمس الرقيق الخاص بالعيد .. هنا.:

قد حييت العيد مذ هاتفتها ( ليلة العيد ) بشوق و وجل

سبقتني بالتهاني ولقد سبق الحب إليها واكتمل

( عيدك الفطر ) سعيد صدحََتْ فـَسَرت في الروح نهرا من عسل

ليس لي عيد ومن أعشقها قمر تاه على سطح زحل

إنما العيد إذا كنا معا نحضن الليل ، ونشدو للمقل **


دروب

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.103 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com