» ((ولكن ماذا بعد من ذاكرةً الفيروس!!))   » لحظات من العمر السعيد   » هل وباء كورونا كشف عجز الدين عن حل مشاكل الناس ؟   » بيان صادر من مكتب سماحته (دام ظله) حول الحادث المفجع في مرفأ بيروت بلبنان   » مستقبل الأبناء اولى بالقلم   » إن إقامة الشعائر الحسينية مرهونة بعدم المخاطرة بحياة المشاركين   » ليس بوتين.. أنا من يؤثر على ترامب   » «الخضيري» يحذّر من شرب زيت الزيتون على الريق لعلاج الكوليسترول   » الشيخ العبيدان يدعو لمآتم 30 دقيقة   » صناعة التاريخ وصدى الصوت.  

  

الاستاذة سهام الجشي - 18/04/2007ظ… - 3:13 م | مرات القراءة: 1956


کنت اری سقوط الطاغیه حینا اقرا قوله تعالی (  وان کادوا لیستفزونک من الارض لیخرجوک منها واذا لا یلبثون خلافک الا قلیلا سنه من قد ارسلنا قبلک من رسلنا ..). وکنت اعیش المراغم التی وعدها الله عز وجل للمهاجرین  والمهجرین (  ومن یهاجر فی سبیل الله یجد فی الارض مراغما کثیرا وسعه ) وکنت لا ارتاح لبعض المفسرین الذی یفسر المراغم بالسبل  فشتان بین التعبیرین ..
على طالب العلم استيعاب ثقافة المجتمع، والأفكار السائدة فيه، والعادات والتقاليد، والمعانات والعقبات..فكلما كان هذا الاستيعاب عميقاً وشاملاً كلما استطاع الخطاب أن يكون موضوعياً وواقعي

لقاء خاص بسماحة السيد عبد السلام الموسوي

في ثلاث حلقات اسبوعية

الحلقة الاولى : الحوزة وتفعيل دورها العالمي

بسم الله الرحمن الرحیم

سماحة السيد عبد السلام الموسوي
حفظك المولى ورعاك
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نشكرك سيدنا - على الاستجابة الميمونة لهذه الدعوة للاستضافة والاستفادة من سماحتكم الهدف من هذه المقابلة هو الاستفادة من خبرتكم العلمية والحياتية كما نشكرك ثانية على تقبل اسئلتنا بصدر رحب راجين للاخوة والاخوات الاستفادة من هذا اللقاء الميمون .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الاستاذة سهام الجشي
 



السؤال الاول :
لاشك ان الدخول في مسار الدراسات الدينية تمثل مبدئيا نهجا متميزا

فما هي الدوافع التي جعلتك تلتحق بالعلوم الدينية ؟
وكيف وجدت طلب العلم ؟
وهل ترى انك تخدم الدين بشكل يتناسب وقدراتك ؟

سماحة السيد

  قبل ان اتشرف بالدخول الی  حرم الحوزه  العلمیه کنت مغرما بالقران ومنذ ان کنت فی الجامعه التکنلوجیه ببغداد  الهندسه المدنیه وفی عام ثمانین استنشقت عبیر الحریه بعد سجن دام شهرین متتابعین حیث اعتقلت من قبل الامن الصدامی من حرم الجامعه لاجد نفسی فی جن من سجون بغداد ثم نقلت الی سجن السماوه مدینتی !! فلم نکن نصدق ان نقرا بحریه لان الطاغیه جعلنا ندفن الکتب فی حدائق بیوتنا وکنت اعشق تفسیر المیزان حتی کان یلقبنی بعض اصدقائی ب ( ابو المیزان ) وحاولت ان اقراه جمیعا والامور التی لا اعرفها کنت اسال عنها او اترکها للزمن .

 کان هذا عام  81 م فی بستان بجوار السیده زینب بطله کربلاء وانا اعیش فی رحابها الفذ وعالمها الواسع  وکانت اصداء کلماتها  تملا مسامعی وتدغدغ شغاف قلبی ولا سیما قولها  حینما قال لها الطاغیه ابن زیاد  : کیف رایت صنع الله بک وباهلک المرده ؟ قالت : ما رات الا جمیلا !! 

 وکنت افکر دائما واسال  نفسی ماذا رات زینب فی کربلاء ؟ لقد رات دماء نازفه  واعضاء مقطعه وخیاما  تشتعل فیها النار  وخیلا تدوس صدر حبیبها الحسین .. کیف یکون هذا المنظر جمیلا بنظر الحوراء زینب ؟ وقد کنت اجد الاجابه عن هذا السوال  فی قولها بعد ذلک ( هولاء قوم کتب الله علیهم القتل فبرزوا الی مضاجعهم ) وفی کتاب الله  حینما یعلمنا شعار ( لن یصیبنا الا ما کتب الله لنا ) ولیس علینا  .. لماذا ؟ 

  ( هو مولانا )  هکذا کانت البدایه مع عالم القران الفسیح والرحیب والعجیب ..عالم یسحر الانسان ویحعله یعیش الاطمئنان . وکنت اری سقوط الطاغیه حینا اقرا قوله تعالی (  وان کادوا لیستفزونک من الارض لیخرجوک منها واذا لا یلبثون خلافک الا قلیلا سنه من قد ارسلنا قبلک من رسلنا ..). وکنت اعیش المراغم التی وعدها الله عز وجل للمهاجرین  والمهجرین (  ومن یهاجر فی سبیل الله یجد فی الارض مراغما کثیرا وسعه ) وکنت لا ارتاح لبعض المفسرین الذی یفسر المراغم بالسبل  فشتان بین التعبیرین ..ولهذا کنت مغرما باکتشاف الفروق اللغویه بین المفردات  التی قد تبدو مترادفه..وهکذا رحت ابحث فی ایات الله حتی وجدت نفسی محاضرا فی التفسیر فی سوریا ولبنان..وکان یحضر المحاضرات بعض العلماء فنصحنی ان ادرس فی الحوزه العلمیه .. وکنت اظن ان العلاقه بعیده بین عالم التفسیر وعالم الحوزه التی طابعها الفقه والاصول  ولهذا لم استجب لرغبه العدید من العلماء .. حتی عرفت ان الحوزه هی الباب الاوسع لعالم التفسیر و من دونها لا یستطیع الانسان ان یدخل بیت التفسیر من بابه ( واتوا البیوت من ابوابها ) وهکذا وجدت نفسی بعیدا عن عالم الهندسه المدنیه لاکون فی بحبوحه الهندسه القرانیه .

  وکنت طیله السنوات التی درست فیها فی الحوزه ارنو الی ان اجعل علومها فی خدمه التفسیر من درس النحو والبلاغه الی درس الاصول والفلسفه لان المفسر  لا بد ان یکتسب العلوم المختلفه والمتنوعه لان فی القران کل هذه العلوم وکلما کان المفسر  محیطا بالعلوم کلما کان قادرا علی التفسیر  بصوره افضل حتی علم الطب  حیث العشرات من الایات التی لا یستطیع ان یفسرها الا الاخصائی فی علم التشریح او الاجنه او الامراض النسائیه..وهکذا الحال فی علم الفیزیاء والجیولوجیا وغیرها . . وحینما وصل العلامه  الطباطبائی الی طوفان نوح فی سوره هود بعث رساله الی الدکتور سحابی  استاذ الجیولوجیا بجامعه  طهران یساله عن رای الجیولوجیین فی  سعه طوفان  نوح ع  فاجابه برساله مفصله فی خمس نقاط تتحدث عن الاراضی الرسوبیه والطبقات الجیولوجیه وانبساط البحار وانحدار المیاه) راجع تفسیر المیزان ج 10 ص 266 -   270 )هذا هو الدافع الاساس الذی جعلنی ادخل عالم الحوزه  والبحث الخارج منذ عشرین عاما

 وقد سعیت ان اکون فی خدمه القران  وان ننشر الدرس القرانی فی الحوزه ولا سیما التفسیر الموضوعی الذی بلوره المرجع الشهید محمد باقر الصدر  رضوان الله تعالی علیه .. وفی الاذاعه والتلفزیون وبرنامجی شرح الایات برناج یومی  بدا منذ 13 عاما وکان لمده ربع ساعه یومیا ثم صار عشره دقائق وقد سعیت فیه ان اوصل التفسیر الی الاوساط الجامعیه  من خلال ذکر المصادیق المعاصره  والتطبیقات الحاضره  لان القران یجری کما یجری الشمس والقمر واللیل والنهار  وهذا ما یعبر عنه فی علم التفسیر ب ( باب الجری ) وهذا هواسلوب مدرسه اهل البیت علیهم السلام الذین هم عدل القران وفقا لحدیث الثقلین المتواتر فان جل روایاتهم فی عالم التفسیر هی روایات تطبیقیه لا تفسیریه مفاهیمیه وفرق بین روایه التفسیر وروایه المصداق والتطبیق .

 وکان لی برنامج حواری مع الاخ الاستاذ معروف عبد المجید بعنوان  ( احسن القصص ) استمر لسنوات عدیده  حاورنی فیه حول قصص الانبیاء والمرسلین من ادم  ع وحتی الخاتم ص  وفی بیروت قدمت العدید من البرامج لاذاعه النور واذاعه الایمان ولا یزال بعضها یعاد منذ  15 سنه . ولکن الاهم من ذلک الدرس الاخیر الذی شرعت فیه منذ شهر  فی قواعد التفسیر وهو درس یومی یحضره ثله طیبه من طلبه الحوزه فی مدینه قم ویسجل تسجیلا جیدا حتی تعمم الفائده الی من لا یحضر  . وقد حاولت ان اطرح فی هذا الدرس خلاصه تجربتی فی عالم التفسیر  والملاحظات المنهجیه فی قراءه النص وذلک علی شکل قواعد تفسیریه کان اولها القاعده الذهبیه ( القران یفسره الزمان ) ما هی مدارکها وتطبیقاتها والاستغلال الخاطی لها من قبل بعض المعاصرین اصحاب القراءه المعاصره ..ولهذا نحاول فی کل قاعده ان ننبه الی تلک القراءات التی لا تبقی من القران الا رسمه ومن الاسلام الا اسمه

لا زلت اعیش التقصیر الکبیر  فی خدمه کتاب الله العزیز  واحاول ان اسجل المزید من تجربتی قبل ان نرحل من هذه الدنیا التی هی دار ممر لا دار مقر  ومن یزرع الشوک لا یجنی العنب وفی یوم القیامه یندم الجمیع لان الجنه درجات والنار درکات

وانی اری مدی التقصیر فی استثمار الفضائیات فی هذا المجال وقد سجلت اخیرا برامج قرانیه لاحدی الفضائیات التی لم یبدا بثها بعد  ولکن امکانات التسجیل کانت کئیبه الی درجه ان درجه  الاستودیو الصغیر قد تصل الی خمسین مئویه !! کما اری مدی التقصیر فی استثمار الانترنتیت ولا بد لی هنا ان اذکر مدی اهمیه الجهود التی تبذلونها بهذا الصدد .. فجزاکن الله تعالی خیر جزاء المحسنین والمحسنات  ( والمراه الصالحه خیر من الف رجل غیر صالح ) صدق رسول الله .

 


 س2:
وهل ترى ان طالب العلم يقوم بواجباته بشكل يتناسب وتحديات العصر ؟
ولماذا لا يعطى فرصة جيدة للمثقفين غير المتدينين لطرح مرئياتهم في المجتمع
ككل ؟

سماحة السيد

            الف)

ربما تقصدون من طالب العلم – بحسب سياق السؤال – هو الطالب الحوزوي الذي يدرس العلوم الاسلامية، فإن الأمر يتعلق بالطالب ذاته؛ شخصيته، وذكائه، ومواهبه، وثقافته، وحسه الاجتماعي، ووعيه الحركي، ومدى استيعابه لعادات وتقاليد المجتمع، والافكار والتصورات السائدة فيه، حتى يكون قادراً على أن يخاطب الناس خطاباً موضوعياً، عصرياً واقعياً، نابعاً من واقعهم ومعاناتهم ومشاكلهم وثقافتهم... لأن عملية التغيير الرباني لها جانبان – كما يری محمد باقر الصدر قدس سره –

الجانب الأول: الهي رباني (المضمون والمحتوى الدي يعلو ولا يعلى عليه) .

الجانب الثاني: البشري الانساني (مدى تجسيدنا لذلك المضمون في واقع الحياة) .

والجانب الثاني هو الذي قد يمنى بالهزيمة والانكسار، أو الفوز والانتصار، بحسب سنن التأريخ وقوانين الحركة الاجتماعية، لأنه يتعلق بنا، وبمدى توفيرنا لشروط النصر والنجاح، ولاسيما العلماء وطلاب العلم.

ولابد – في هذا المقام –  من ذكر امرين مهمين وأساسين:

            الأمر الأول: مدى استيعاب طالب العلم لثقافة المجتمع، والأفكار السائدة فيه، والعادات والتقاليد، والمعانات والعقبات..

فكلما كان هذا الاستيعاب عميقاً وشاملاً كلما استطاع الخطاب أن يكون موضوعياً وواقعياً، يعالج المسائل من جذورها، والقضايا من أصولها، والأمراض من أسبابها وعللها:

( قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني . )

والبصيرة تكون على صعيدين: صعيد الأفكار والمفاهيم، وصعيد الواقع الإجتماعي المعاش (الحوادث الواقعة) .

ولذا كان "السائر على غير بصيرة كالسائر على غيرالطريق، لاتزيده كثرة السير الا بعداً" ولذا – كذلك – قيدت الموعظة بالحسنة، فيما قيد الجدال بالتي هي احسن، بينما اطلقت الحكمة ولم تقيد بشيء ، في قوله تعالى:

( أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن . )

            الأمر الثاني: مدى فقه الاولويات في الفكر والحركة والمسؤوليات . وهذه بنظري أهم نقطة في نجاح الخطاب لدى طالب العلم. فقه الاولويات هو الكفيل بأن نتحرك في المجتمع بحكمة ، لنبدأ من الأهم فالمهم ، والسبب فالمسبب ، والبناء السفلى فالبناء العلوي ، والواجبات والمحرمات قبل المستحبات والمكروهات ، ومن المشاكل الكبرى لا الصغرى ، و من الأمور الكبيرة والأساسية ، لا الصغيرة وفرعية .

وبذلك نراعي سلم الاولويات في الفكر والحركة ، وعملية التغيير .

إن المشكلة في الكثير من الأحيان لاتكمن بعمق العلم الذي يحمله طالب العلم ، بل بالاسلوب وكيفية الخطاب ، وسلم أولوياته .

ولقد قالها علي بن أبي طالب عليه السلام حكمة بالغة :

( إذا أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها ) !

هذه الحكمة ترسم لنا فقه الأولويات وسلمها ، لأنها تمثل قاعدة رائعة في التعامل مع الأهم والمهم من القضايا والأحداث .

وقد اعطانا القرآن توجيهات رائعة ومعالم فذة في هذا الفقه المنسي ، في العديد من آياته المباركة :

( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم . )

( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى واتوا البيوت من أبوابها . ) البقرة/ 189

ولنتدبر السياق القرآني ودوره الكبير في فقه الأوليات و سلمها :

( يسألونك ماذا ينفقون ؟ قل : ما أنفقتم من خير :

            فللوالدين

                        والأقربين

                                    واليتامى

                                                والمساكين

                                                            وابن السبيل ... . )

ويستنكر القرآن على بعض الصحابه حينما اخل بمبدأ فقه الأوليات في تقييم الأعمال والأشخاص والأحداث ، بقوله :

( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر لايستوون عند الله .. .) كما يستنكر على تقديم الأدنى ، بقوله :

( اتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير . ) حينما آثروا الثوم والبصل على المن والسلوى . والمورد لايخصص الوارد ، لنتلمس مصاديق المن والسلوى المعاصرة في امتنا الإسلامية ، ومصاديق الثوم والبصل!

وقد ساهم ائمة اهل البيت عليهم السلام من خلال رواياتهم المفسره للآيات أرساء فقه الأولويات والفات النظر اليها :

سئل الإمام الباقر (ع) عن قوله تعالى : (ومن احياها فكأنما أحيا الناس جميعا) قال عليه السلام : من حرق أو غرق .

قال السائل : ومن انقذها من ضلال الى هدى ؟

قال الإمام (ع) ذلك تأويلها الأعظم !

وسئل (ع) عن قوله تعالى : ( ومما رزقناهم ينفقون )

فقال : ومما تعلموا من العلم يبثون .

وعلى ضوء ذلك أرى أن هناك تقصيراً واضحاً وفاضحاً على صعيد القيام بالمسؤوليات ومواجهة التحديات المعاصرة لأننا نملك آلاف الرسائل في فقه النجاسة والطهارة ، ولا نملك إلا رسالة واحدة أو رسالتين في فقه البنوك ، والدولة ، والعلاقات الدولية ، وأسلمة المعرفة وحوار الحضارات .

            ب)

            بخصوص الشق الثاني من السؤال فإن الخطاب القمعي للآخر قد يكون موجوداً لأن طالب العلم يحسب في بعض الأحيان أنه يمتلك الحقيقة المستنبطة من نصوص مقدسة ( القرآن والسنة ) ، بيد أنها قد لا ترقى الى مستوى الحقيقة ، وانما هو استنباط وفهم ، فلابد من أن نستمع الى الآخرين من المثقفين ونناقش أفكارهم بتقدير واحترام .

وقد يكون المبدأ الذي ينطلق منه هؤلاء المفكرون والمثقفون صحيحاً بيد أن الخطأ يكون في التطبيق وتلمس المصاديق ، أي في الصغرى لا في الكبرى ، على حد تعبير المناطقة .

وقد وجدت ذلك عند  ( المفسرين ) المعاصرين الذين قدموا بحوثاً في تفسير القرآن واسسوا نظريات جديدة ومعاصرة كما يعتقدون لم يلتفت إليها كل علماء الإسلام ومفسري القرآن على مدى القرون المتطاولة كقراءات الدكتور حامد ابوزيد ، والدكتور حسن الحنفي ، والدكتورمحمد اركون ، والدكتور محمد شحرور ... وإن جاءت نظريات بعضهم على التقيض من البعض الآخر .. بل راح بعضهم يستهزئ بالبعض الآخر لأنه يرى ما توصل اليه هو الحقيقة بعينها .

إن هؤلاء وغيرهم انطلقوا  من مقولات قد تكون صحيحة بحد ذاتها كمقولة ( القرآن يفسره الزمان ) ، ومقولة : الناسخ والمنسوخ ) ، ومقولة : ( المورد لايخص الورد ) ، ومقولة المغزى والمعنى ) ، ومقولة : ( لا ترادف في لغة القرآن ) ، ومقولة : ( اختلاف السياقات ) ، و (القراءة التأريخية ) وغيرها .

وهي من دون شك مقولات صحيحة وسليمة ، بل وقد تكون اساسية في عالم التفسير ومناهج المفسرين ، بيد أن المشكلة في التطبيق والمصاديق .

فقد طبق أحدهم مقولة ( لا ترادف .. ) ففرق بين ( القرآن والكتاب ) والف كتاباً ضخماً استغرق في تأليفه عشرين عاماً – كما يحدثنا هو عن ذلك – بعنوان ( الكتاب والقرآن : قراءة معاصرة ) .

وطبق الآخر مقولة ( المغزى والمعنى ) فاستنبط حكماً بتساوي الميراث بين البنات والبنين من آية : ( للذكر مثل حظ الانثيين ) !! وحكماً آخر بجواز السفور للمرأة من آيتي الخمار والجلباب ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) وآية ( يدنين عليهن من جلابيبهن ) !!

وانطلق ثالث من مقولة ( الناسخ والمنسوخ ) بتقديم الواقع على النص ، لينسخ الأحكام حتى ولو وردت في آيات ناسخة !!

وأفتى رابع بعدم جواز استنباط أي حكم من الأحكام من آيات القرآن سواء كان تشريعياً عبادياً ، أو سياسياً ، أو اقتصادياً ، لأننا لايمكن أن نقرأ القرآن قراءة حقيقية صحيحة كما أنزل منذ 1500 عام فألف كتاباً بعنوان : ( القرآن : من التفسير الموروث الى تحليل الخطاب الديني ) ، لأنه يعتقد أن جميع التفاسير من دون استثناء – القديمة والمعاصرة – تجعل النص القرآني خاضعاً لإكراهات نحوية وصرفية ولفظية وبلاغية ، وخاضعاً – ثانياً – لإكراهات اجتماعية وسوسيولوجية للبيئة التي ظهر فيها . ولابد – كما يقول المؤلف – الى ما اسماه بـ ( الزحزحة والتفكيك ) ليتحول القرآن ( المقدس) ذوالهيبة الى كتاب عادي غير مقدس ليس له هيبة ولاقداسة !

من هذا المنطق كان على طلاب العلم أن يقرأوا هذه الأطروحات الجديدة قراءة نقدية موضوعية ، ويردوا عليها باسلوب علمي يشخص موارد الخلل فيها من دون استهزاء أو استخفاف بأصحابها . وهذا لم يحصل لحد الآن على المستوى المطلوب . بل رأيت العديد من أساتذتنا – حفظهم الله – لم يسمعوا بهذه الكتب ولم يعلموا بصدورها ووجودها .

لم يستطع المرجع الشهيد محمد باقر الصدر (قدس) أن يرد على ( الماركسية الإشتراكية والرأسمالية ) – الأفكار التي كانت سائدة آنذاك – إلا بعد أن امضى الليالي والأيام ، بل والسنوات ، في قراءتها من مصادرها الاصليه ، فقدمها بإطار نقدي رائع دون استخفاف بأصحابها ، بل عبر عن ماركس بأنه ( ذو عقل فذ ) وهو يسجل أخطائه وهفواته ، ثم قدم النظرية الإسلامية البديلة .

ولهذا لم يكتف المرجع الشهيد الصدر بدروس أصول الفقه والمؤلفات القيمة التي كتبها بقلمه ، وقررها طلبته المبرزين امثال استاذنا الأول السيد كاظم الحائري ، والسيد الأستاذ محمود الهاشمي في كتابيهما ( مباحث الأصول ) و ( بحوث في علم الأصول ) . لم يكشف بذلك ، بل كتب : اقتصادنا ، وفلسفتنا ، الأسس المنطقية للإستقراء . وهي كتب من دون شك تعبر عن دور المرجع في الأمة وشهادته على حركة الفكر في العالم ومسؤوليته في النقد والتقديم واعطاء البديل .

من هنا ندرك الأسرار الكامنة في اقدام طاغية العراق المقبور على ارتكاب جريمة العصر بقتل محمد باقر الصدر ، بعد إقامة جبرية في بيته دامت ثمانية أشهر منع فيها الماء والكهرباء كما منع فيها الأطباء . ولم يكن الطاغية – بنظرنا – سوى اداة تنفيذ لقرار دولي استكباري .

وقد ذكرت في مقالي ( من حضر اعدام محمد باقر الصدر؟ ) والمنشور في موقعكم الكريم ( حروفي  ) ، أننا مستعدون بأن نعطي الملايين هدية لمن يعطينا فلم عملية الإعدام ، و لو كانت مدته دقيقة واحدة . لقد دفن هذا المرجع الشهيد في ليلة ظلماء ، ومنع ذووه من أن يقيموا حتى مجلس ترحيم ( فاتحة ) على روحه الطاهرة !

فمن هو الذي يقمع الآخر ؟! ومن يمارس الخطاب القمعي تجاه الفكر والمفكرين ؟! انني كلما أقرأ كتاباً يتحدث عن ( العقل العربي ) أو ( الخطاب الإسلامي ) ويعتبره عقلاً أو خطاباً قمعياً ، اتذكر المثل العربي : رمتني بدائها وانسلت! كما أذكر الحديث الشريف : يرى القشة في عين أخيه ولايرى الجذع في عينه !

و (علماء الإسلام ) المعاصرون الذين شجبوا اعدام الطاغية في الشهر الحرام ، لم نجد لهم سطراً واحدا فيما كتبوه وألفوه من عشرات الكتب ومئات البرامج والندوات يشجب قتلة الحسين (ع) في العاشر من شهر محرم الحرام ، وهو سيد شباب اهل الجنة وريحانة رسول الله كما في الصحيحين ( البخاري ومسلم ) ولم يكتفوا بذلك ، بل سلبوا ملابسه ، ومثلوا بجثته أبشع تمثيل ، وقطعوا رأسه ووضعوه على رأس رمح طويل وجابوا به الأقطار والبلدان ، حتى أن العلامة السيوطي في كتابه ( تأريخ الخلفاء ) حينما يصل الى وقعة كربلاء ، يقول : " فلما ارهقه السلاح ... فأبوا الى قتله ، فقتل وجيء برأسه في طسْت حتى وضع بين يدي ابن زياد ، لعن الله قاتله وابن زياد ويزيد أيضاً . وكان قتله بكربلاء يوم عاشوراء ؛ وفي قتله قصة فيها طول لايحتمل القلب ذكرها ؛ فإنا لله وإنا اليه راجعون "  [ تأريخ الخلفاء / 244 ]

 


نستمر مع سماحة السيد وسنطرح سيرته الذاتية في الحلقة القادمة

التعليقات «7»

جهاد عبد الإله الخنيزي - المملكة العربية السعودية [السبت 21 ابريل 2007 - 12:56 ص]
نوفق بين الوزن المعرفي لما يدرسه طالب العلم والوزن المعرفي لعلوم أهل البيت المبثوثة في الكتب والروايات التي تتضمن الكثير.
4.كيف نحقق التوازن المعرفي بين الإسلام كدين يملك منظومة كاملة للحياة والفكر ومقدار التوتر مع عالم يتجه نحو الماديات والصراع الفكري على أساس قاعدة الإنسان أو الله. وبالأخص إذا التفتنا إلى أن فكرة الإله استغلت تاريخياً وبأبشع صورة كي تتلائم مع مصالح الحاكم وطبقة المنتفعين.
5. لي أمل كبير أن يحدد لنا السيد مفهوم الدين كطريقة للحياة يمكن أن تنفتح على المتغيرات العالمية.
قطيفي - القطيف [الجمعة 20 ابريل 2007 - 10:00 ص]
شكرا لحروفي على هذه الاطلالة وشكرا لسماحة السيد على هذه الاجابات الشفافة ولدي سؤال اود الاجابة عليه بشفافية ايضا:
هل يعتقد سماحة السيد ان الحوزة تقوم بدورها بشكل صحيح ويناسب متطلبات المرحلة ؟
عبدالله - القطيف [الجمعة 20 ابريل 2007 - 12:52 ص]
اسعدتمونا بهذا اللقاء وننتظر بقية الحلقات
سلمتم
بنت علي - القطيف [الخميس 19 ابريل 2007 - 5:48 ص]
ليت طلبة العلوم يقرؤن هذا الكلام عن تفعيل دور طالب العلم
جهاد عبد الإله الخنيزي - [الأربعاء 18 ابريل 2007 - 5:19 م]
أخي العزيز أثناء إرسال التعليق الثالث كأنه حدث خطأ في الإرسال إبلغني إذا لم يصل حتى أكتبه
جهاد عبد الإله الخنيزي - المملكة العربية السعودية [الأربعاء 18 ابريل 2007 - 4:18 م]
تتحرك دائماً من خلال تفاعل معقد مع الواقع والعقل والنص والتجربة الفكرية البشرية وتحاول أن لا تكون خارج الإطار الإسلامي إن لم تكن من منتمياته.
2. على أي شيء يمكن اسناد التفسير لكتاب نصي لغوي حافل بالدلالات والمفاهيم عندما تكون اللغة أقل قدرة على استيعاب المفهوم كما في معاني الروح والغيب والعالم الآخر بل النبوءة المستقبلية لظهور الإنسان الكامل .
3. هل مفهوم طالب العلم الحوزي هو مفهوم مقيد بمنتوج الحوزة العلمي أم بعلوم أهل البيت (عليهم السلام) وإذا كنا نعتقد بأن المفهومين يرميان إلى غرض واحد فكيف
جهاد عبد الإله الخنيزي - المملكة العربية السعودية [الأربعاء 18 ابريل 2007 - 4:11 م]
أشكر موقع حروفي على هذه القابلة الجميلة مع السيد الكريم.. وأنا كنت استمع لدروسه في التفسير في إذاعة الجمهورية الإسلامية وكنت ألاحظ عليها الدقة في العرض مع الاختصار المفيد، والدلالة البليغة. وكنت معجباً بطريقته الاختزالية هذه التي تجمع بين الاختصار والقدرة على إيصال الفكرة. وهنا بودي أن أطرح على السيد الفاضل بعض الأسئلة:
1. عن دلالة تطور الفكرة في القرآن مع العقل البشري الذي قد يسبقه إليها ولكنه يجد أنه بحاجة لشرعنتها. وهنا لا أقصد بالفكرة المعارف العقلية الأولية المركوزة في العقل بل الفكرة التي

موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.058 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com