علي سعد الموسى   - 18/04/2017ظ… - 12:32 م | مرات القراءة: 120


هذه أخطر قنابلنا الاجتماعية ولكننا تماماً مثل الفيل: يقال إنه يستطيع العيش مع الورم السرطاني في جوفه لثلاثين سنة. مجتمع مليء بالأماني والوعود وأيضاً بكل أنوع القيود أمام هذه الوعود.

تقول لي بالأمس، وانتبهوا جيداً لكل جملة من قصتها: أنا لازلت جامعية عاطلة عن العمل حتى وأنا في سن الخمسين. انهيت الجامعة متخصصة في علوم التغذية وكانوا يومها، وقبل دخولي الجامعة يتحدثون عن آلاف الفرص المتاحة أمام هذا التخصص النسائي تماماً مثلما يرجفون اليوم لعشرات آلاف البنات بذات الوعود والأحلام، وهم يفتحون أمامهن كل الأقسام الجامعية بمختلف الأسماء في كذبة كبرى ووهم أكبر.

انتظرت إحدى عشرة سنة بعد الجامعة حتى لاحت الفرصة الأولى للوظيفة، ولكن كان علي أن أنتقل من الرياض إلى محافظة بشمال نجران للعمل بمستشفى، وصلت الفرصة لا متأخرة ونائية فحسب، بل بعد تسع سنوات من زواجي وإنجابي ثلاثة أطفال،

وكان الخيار الصعب بين أن أشتت حياتي الأسرية الغارقة أصلاً في الفقر والحاجة وبين أن أقبل بالوظيفة على بعد أكثر من ألف كيلومتر.

تواصل: وما يحزنني جداً أن بناتي اليوم على ذات طريقي بالضبط. اختارت الكبرى قسم الإعلام لأنهم ساقوا إلينا كذبة الفرص الهائلة بنفس اللغة التي سمعتها عن «التغذية» قبل سبع وعشرين سنة. أتذكر كم حاولت أن أقنع ابنتي ألا تمشي على خطاي، وكم قلت لها إن لدينا مجرد أربع محطات تلفزيونية وفيها من المحاذير وأسطوانة الجرم والتحريم ما يجعلها قد لا تتسع لأربع وجوه نسائية،

وها هي اليوم للعام الثالث بعد الجامعة تقرأ الجرايد على قهوة اليقظة بعد صلاة العصر، وعلى نهج أختها، اختارت الصغرى طب الأسنان وكنا قبل أربع سنوات نعتقد أنها ستكون الحلم وأننا لسنا في حاجة مع لقب «الدكتورة» لأن يقرأ علينا أحد أسطوانة آلاف الفرص المتاحة. وها نحن اليوم مع ذات دائرة القلق والخوف، فآلاف أطباء الأسنان اليوم، وبالسنوات على طابور البطالة.

وسأنقل إليكم أنها لم تعد تطالب بالوظيفة. هي تطالب بإلغاء التعليم الجامعي النسائي في كل تخصصات الخداع والأوهام، طالما أن البلد والمجتمع بأكمله لا يراها إلا معلمة أو حتى طبيبة وعلى استحياء بعد جلجلة «بن فروة» الشهيرة. هي تطلب ردم الهوة ما بين العالم الواقعي الذي نعيشه وبين الخيال الافتراضي، فأين ستذهب خريجات القانون والزراعة، وللخيال الجامح خريجة هندسة كيميائية أو ميكانيكة.

هنا قصة امرأة تأخذها الوظيفة إلى شمال نجران وكان الفرمان المجتمعي والرسمي يومها لا يسمح لها بالسفر دون محرم، وبالطبع البدهي لا تقود السيارة لمسافة عشرة كيلومترات في الصحراء ما بين المحافظة ومقر العمل. مع ذلك نقول لها بكل برود: هذه هي الوظيفة.

وفي التحقيق الصحافي الجميل المنشور بالصفحة الأولى لهذه «الوطن» بحر الأسبوع الماضي دراسة جادة عن 800 ألف عاطلة عن العمل وللدقة تنقص عشرة، هذه أخطر قنابلنا الاجتماعية ولكننا تماماً مثل الفيل: يقال إنه يستطيع العيش مع الورم السرطاني في جوفه لثلاثين سنة. مجتمع مليء بالأماني والوعود وأيضاً بكل أنوع القيود أمام هذه الوعود.


الوطن

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.068 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com