لمحة تاريخية
المفكرة الاسلامية إيمان شمس الدين - 27/09/2017ظ… - 1:00 ص | مرات القراءة: 104


تعتبر الثورة الكربلائية من الثورات الخالدة في التاريخ التي تخطت حدود الزمان والمكان وخاطبت الإنسانية جمعاء لأنها جسدت معالم

المدرسة الإنسانية على الأرض بكل مصاديقها .ورسمت منهاجا كاملا في الأخلاق والتربية والسياسة والجهاد والفقه أي في كل ما يحتاجه الإنسان في هذه الدنيا للعيش بكرامة وعزة.وكانت الحركة الحسينية حركة مدروسة الأهداف بطريقة إلهية تناسبت ليس فقط مع ظروفها الزمكانية وإنما مع ظروف كل عصر وكل جيل حتى بتنا نسمع أن كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء.

لذلك سنسلط الضوء على هذه الثورة والحركة الحسينية بالقدر الذي يتاح لنا وبما يتناسب مع حاجتنا في هذا العصر وبالقدر الذي نستطيع أن نعيه ونستوعبه منها.وعل أهم نقطة أجدها جديرة لنبدأ بها هي موضوع الجهاد وحالاته المشروعة كما جاء في القرآن الكريم ومنها سنعرج ونلج في بحر هذه الثورة علنا نصل بعد ذلك إلى فهم بعض مصاديق الحركة الحسينية في عصرنا الحالي وكيفية اتباع خطوات الحسين عليه السلام من أجل أن نحقق هدف الثورة الكربلائية في كل عصر وكل جيل وأن نكون من الملبين لنداء الحسين عليه السلام.

الجهاد وحالاته المشروعة في القرآن :

من المسائل المطروحة في هذا الموضوع هو ماهية الجهاد وحقيقته من وجهة نظر الإسلام؟ فالمفسرون هنا لم يختلفوا في تحديد ماهية الجهاد ألا وهي الدفاع.وهنا يتبين أن الجهاد وكل نوع من القتال أو الحرب الذي يأتي بعنوان الاعتداء,أي بعنوان سلب مال وثروات الطرف المقابل أو سائر القوى الموجودة في الطرف المقابل فهو مرفوض فليست الحرب أمرا مقبولا من وجهة نظر الإسلام إذا كانت تهدف إلى السيطرة على القوى الاقتصادية والإنسانية لقوم ما ولا يكون الجهاد من أجل توفير الطاقات والسيطرة عليها,فمثل هذه الحروب ظالمة من وجهة نظر الإسلام. فالجهاد يكون مشروعا فقط في حالة واحدة حينما يكون بعنوان الجهاد والنضال ضد أي اعتداء ولبسط أي قيمة إنسانية تعود بالنفع على البشرية جمعاء.

وأحد الحالات المشروعة في القرآن الكريم للجهاد هو الدفاع عن الحقوق الإنسانية والدفاع عن هذه الحقوق هو مقدم على الدفاع عن الحقوق الفردية أو القومية بل أكثر قدسية لأن الملاك في قدسية الدفاع ليس أن يدافع الشخص عن نفسه بل أن الملاك هو وجوب دفاعه عن الحق وعندما يصبح الحق متعلقا بالإنسانية جمعاء يصبح أكثر قدسية من الحق الفردي والشخصي.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مصداق الدفاع عن الحقوق الإنسانية:

جاء في كتب اللغة أن المعروف : ما يستحسن من الافعال ، وكلّ ماتعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه.والمنكر : كل ما قبّحه الشرع وحرّمه وكرّهه. 

وقيل عن المعروف : هو اسم لكلِّ فعل يُعْرَف بالعقل أو الشرع حسنه . والمنكر : ما ينكر بهما، أي كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه أو تتوقف في استقباحه واستحسانه ، فتحكم بقبحه الشريعة. وجاء في مجمع البيان أنّ المعروف : الطاعة ، والمنكر : المعصية.وكل ما أمر الله ورسوله به فهو معروف ، وما نهى الله ورسوله عنه فهو منكر.

موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

لا يختص الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمورد من الموارد ، ولا مجال من المجالات ، بل هو شامل لجميع ما جاء به الاِسلام من مفاهيم وقيم ، فهو شامل للتصورات والمبادئ التي تقوم على أساسها العقيدة الاِسلامية ، وشامل للموازين والقيم الاِسلامية التي تحكم العلاقات الانسانية ، وشامل للشرائع والقوانين ، وللاوضاع والتقاليد ، وبعبارة اُخرى هو دعوة إلى الاِسلام عقيدة ومنهجاً وسلوكاً ؛ بتحويل الشعور الباطني بالعقيدة إلى حركة سلوكية واقعية ، وتحويل هذه الحركة إلى عادة ثابتة متفاعلة ومتصلة مع الاوامر والارشادات الاِسلامية ، ومنكمشة ومنفصلة عن مقتضيات النواهي الاِسلامية"كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لمركز الرسالة" .

وقد بيّن الاِمام الحسين عليه السلام موارد الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائلاً : « ... بدأ الله بالاَمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر فريضة منه ، لعلمه بأنّها إذا أديت وأقيمت استقامت الفرائض كلّها هينها وصعبها ؛ وذلك أن الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الاِسلام ، مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم ، وقسمة الفيء والغنائم ، وأخذ الصدقات من مواضعها ، ووضعها في حقها...».وقد تجلّت هذه الشمولية بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ بن جبل حينما ولاّه على أحد البلدان : « يا معاذ علمهم كتاب الله وأحسن أدبهم على الاخلاق الصالحة ، وانزل الناس منازلهم ـ خيّرهم وشرهم ـ وانفذ فيهم أمر الله... وأمت أمر الجاهلية إلاّ ما سنّه الاِسلام ، واظهر أمر الاِسلام كلّه ، صغيره وكبيره ، وليكن أكثر همّك الصلاة فإنّها رأس الاِسلام بعد الاقرار بالدين ، وذكّر الناس بالله واليوم الآخر واتبع الموعظة » .

"والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستتبع جميع مقوّمات الشخصية الانسانية في الفكر والعاطفة والسلوك ، لتكون منسجمة مع المنهج الالهي في الحياة ، وتكون هذه المقومات متطابقة مع بعضها ، فلا ازدواجية بين الفكر والعاطفة ولا بينهما وبين السلوك ، وهي وحدة واحدة يكون فيها الولاء والممارسة العملية لله وحده ولمنهج التوحيد الذي دعا إليه في جميع مفاهيمه وقيمه ".

إذا فانتفاضة الأشخاص والجماعات من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي مقدسة ومن مصاديق الجهاد والدفاع عن الحقوق الإنسانية.وحينما يرى الإنسان أن المنكر أصبحا معروفا والمعروف أصبح منكرا هنا يحتم الشرع على الإنسان أن ينتفض ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وبذلك هو لا يكون مدافعا عن حقا شخصيا أو مجتمعيا بل هو يدافع عن حق معنوي يتعلق بكل الإنسانية جمعاء.

ومن هنا نستطيع أن نعرج على حيثيات الوضع الاجتماعي في عهد الإمام الحسين عليه السلام لكي نشخص الأسباب التي خرج واستشهد من أجلها الحسين عليه السلام ,لكي تكون الرسالة الخالدة لكل الأجيال.وهذا ما سنسلط عليه الضوء في الحلقة القادمة.

2

"إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي,أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق,ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضيالله بيني وبين القوم بالحق,وهو خير الحاكمين"

هذه الكلمات هي بيان الإمام الحسين عليه السلام الذي أصدره موضحا أسباب وحيثيات خروجه في مواجهة قد يعتبرها البعض اليوم في عصرنا وبلغة الضعفاء أنها مواجهة غير متكافئة ومحسومة النتائج.إلا أننا سنسلط الضوء قبل الخوض في حيثيات الثورة كما وعدنا في الحلقة السابقة على حيثيات الوضع الاجتماعي الذي وصل إليه المسلمون في عهد الإمام الحسين عليه السلام حتى ننظر للمشهد برؤية موضوعية كاملة تعطينا القدرة على التشخيص السليم.

فلو عدنا إلى زمن استلام معاوية بن أبي سفيان للحكم وبعد الصلح الذي فرض على الإمام الحسن عليه السلام وجدنا معاوية يعلنها صراحة أمام الملأ من الناس وكأنه بذلك يضع مداميك دستور حكمه على البلاد ورقاب العباد حيث قال:" يا أهل الكوفة,أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج؟وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون,ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم والي رقابكم,وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون.ألا إن كل دم أصيب في هذه مطلول,وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين"

وهنا واضح أن معاوية لم يكن يهتم بالدعوة الإسلامية بل جل همه كان ينصب على السلطة وتسلم زمامها,وقد انتهج معاوية سياسة واضحة بعد إعلانه هذا ليحقق إحكام قبضته على السلطة وهو الذي يعلم أن لخصومه من أتباع أهل البيت(ع) أنصارا ينتشرون في أصقاع الأرض مما يهدد سلطته وبقاءه على كرسي الخلافة وهو الذي كتب لعماله في جميع الآفاق قائلا:"انظروا من قامت عليه البينة إنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان,واسقطوا عطاءه ورزقه. وشفع ذلك بنسخة أخرى:من اتهمتوه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره" وتتلخص سياسته في التالي:

1.الإرهاب والتجويع

2.إحياء النزعة القبلية واستغلالها

3.التخدير باسم الدين وشل الروح الثورية

وسنسلط الضوء بشكل سريع على كل من هذه السياسات لتتضح صورة ما كان عليه المجتمع قبل ثورة الإمام الحسين عليه السلام.

الإرهاب والتجويع:

وهذه السياسة قام معاوية بممارستها مع كل من اختلف معه بالهوى السياسي أي مع المعارضة كما نطلق عليها في عصرنا الحالي لأن محاصرة هؤلاء في لقمة عيشهم وتجويعهم هي وسيلة لإخضاعهم وإرهابهم وبالتالي يسلمون لإرادة معاوية الحاكم فيأمن بذلك على حكمه وهي سياسة مخالفة تماما لمنهجية رسول الله تعالى في تعامله مع معارضيه وهو الذي يجسد خط الرسالة الإسلامية ولسان الله الناطق.ومن أمثلة ذلك ما ورد في شرح نهج البلاغة 2 – 85 – 86 : حدث سفيان بن عوف الغامدي,وهو أحد قواد معاوية العسكريين,قال:"دعاني معاوية فقال: إني باعثك بجيش كثيف ذي أداة وجلادة,فالزم لي جانب الفرات حتى تمر بهيت فتقطعها,فإن وجدت جندا فأغر عليهم,وإلا فامض حتى تغير على الانبار,فإن لم تجد جندا فامض حتى توغل في المدائن.إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم,وتفرح كل من له هوى فينا منهم,وتدعو إلينا كل من خاف الدوائر,فاقتل كل من لقيته ممن هو ليس على مثل رأيك وأخرب كل ما مررت به من القرى,وأحرب الأموال الاموال فإن حرب الاموال شبيه بالقتل وهو أوجع للقلب"

وفي شرح نهج البلاغة 2 -17 ذكر أن معاوية استدعى بسر بن أرطأة,ووجهه إلى الحجاز واليمن وقال له:"سر حتى تمر بالمدينة فاطرد الناس,وأخف من مررت به,وانهب أموال كل من أصبت له مالا ممن لم يكن دخل في طاعتنا, فإذا دخلت المدينة فأرهم أنك تريد نفسك,وأخبرهم أن لا براءة عندك ولا عذر حتى إذا طنوا أنك موقع بهم فاكفف عنهم..وأرهب الناس عنك فيما بين المدينة ومكة واجعلها شردات.." وقال له : "لا تنزل على بلد أهله على طاعة علي إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنهم لا نجاء لهم,وأنك محيط بهم,ثم اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي,فمن أبى فاقتله,واقتل شيعة علي حيث كانوا"

هذه نماذج بسيطة من سياسة التجويع والإرهاب التي اتبعها معاوية في سياساته العامة ضد معارضيه وخاصة من أتباع علي عليه السلام, وطبعا هكذا سياسات أثرها الاكبر يقع على أولئك الضعفاء البسطاء وهم كثر أما النخب الموالية لعلي عليه السلام فبعضهم قضى نحبه تحت سياط التعذيب أو التزم العمل السري وفق إرشادات الإمام الحسن عليه السلام.

والسواد الاعظم من الناس كان يؤثر طريق السلامة في دنياه تحت قاعدة " نريد أن نعيش" و " نحب الحياة".

2.إحياء النزعة القبلية:

جميعنا يعلم كيف نبذ الإسلام التعصب القبلي وحارب العصبية ودعى الناس إلى الأخوة وتكافؤ دماءهم وجعل أساس التفاضل التقوى.

فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال في حجة الوداع:"أيها الناس,إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء,كلكم لآدم وآدم من تراب,ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى"

وفي الحديث:" المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم,ويسعى بذمتهم أدناهم,وهم يد على من سواهم"

وروي عن رسول الله قوله:"من قاتل تحت راية عمية,يغضب لعصبية,أو يدعو إلى عصبية,أو ينصر عصبية,فقتل,قتل قتلة جاهلية".

وقال تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى,وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا,إن أكرمكم عند الله أتقاكم,إن الله عليم خبير"

والتاريخ يذكر الجهد الذي بذله رسول الله صلى الله عليه وآله لترسيخ هذا المفهوم في وجدان الأمة الإسلامية وجعلها من الحقائق الحية في تفكيرهم وسلوكهم,لأنه يعلم أن السلوك القبلي والعصبي يفرق الأمة وهو خطر كبير على روح الدعوة الإسلامية وعلى أصلها وهو التوحيد.

وماقام به معاوية هو استغلال الروح العصبية التي أثيرت نتيجة الخلافات في عهد الخليفة عثمان وقد قام بذلك معاوية على عدة خطوط:فمن جهة أثار العصبية القبلية بين القبائل العربية بعضها ببعض ليضمن ولاء زعمائها وليضربها ببعضها البعض إذا شكلت أي خطرا على حكمه, ومن جهة أخرى أثار العصبية العنصرية عند العرب عموما ضد المسلمين غير العرب وما أشبه اليوم بالبارحة.وهم الذين يطلق عليهم المؤخين إسم الموالي.بل كانت هذه السياسة عند معاوية مفضلة أيضا في داخل العائلة الأموية ليقضي بذلك على شوكتهم فيأمن بقاء حكمه وعرشه أي باختصار كان يتبع شعار فرق تسد وهو الشعار الذي اتخذته بريطانيا شعارا لها في احتلالها للعراق فيما مضى.

إن هذه السياسة أدت إلى إغارة قلوب المسلمين بعضهم على بعض وأتت على روابط الألفة والمحبة الباعثة إلى مزيد من التماسك والترابط وفرقت بينهم فأذهبت ريحهم وأضعفتهم وجعلتهم منشغلين فقط ببعضهم البعض,عن الانشغال في بسط سماحة الشريعة وإرساء قوائم الدين على البسيطة والإبداع في طريق الحق لتحقيق مزيد من التطور على كافة مستوياته بما يعود بالنفع على الامة الإسلامية.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.069 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com