» خاطرة العمر وانتم شباب التحدي فاصعدوا   » الرمز والمعنى والمُقدَّس، القدس نموذجًا   » بحضور مراجع الدين ومشاركة علمائية..افتتاح دار العلم للإمام الخوئي بالنجف الأشرف   » المرجع الاعلى يدين ويستنكر قرار ترامب بقرار القدس عاصمة لاسرائيل   » التحدث عن مشكلاتك مع صديقاتك يزيدها صعوبة وتعقيدا   » أي كتب المقاتل أكثر اعتباراً في نظركم الشريف؟   » مقاربات فقهية وأصولية للفساد (1-3)   » ماذا عندي لأكتب؟   » أنفق كل ما في جيبه لمساعدتها في مدينة #فيلادليفيا..   » الشباب يواجه غربة قيمية وغياب الرؤية (3)  

  

الأستاذ جهاد عبد الإله الخنيزي - 29/11/2017ظ… - 8:15 ص | مرات القراءة: 59


بمجرد أن يقترب الباحث من المقاربات الفقهية والأصولية للفساد يتراء له موقف الدين نفسه وكيف يصاغ في قوالب من المعاني والقواعد العامة للفكر

وصيغ أفعل و لا تفعل، فهو المدد الأول لمبادئ الأصول العامة للعقل الفقهي والفقه العملي الذي يظهر في شكل أحكام لكل منها اسمٌ خاص وضِدٌّ خاص مثل الأمانة والخيانة، الرعاية والإهمال لما تحت يده من عهدة، الإخلاص والانتهازية، الحفظ والسرقة، الالتزام والتسيب، النزاهة والتلوث، وغيرها من المتقابلات التي تظهر في توصيف الصلاح والفساد، وتمتزج بصور تندرج في مباحث علم الأخلاق أيضا.

ونحن في كتابنا " في الفكر والفكر الإسلامي ـ بحث في المصطلح"  تحدثنا عن التآزر والتشارك والتعاون والتكامل المعرفي بين عدة علوم تشكل في النهاية علوم الدين لأننا من المستبعد أن ننظر إلى الدين من زاوية واحدة أو نبسط وجوده في شكل واحد وبالأخص في الإسلام فهو نظام متكامل يشمل عقائدا وأخلاقا ومفاهيما وأفعالا ونواهيا وعقابا وجزاء وعلاقات اجتماعية وثقافية وسياسية ومالية وغيرها. 

وفي موضوع الفساد نريد التركيز على ما يقدماه لنا الفقه والأصول باعتبار أحدهما يمثل نظرية الفعل والـ لا فعل (الفقه) والآخر النظرية العامة في الاستنباط (الأصول) أو الفهم العقلي لأصول النهي عن المفاسد حينما يضبط في صيغة قاعدة أو علاقة وجودية بين النهي عن الفساد وبين قبح الفساد في ذاته. أي أننا في علم الأصول نتأمل في السبب الذاتي في النهي وفي السبب الذاتي في الفساد الذي أوجد ارتباطا بينهما.

ولكل منهما طريقته الخاصة:

الأول: فقهي تشريعي أي تلك العناوين التي يقدمها الدين كمظاهر فساد وظلم وترد على لسانه على شكل محرمات منهيٍ عن الإتيان بها، وفي نفس الوقت يصفها بالإثم والمعصية والخطيئة وهذه من أوصاف الأخلاقية الدينية العامة التي تجدها في كل الشرائع. وتعتبر هذه الأحكام أو التشريعات أو الأوصاف أشبه بالرسائل والوصايا بين الدين والبشر، أو الحاكمين، أو الفاسدين، وتلقي عليهم عند اقترافها اسم الخطَّائين والعاصين ومستحقي العقاب. 

ولاشك بأن هذه الأحكام أو النواهي التي ترتبط بما صورته فساد لها صيغة تحريم لشدة ما فيها من ضرر، ولكون الالتزام بعدم الإتيان بها يصون الاجتماع الإنساني، ويخلصه من الشرور، ويضمن المصالح المشتركة للناس.

 الثاني: أصولي يعتمد الأساس العقلي كأساس لفهم العلاقة الضرورية بين الفساد والنهي عن فعل شيء أو التلفظ به في حال العقود أو الإنشاءات التي يترتب عليها تصرفات تؤدي لحدوث الضرر أو صورة من صور الفساد أو الخراب أو المحابة في الحق العام أو التمييز بين المواطنين المتساوين في شأن له علاقة بقدراتهم المتساوية،

أو خرق القوانين والتشريعات بما يلائم أحدا دون آخرين، أو التصرف بما ينافي الأمانة والعدالة والمساواة لما هو عليه متولٍ والناس فيه شرع سواء لا فضل لأحد على أحد من حيث الحق إلا بمقدار ما تنطبق عليه شروط الحق التي هي شروط عادلة بين الجميع.

 لا شك بأن مبدأ دلالة النهي على الفساد مسألة ذات طابع فكري ـ عقلي حين يبدأ الإنسان في النظر إلى دلالة النهي في نفسه ماذا يعني، وفي دلالة الفساد في نفسه ماذا يعني، ثم في اجتماعهما معا وما يعطياه من ارتباط أثناء كشف حقيقة الفساد الذاتية في الموضوع أو العنوان أو الشيء المنهي عن الإتيان به. ولابد أنه يقبل بوجود علاقة ضرورية بينهما وإلا لما اجتمعا.

ومن جهة ثانية هو بحثُ في الحقائق الواقعية، وفي أوصاف الشرية التي تحملها بعض العناوين والألفاظ التي تؤسس لصدور الأفعال قبل وجودها، وكذلك مرحلة صدور الأفعال عن الإنسان، وتقع في دائرة العلاقة بين أي فعل من أفعال الفساد وبين النهي عنه كسرقة المال العام، والتلاعب بمواصفات الأشياء، والعمل على الاعتداء على الحقوق العامة، واستغلال المنصب العام للكسب المالي وتحقيق المصالح الشخصية على المصالح العامة، وغيرها.

وسوف ينحصر كلامنا في المقاربة الأصولية حول "دلالة النهي" على "وجود مفسدة واقعية" في "المنهي عنه" وإلا لما حدث النهي كالأمثلة السابقة وكغسيل الأموال الناتجة عن بيع المخدرات أو بيع الأسلحة للجماعات الإرهابية أو التي تمارس العنف السياسي.

لأن النهي وبالأخص في مرتبة الحرام يعني في حكم العقل مبغوضية الإتيان بالفعل أو السلوك إليه لما فيه من القبح الشديد وصدور المبغوضية له من قبل المُشرِّع الإلهي على أساس القبح العقلي عند كل البشر بغض النظر عن الثقافات التي ينتمون لها


2

والذي نراه أن الأحكام التي يقدمها الفقهاء ضد الفساد تساوي بينه وبين عدد كبير من المحرمات في الشريعة، والتي هي بوجه قريب هي 

نفس المظاهر التي تتحدث عنها الصكوك والمواثيق الدولية ضد الفساد، وهي نفسها محرمات في الشرائع الدينية والعقلية لأنها تعتبر كل انتهاك لهذه المحرمات خطيئة، وهذه الخطيئة ظلم بالعنوان العام، للنفس وللمجتمع معا، وهي أيضا زيادة في الظلم والفساد حين تصدر من المتولي على وظيفة عامة لخيانته لشرف الوظيفة المطلوب منه أن يلتزم بها في أجمل صورها وأفضل مراتب النزاهة السلوكية كونها ذات شأن عام مرتبط بالدولة. وهؤلاء في الغالب ضررهم يعم ويشمل جوانب كثيرة من الحياة لذا وصفوا كثيرا في آيات متعددة بأنهم مفسدون في الأرض أو يفسدون في الأرض، ويأتي النهي دائما لهم بأن لا تفسدوا في الأرض من قبيل

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ"  البقرة: 11، " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا" الأعراف:56.

ويعتبر الربط بين التولي أي الولاية والفساد من مشهورات القرآن الكريم، ويقدم الكثير من المفسرين تفسيرا لمعنى تولى في قوله تعالى

" وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ" 205

و معنى توليتم " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ" محمد:22

بما يحتمل وجه التولي من الولاية على الناس، أي الحكم فيهم بالسلطنة " تولى أي أعرض عن الحسن، وقيل معناه ملك الأمر وصار واليا عن الضحاك ومعناه إذا ولي سلطانا جار" 

ورغم أن عددا من المفسرين رجح معنى الإعراض والانصراف عن أمر النبي وما أنزله الله ثم سعيه بالفساد كما يذهب له الطباطبائي وابن عاشور، إلا أننا حتى مع هذا الوجه لا يمكن أن نفهم قدرة هؤلاء على فعل الفساد بدون وجود قوة من السلطنة تمكنهم من ذلك. كما أن القرآن كان واضحا في عدم جواز تولية الظالم لمنصب الإمامة على الناس " قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " البقرة:124

فنظرية التولي في الإسلام لا تقبل بتولي الظالم، والظلم في الإسلام فساد أو سبب للإفساد، لأن طبيعته هكذا. لذا يشمل المنع من التولي كل من عداه ممن يتولى شؤون الولايات والتصرفات العامة والوظائف العمومية والتكليف بشأن يخص الأمة أو ممثلها كدولة. والمولى تعالى يصرح "وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" آل عمران:57 ، "فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" المؤمنون:41

ومن هذا نحت المسلمون تعريفا للخلافة على أنها " نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا، وتسمى خلافة وإمامة، والقائم به خليفة وإماما" ولأن صاحب الشريعة عندهم في أعلى ذروة العدالة والتقوى " وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ" القلم:4 ، " وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)" الحاقة:44ـ47

فشرطوا في النائب ما في المنوب عنه من العدالة العالية التي تجعله ممثلا لصاحب الشريعة ومجانبا للظلم والفساد بما يبطل ولايته أو نيابته حين لا يسلك سلوك المنوب عنه، فهم إنما يريدونه لدينهم ودنياهم، لا لدينهم ودنياه.

وهو نفس ما ينطبق على التفويض التي يتولاه كل موظف عام عندما يستمد التولي من صاحب السلطنة فهو ممثل له في تحقيق مغازيه من إصلاح وتجنب أي فساد.


3

ولجهة الترابط بين صاحب الشريعة والنائب عنه في النزاهة والعدالة لذا نراهم يعرفون الفساد كمفهوم بما ينفي عن الشريعة الضرر، ويعزل كل أثر يؤدي إلى الخلل في أحكام الشريعة

" الفساد يرادف البطلان عند جمهور العلماء، وهو عند الحنفية قسم ثالث مباين للصحة والبطلان، والفاسد عندهم ما كان الخلل فيه في وصف من أوصاف العقد بأن كان في أحد شروطه الخارجة عن ماهيته أركانه، كالبيع بثمن مجهول (غير معلوم) أو المقترن بشرط فاسد" 

ويعرفه الجرجاني الصالح بـ"الخالص من كل فساد" ويقول المفسر القرطبي " الفساد ضد الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدها" 

ويقدم له المظفر شرحا جيدا حين يحدد أن الفساد يوجد حيث يمكن أن يتصف الشيء بالصحيح ثم يطرأ عليه الفساد " إن الفساد كلمة ظاهرة المعنى والمراد منها ما يقابل الصحة تقابل العدم والملكة على الأصح، لا تقابل النقيضين ولا الضدين، وعليه فما له قابلية أن يكون صحيحا يصح أن يتصف بالفساد، وما ليس له ذلك لا يصح وصفه بالفساد" أي أنه من أفعال البشر أو من تأثيراتهم ويقع في دائرة الممكن لهم. كما أن المظفر قدَّم تفسيرا للتلازم بين النهي عن الشيء وفساده، وأرجع ذلك إلى الملازمة العقلية بينهما،

فالنهي يستلزم عقلا فساد متعلقه أي موضوع الفساد أو العنوان المذكور فيه كالغش في المعاملات أو المواصفات، ولم يستبعد أيضا رأي من يقول أن الدلالة الالتزامية تفهم من نفس اللفظ  فاللفظ الدال على النهي كـ لا تأخذ الرشوة أو لا تفسد في الأرض أو لا تسرق مال الدولة دال على فساد المنهي عنه بالدلالة الالتزامية، فاللفظ يعطي معنى النهي والنهي يعني التزاما أن هناك فسادا في المنهي عنه يُعرف بالعقل.

ونحن مع الملازمة العقلية  بين النهي والفساد للبداهة التي تظهر في ذهننا بين النهي ووجود سبب فيه يدعو للنهي عنه وهذا ندركه بالعقل لا من اللفظ وإن كان اللفظ سببا أيضا لظهور الملازمة العقلية أو إثارتها أو دخولها في كشف الملازمة وبالأخص حين يكون منشئ اللفظ عاقلا وعالما بالحقائق التامة كما في القوانين أو الصكوك الدولية التي تُشْرِع لمكافحة الفساد في الدولة. ولكن أياً يكن سبب الدلالة فإن أي معاملة صالحة عند الشرع هي التي تخلو من كل فساد، وكذلك الشخص الصالح هو الذي لا يمارس الفساد ولا يخون وظيفته ولا الأمانة المتولي عليها شخصية أو عامة.

وهذا بعينه نظرة توجيهية عميقة لكل العقود والمعاملات الفردية أو الولايتية السلطانية، وكل ما يمكن أن نستخلصه من قبح المفاسد التي تصدر من البشر في أي شأن من شؤونهم بما فيها شؤون الولاية والسلطنة التي عبر عنها الله بقوله " لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " البقرة:124 

ومشهور عند الإمام الشافعي أن الفساد مرادف للبطلان  ، ويعبر أصحاب مدرسته عن فساد الوضع على أنه " عبارة عن كون العلة معتبرة في نقيض الحكم بالنص أو الإجماع، مثل تعليل أصحاب الشافعي لإيجاب الفرقة بسبب إسلام أحد الزوجين" وهذا انتقال مهم حيث أن العلل ونقيضاتها داخلة في الحكم بفساد أو صحة المعاملة فكأن الأمر هو شأن مستقل في ذات الموضوع وليس فقط في ذات الفاعل فلكل فساد علة تخصه. وهو سبب اعتبار العقل قبح الفساد لوجود علل ذاتية فيه هي محل الصكوك الدولية التي شرعت لجرائم الفساد في الدول أو التي تمارس من خلال الدولة، أو من خلال الوظيفة العامة.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.071 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com