سميرة آل عباس - 26/02/2018ظ… - 11:37 ص | مرات القراءة: 474


بعد درس الأستاذة غالية المحروس
( هل أنت مستعدة للموت )

مرحباً أيها الموت الجميل ، لم أكن أعلم أنك جميلاً إلا عندما رست مرساتك على شاطيء الأستاذة الجميلة ( غالية المحروس )و أطللت علينا من خلف بياض روحها ، بالرغم من أنها هي الحياة و الروح التي امتلأت بالسكينة و الهدوء ، فآيات السكينة تنساب في عروقها شعاعاً ، و الإيمان بالقدر يستوطن قلبها .  

فهل يا موت نشتكي البعد و الغربة ، و أوجع البعد غربة الأرواح في الدنيا ؟.

في حين تفيض النفوس دوماً بالرهبة و الخوف من الموت و ترتعد الفرائص لذكره ، بل و يرفض البعض الحديث عنه ، فكم من مرة تضعف روحي عن مواضيع الموت و  أغادرها من المنتصف بالرغم من فضولي لتكملتها ، و لكن معك يا أستاذتي أحسست باخضرار الطريق إلى الجنة و حضرت محاضرتك (هل أنت مستعدة للموت ) مرتين .

حيث جاء يوم يستحق أن يسجل بين التاريخ و نفسه ، و حينها يبدأ التقويم ، جاء اليوم الذي قالت به أستاذتنا غالية كل ما فعلت ، بينما البعض لا يفعل ما يقول ، يوم يستحق أن يغرس في العصور القديمة ثم يعود لهذا الزمن الغريب ، يوم استثنائي ، يوم يتراقص به الموت الأبيض على قوس قزح الحياة ، 

هذا اليوم الذي أعتبره عظيماً لأنه جرت به الأنهار عكس الرياح ، و انهارت عقارب الساعة بعد أن انتزعت أستاذتنا سمومها ، كانت نشوة الإبتسامة تجمل شفتيها بالرغم من تمرد الدمع في عينيها ، جاء اليوم الذي تجمدت به ملامحنا ، و لكن بقيت أحاسيسنا متيقظة ، جاء اليوم الذي يجسد أمامنا أسوء الكوابيس ، فما الموت إلا نومة عميقة تشبه الغيبوبة .

يومٌ جعلني لا أعلم هل أنا أحبه أم أعيش عذابه ، فما كنت أرى سوى أنه يأخذ من نحب و يأخذ قلوبنا معهم ، و لكن أي عذاب فأنت يا أستاذتي من تحولي الألم أملاً و العذاب راحة و التعاسة سعادة ، 

أستاذتي كيف استطعتِ أن تصفي الموت ببساطة ؟ كيف استطعتِ أن تترجمي إحساسك ، و بأي لغة ، إنها لغة الموت و الحياة الصعبة ، و الأكثر عجباً أننا فهمنا اللغة و حفظنا الترجمة ، يا سيدتي أحلتِ الألم لذة بالرغم من دموعك على فراق الأحبة ، لقنتِ الألم درساً في الصبر و اختبرتِ قوة تحمل الفراق ،  فالحياة غربةٌ تتسلل منها الأيام ، و تنحني معها قامة العمر ، أما الموت فهو الطمأنينة بلقاء الله و الخلود في نعيمه . 

هذا اليوم الذي شمخت به الأستاذة ( غالية المحروس ) ترتدي الأبيض و الأسود ، قائلة أنا ارتدي الموت و الحياة ، معتلية قمة القوة و الصدق و روح الكمال ، هذا اليوم الذي صدح به صوتها بآيات قرآنية إن الموت حق كما الحياة حق ، و أن الموت أجمل من الحياة و نطقت أعماقها بحبها للموت أمام اندهاش الجميع ، نعم حبها و استعدادها و ثقتها بالله و بجوده و كرمه على العباد ، حبها لذلك اليوم الذي ستقابل به الله ، و بجمال الموت و القبر و الكفن الأبيض الذي صورته كرداء أبيض كالذي تتمنى أن ترتديه كل عروس ، كان كل من يسمعها يتمنى أن يموت أكثر .

كنا جالسات أمام شموخها نستعد لما سوف يرعبنا و يرهبنا من حديثها و كأننا نبحر بدون شراع أمام أمواجها العاتية، كانت عيوننا مفتوحة و كأنها تستمع أكثر من آذاننا ، كانت شفاهنا لا تدري هل تنطبق أم تفتح ثغرها لتسيل التساؤلات من بينها ، في البداية ما زلنا لم تدركنا الثمالة بعد ، حتى اخترق إحساسها أوصالنا و أصبحنا و كأننا صمت الورود ،

استمرت أستاذتنا الغالية بكلماتها التي جذبتنا بهدوء إلى عشق الموت ، كانت كلماتها تضيف العسل إلى مر الكلام ، و إلى ألم الواقع حتى تنساب مباشرة في عروقنا ، و تصيبنا بالخدر الجميل مع الموت ،، أي سحرٌ هذا !! ، أي نور يسطع من نور روحك ، ما أجرأك و أنت تقولين ما لا يعجب الآخرين . 

رأينا معك الموت هدية جميلة و نعمة تستحق الحب و كأنه حبيب يستحق العناق ، و أن الموت موقف فردي لا يتكرر نحتاج أن نموته بعفة ، رأينا من خلالك ملائكة حنونة تستقبل الروح المحلقة في ذمة الله و تحيط الميت كالأصدقاء و تشعره بالراحة و الأمان ، رأينا ملائكة صغير ة كالنجوم اللامعة و كالعصافير الصغيرة ترفرف حول الميت فرحة و تملأه بهجة بتهاليل هادئة ، يا للعجب ،، يومها أصبح حرمك أفقاً واسعاً للملائكة ، و أنت الهواء و الصدق و السماء لأرواحنا التي سالت بداخلنا  ، و بكل هدوء و إرتياح غريب يسري في أوصالنا . 

اكتشفنا عالماً جديداً آخر كله طهر و أمان لكن لا يصله إلا الصادقين المتسامحين الطاهرين البعيدين عن الشهوات الدنيوية ، عشنا تبادل الأدوار ، فالميت يلبس البياض و يقابل ربه بكل صدق و احترام و تبدأ حياته الأبدية براحة لا ينافسه عليها أحد ، و الفاقد يلبس السواد و تنطفيء روحه و يعيش الموت و الأسى في الحياة .

عرفنا أن هذا العالم الجديد هو جنة المؤمن الأبدية التي يجب أن نستعد و نتجهز لها بالزاد الكثير ، أدركت أن الموت معك و بك أجمل . 

أي واقع راقي تحدثتِ عنه و أي قصص واقعية و تجارب حقيقية طرحتيها بأسلوب مميز يعجز الكلام أن يحكيه ؟. 

و الأعظم تلك التجربة السوداء التي تراودك من سنين برغبتك في تجربة الموت و النوم في قبر بضع ساعات لتتعرفي على الموت و على ظلمة القبر و قسوة الحياة ، على الوحدة الأبدية ، و  ترف الحياة القصيرة ، لتعودي و تحكي كيف رأيتِ الموت . 

يا لقلبك الرقيق القوي يا لجمال روحك و قوة شخصيتك التي تسرع إلى مد يد العون و المساعدة حتى للميت و أهله ، 

فكم من غسل حضرتيه بالرغم من ألمك و رهبتك ، لا تتواني عن مشاركة العزاء لمن تعرفيه و من لا تعرفيه . 

أي أنثى رقيقة تواجه الموت و تحتضنه و تتشوق إليه بكل شجاعة مثلك يا سيدة العطاء 

كأي النساء أنت ؟ من أي الكواكب أنت ؟ في أي الحكايات و الروايات و الأشعار و الأنغام أنت ؟

ما أشجعك و ما أنقاك ، يا أجمل صورة للصبر و التضحية و الوفاء ، فلقد مثلت أعظم وفاء لمن فقدتِ ، 

احترت أن أكتب

 الموت الجميل 

أم إمرأة تعشق الموت 

أم غالية هي الحياة و الحياة غالية 

بل أنت إمرأة لن تموت . 



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.078 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com