الشيخ علي بيضون - 14/03/2018ظ… - 7:15 م | مرات القراءة: 424


بعد أن كثر السؤال:
(هل يناسب العالم المعمم أن يقوم بجميع ما تقوم به الناس من مزاح وحركات أو أفعال.. أم عليه أن

يتمتع بشيء من الوقار والاحترام والأدب بما يتناسب مع هيبة العمامة ودوره الرسالي والدعوي الذي يقوم به بين الناس؟)

الجواب:

                            بسم الله الرحمن الرحيم

     والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين

لا شك ولا ريب في أنّ العلماء الأبرار هم أناس وبشر كسائر الناس, لكن موقعية بعض الأشخاص ودورهم ومهامهم المتميزة قد تفرض عليهم أحيانا الامتناع عن الكثير من المباحات المحللة والاعتيادية التي يقوم بها الآخرون, ولنعط على ذلك بعض الأمثلة:

ـ الرجل الأمني:  من الطبيعي أن يحتاط في علاقاته الاجتماعية وتواصله عبر وسائل التواصل الحديثة كي لا يتجسس عليه أحد لأنه مظنة أن يكون مراقبا وملاحقا بشكل دائم.

ـ كذلك القاضي: عليه أن لا يكثر من القيل والقال وكثرة الحديث والكلام والمسامرة مع المترافعين, كما وعليه أن لا يتقبل أيّة هدية كي لا تتحول إلى نوع من الضغط عليه يستفيد منها أصحاب الجنايات أو المرافعات, لذلك نلاحظ أن مجسمات القاضي في الحضارات القديمة كانت على هيئة إنسان مقطوع اليدين, كناية عن عدم تقبله للهدايا لأنها بالنسبة له قد تتحول إلى رشوة, مع أن الهدية بالعنوان الأولي هي أمر مستحب عرفا وأخلاقا وعقلائيا ودينيا, لكنها بالنسبة لخصوص القاضي والحاكم والمسؤول ليست محببة بل قد تحرم أحيانا..

ـ الطبيب: عليه أن يبتعد عن حب المال والنزوع إلى جمع المال ـ مع أن طلب المال محلل وأمر طبيعي، لكن بالنسبة للطبيب عليه أن يرجح الجانب الإنساني بشكل دائم, وعدم رعاية هذا المستوى من النزاهة تفقده الثقة في قلوب المرضى ويصبح حبه للمال وطمعه مدعاة للتشكيك بتشخيصه غالبا وإعراض الكثير من المرضى عنه حتى وأن كان حاذقا خبيرا!!

ـ الفقيه ومرجع التقليد: فإنه مضافا إلى ضرورة اتصافه بالعلم والفقاهة والاطلاع الكامل والتام على مدارك الاجتهاد المقررة من القرآن وأحاديث أهل البيت عليهم السلام, يشترط فيه أن يكون صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه, مع أنّ مخالفة الهوى ـ في كل شيء ـ ليست واجبا قطعا, إلا أنها في مرجع التقليد هي شرط أساسي كي يطمئن المكلف من عدم مدخلية هوى النفس في استنباطه للحكم الشرعي الإلهي..

وعلى ذلك فقس في سائر التخصصات والشخصيات الاجتماعية بحسب اختلاف مناصبها, ومن ذلك طالب العلم المعمم صاحب الدور الرسالي والتبليغي والوعظي والإرشادي بين الناس, فدور العالم المعمم هو التأثير في الناس وتعليميهم وهدايتهم, فهو قدوة لهم وثقة تطمئن إليه نفوس الناس ويرجعون إليه في كل كبيرة وصغيرة, لما يلمسون من علمه ووقاره ونزاهته وكتمانه على أسرارهم, وعدالته وسريته واحترام لخصوصياتهم, وترفعه عن ملذات الدنيا وترك الخوض مع الخائضين، وترك التنافس على حطامها أو مناصبها وزعاماتها.. 

فالآباء يرسلون أبناءهم ـ ذكورا وإناثا ـ إلى العالم المعمم لثقتهم به وبنزاهته وأخلاقه وترفعه عن مظان الشهوة أو الاستغلال أو الانتهاز, ويضعون عنده أماناتهم ويوصون إليه بوصاياهم ويأتمنوه على أعراضهم وأموالهم وأسرارهم، ويطلبون منه رفع خصوماتهم كل ذلك اعتمادا على عدم تحيزه وعدم انغماسه في الشهوات والملاهي وحب الدنيا.. فهو في الحقيقة في نظرهم قدوة نزيهة لترك الدنيا ومعلما طاهرا ومبرأ من الوقوع في أودية اللهو واللعب والغفلة والسهو.. يتوقعون منه التواضع وكظم الغيظ والحلم والأناة والحكمة والتواضع والزهد والوقار...

لذلك كان من الطبيعي أن يتخلى العالم المعمم عن كثير من شؤون أهل الدنيا وعاداتهم مقدمة لبناء الثقة مع الناس.. وقد ورد في كتاب منية المريد للشهيد الثاني رضوان الله عليه في خصوصية طالب العلم: 

(أن لا يخرج إلى الدرس إلّا كامل الأهبّة، وما يوجب له الوقار والهيبة في اللباس والهيأة والنظافة في الثوب والبدن، ولا يعتني بفاخر الثياب بل بما يوجب الوقار وإقبال القلوب عليه، وليتطيّب ويسرّح لحيته، ويزيل كلّ ما يشينه..)

كذلك أكد العلماء على أن المروءة من شروط العدالة وعدم رعايتها قادح بالعدالة، فقد أورد الشيخ الجواهري رحمه الله في جواهره ج 41 ص 31 32:

(وكيف كان فالوجه أنه لا تقبل شهادة من لا مروة له ، لأن طرح المروة إما أن يكون لخبل ونقصان أو قلة مبالاة وحياء ، وعلى التقديرين يبطل الثقة والاعتماد على قوله ، أما الأول فظاهر ، وأما قليل الحياء فمن لا حياء له يصنع ما شاء ، كما ورد في الخبر" . وعلى كل حال فالمروة لغة : الانسانية كما عن الصحاح ، أو الرجولية أي الكمال فيهما كما عن العين والمحيط ، وفي الاصطلاح ، كما في كشف اللثام هيئة نفسانية تحمل الانسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل الأفعال والعادات . وفي المسالك " في ضبط المروة عبارات متقاربة : منها أن صاحبها هو الذي يصون نفسه من الأدناس ، ولا يشينها عند الناس ، أو الذي يتحرز عما يسخر منه ويضحك به ، أو الذي يسير بسيرة أمثاله في زمانه ومكانه ،

فمن ترك المروة لبس ما لا يليق بأمثاله ، كما إذا لبس الفقيه مثلا لباس الجندي وتردد به في البلاد التي لم تجر عادة الفقهاء فيها بلبس هذا النوع من الثياب ، وكما إذا لبس التاجر ثوب الحمالين ونحوهم بحيث  يصير مضحكة ، ومنه المشي في الأسواق والمجامع مكشوف الرأس مثلا إذا كان الشخص ممن لا يليق به مثله ، وكذا مد الرجلين في مجالس الناس ، ومنه الأكل في الأسواق إلا أن يكون الشخص سوقيا أو غريبا لا يكترث بفعله ،

ومنه أن يقبل الرجل زوجته أو أمته بين يدي الناس أو يحكي لهم ما يجري في الخلوة ، أو يكثر من الحكايات المضحكة ، ومنه أن يخرج من حسن العشرة مع الأهل والجيران والمعاملين ، ويضايق في اليسير الذي لا يستقصي فيه ، ومنه أن يبتذل الرجل المعتبر بنقل الماء والأطعمة إلى بيته إذا كان ذلك عن شح وظنة ، ولو كان عن استكانة أو اقتداء بالسلف التاركين للتكلف لم يقدح ذلك في المروة ، وكذا لو كان يلبس ما يجد ويأكل حيث يجد ، لتقلله وبراءته من التكلفات العادية ويعرف ذلك بما يناسب حال الشخص في الأعمال والأخلاق وظهور محامل الصدق عليه " إلى غير ذلك مما ذكره غيره أيضا ، وقد تقدم منا في العدالة جملة من الكلام فيها).

لذلك كان من الضروري على طالب العلم أن يجتنب الكثير من المحللات والمباحات, كالوشم على جسده, أو لبس ملابس الصبيان أو الشباب المراهقين, أو الأكل في الشارع, أو كثرة ـ المزاح المفرط ـ مما يذهب وقاره وتأثيره وهيبته ويقلل الثقة بكلامه, كذلك عليه أن يترك كثرة الكلام والثرثرة كي لا تسقط حكمته فلا يعود مؤثرا في قلوب الآخرين.. كذلك من غير المناسب أن يجالس أهل السفور وخاصة على مائدة أو طاولة واحدة لذلك نلاحظ أن العلماء والقيادات الدينية يلبسون النساء السافرات أثناء أية مقابلة معهن منديلا تستر به مفاتنها في محضره، كذلك على العالم المعمم أن يقلل التدخل في الشؤون الخاصة للناس والتحري عن خصوصياتهم ـ حتى مع حلية ذلك ـ فإن مثل هذا السلوك يفقد ثقة الناس به ويجعلهم يحذرون منه كثيرا..

كذلك من الطبيعي أن لا يقتني ما يعتبر بنظر العرف ـ العقلائي ـ مدعاة للتفاخر أو البرجوازية أو التكبر، من سيارة سباق أو سيارة حمراء مثلا تجلب الأنظار, أو سيارة باهظة الثمن, كذلك لا يبني قصرا شاهقا وغرفا مرصعة بالجواهر والزخارف حتى وإن كان من ماله الخاص الذي امتلكه بشكل محلل بالعنوان الأولي فإن جميع ذلك يفقده الثقة به ولا يعود قدوة بالنسبة لهم، ويقلل من هيبته كثيرا, بل قد تمحى صورته المؤثرة بشكل كامل من قلوب الناس ولا يعود بإمكانه وعظهم والتأثير في قلوبهم.

كذلك عليه أن يتحلى بأعلى مراتب الأخلاق والحلم والهدوء والإصغاء والروية والتأني والحكمة والعفة والنزاهة والصبر والكتمان والطهارة والنزاهة وعدم الشهوانية والتنافس أو ترصد الناس على أخطائهم ـ فحتى وإن كان بعض ذلك محللا بالعنوان الأولي ـ إلا أنّه لا يناسب طالب العلم المعمم المتصدي للعمل الرسالي التعليمي والدعوي وهداية الناس.

ومن الطبيعي أن يكون من ضمن المحظورات عليه العزف على الآلات الموسيقية حين يكون متلبسا بلباس العمامة الدينية, احتراما لشخصه واحتراما للعمامة وما تشير إليه من انتماء مقدس, فمع حليته بالعنوان الأولي إلا أنه لا يناسب حال المبلغ الرسالي مما يجعله صغيرا بأعين الناس وقلوبهم ويفقده حالة التأثير والتغيير المطلوبين في حركته الدعوية إلى الله سبحانه وتعالى.

عصمنا الله ووفقنا لمرضاته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

والسلام عليكم ورحمة الله 



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.093 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com