28/03/2018ظ… - 9:15 ص | مرات القراءة: 187


تتردد هذه الايام نغمة التجديد والتخفيف من قيود الدين وحدوده وثوابته، عبر تغييرات كيفية ودعاوي ارتجالية لا تستند لبرهان، ولا تبتني على ركن وثيق، ولا تنضبط بضابط، ولا تخضع لحساب، ولا تقف عند حد.

وما ندري أي دعوة محقة أو مبطلة خضعت للتجديد، وحاولت التأقلم مع العصر فبقيت على حقيقتها ولم تنحرف وتتشوه حتى انطمست معالمها واضمحلت حقيقتها، فكيف نُخضع الدين للتجديد والتأقلم مع العصر، وهو كلمة الله تعالى الخالدة، وحكمه الثابت الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)، وحلال محمد (صلى الله عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة.

وهل يمكن أن يخاطب الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) وأولياؤه (عليهم السلام) العباد بالحلال والحرام والحدود والأحكام بانتظار فهم أو تغييرات تأتي بعد مئات السنين متأقلمة أو متأثرة بإفرازات عصر يشيع فيه الانحلال، وتطغى فيه المادَّة، وتغلب فيه الشهوات من دون ضابط ولا رادع، وهل ذلك إلا ضياع للدين وتمييع له؟!

ويحق لهذه الطائفة -أعز الله دعوتها وثبتها في أمرها- أن ترفع رأسها فخراً واعتزازاً بمحافظتها على أحكام الله تعالى وتعاليمه، واهتمامها بأخذها من منابع التشريع الأصلية وصمودها في ذلك، متحدية أعاصير الزمن، وظلمات الفتن، على طول المدة وشدة المحنة.

كل ذلك بفضل علمائها المخلصين، الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم، والذين بلغوا في العلم بالدين والتقوى لله تعالى أرفع الدرجات وأسمى المراتب،

وبفضل أتباعهم المؤمنين، الذين لا يأخذون دينهم إلا ممن هو أهل للأمانة في دينه وورعه وقدسيته رافضين غيرهم ممن لا يتحلى بالأمانة والورع، ولا يبالى في أي واد سلك، قد تورَّط في الشبهة، ووضع نفسه مواضع التهمة.

فجزى الله تعالى العلماء والأتباع الماضين أفضل جزاء المحسنين على حفظ دينه حتى أوصلوه الينا أمانة مقدسة نُسأل عنها (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون).

أفيحسن بنا بعد كل ذلك أن نفرِّط في أمر الدين، ونجرأ على حدوده بحجة العصرنة والتجديد؟!

وما أدري أن ما حصل عليه التشيع من المكاسب في العصر الحديث، فكان له الصوت المدوي في العالم، المؤثر في الساحة، الذي أذهل الطغاة والمفسدين، هل حصل عليه بالدين المتجدد المتحلل، المتأقلم مع العصر، أو بالدين الأصيل الذي حافظ عليه السلف الصالح وأوصلوه إلينا أمانة مقدسة لنحافظ عليها ونوصلها للأجيال المتعاقبة بعون الله تعالى.

أفمن الأمانة والإنصاف أن نقلب ظهر المجن لهذا الدين الذي أنعم الله تعالى به علينا، وأعزَّنا به لنشذِّبه ونحرفه ونميعه باسم العصرنة والتجدد؟! كما قال تعالى: (ألم تر إلى الذين بدَّلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار).

وفي عقيدتنا أن رجل الدين الناجح هو الذي يندمج بالمجتمع ويؤثر فيه ويتحكم في سلوكه حتى يجعله متديناً تديناً حقيقياً، ملتزماً بالدين الأصيل بثوابته وقيوده وحدوده التي أرادها الله لعباده، وليس الرجل الناجح هو الذي يشذب الدين ويخفف من قيوده باسم العصرنة والتجديد، من أجل أن يخفف حدته مع الظالمين، ويسهل عليهم التعايش معه، وليسهل على الناس الانتساب له والعيش في ظله.

*فالحذر ثم الحذر* من هذه الدعوة المشبوهة، التي هي ردة فعل متوقعة لظهور التشيع في الساحة وفاعليته في المجتمع، واللازم على أهل العلم المخلصين الوقوف بوجهها، وتعرية القائمين بها والدافعين لها، وتحذير الناس منهم، ودفع شبهاتهم والاهتمام بذلك بجديَّة وإخلاص.

*نعم،* نحن نحبذ التجديد في أسلوب الدعوة للدين ونشره وإيصاله للناس، بالمقدار المناسب لوضع المجتمع المعاصر، من دون خروج عن مقتضى الميزان الشرعي، ولا عن مقتضى الآداب واللياقة، حسبما يراه المبلغ المخلص المأمون على الدين، ولو بعد تداول الرأي مع أهل المعرفة والإخلاص، لأن أسلوب الدعوة غير محدد غالباً من قبل الشارع الأقدس.

*هذه وصيتنا لأهل العلم والتبليغ،* ونرجو أن نكون قد قمنا ببعض الواجب في النصح لهم وتنبيهم لواجبهم الملقى على عواتقهم.

ونسأله أن يكتب لنا ولهم التسديد والتوفيق إنه أرحم الراحمين، وولي المؤمنين، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه اُنيب.


📚 رسالة أبوية ص٧٥-٧٨

للمرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.076 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com