29/07/2018ظ… - 6:15 ص | مرات القراءة: 195


فاستوت الملائكة على خيلهم، وقاربت مدائن لوط وقت المساء، فرأتهم رباب بنت لوط زوجة إسحاق (عليه السلام)، وهي الكبرى، وكانت تستقي

الماء، فنظرت إليهم وإذا هم قوم عليهم جمال وهيئة حسنة.

فتقدمت إليهم، وقالت لهم:

ما لكم تدخلون على قوم فاسقين! ليس فيهم من يضيفكم إلا ذلك الشيخ، وإنه ليقاسي من القوم أمرا عظيما- قال- وعدلت الملائكة إلى لوط، وقد فرغ من حرثه، فلما رآهم لوط اغتم لهم، وفزع عليهم من قومه، وذلك معنى قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ‏، يعني شديد شره.

فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ* قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ‏ ، أنكرهم لوط كما أنكرهم إبراهيم (عليه السلام)، فقال لهم لوط (عليه السلام): 

من أين أقبلتم؟ قال له جبرئيل (عليه السلام)، ولم يعرفه: 

من موضع بعيد، وقد حللنا بساحتك، فهل لك أن تضيفنا في هذه الليلة، وعند ربك الأجر والثواب؟ قال:

نعم، ولكن أخاف عليكم من هؤلاء القوم الفاسقين عليهم لعنة الله. 

فقال جبرئيل لإسرافيل (عليهما السلام): 

هذه واحدة. 

وقد كان الله تعالى أمرهم أن لا يدمروهم إلا بعد أربع‏ شهادات تحصل من لوط بفسقهم، ولعنته عليهم، ثم أقبلوا عليه، وقالوا: 

يا لوط، قد أقبل علينا الليل، ونحن أضيافك، فاعمل على حسب ذلك. فقال لهم لوط: 

قد أخبرتكم أن قومي يفسقون، ويأتون الذكور شهوة ويتركون النساء، عليهم لعنة الله. 

فقال جبرئيل لإسرافيل: هذه ثانية. 

ثم قال لهم لوط: انزلوا عن دوابكم، واجلسوا هاهنا حتى يشتد الظلام، ثم تدخلون ولا يشعر بكم منهم أحد، فإنهم قوم سوء فاسقين، عليهم لعنة الله. 

فقال جبرئيل لإسرافيل: هذه الثالثة. 

ثم مضى لوط- بعد أن أسدل الظلام- بين أيديهم إلى منزله، والملائكة خلفه، حتى دخلوا منزله، فأغلق عليهم الباب، ثم دعا بامرأته، يقال لها (قواب) وقال لها: 

يا هذه، إنك عصيت مدة أربعين سنة، وهؤلاء أضيافي قد ملؤوا قلبي خوفا، اكفيني أمرهم هذه الليلة حتى أغفر لك ما مضى. قالت: نعم. قال الله تعالى: 

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما ، ولم تكن خيانتهما في الفراش، لأن الله تعالى لا يبتلي أنبياءه بذلك ولكن خيانة امرأة نوح (عليه السلام) أنها كانت تقول لقومه: لا تضربوه لأنه مجنون. 

وخيانة امرأة لوط أنها كانت إذا رأت ضيفا نهارا أدخنت، 

وإذا انزل ليلا أوقدت.

فعلم القوم أن هناك ضيوفا، فلما كان في تلك الليلة، خرجت وبيدها سراج كأنها تريد أن تشعله، وطافت على جماعة من قومها وأهلها وأخبرتهم بجمال القوم وبحسنهم- قال- فعلم لوط بذلك، فأغلق الباب وأوثقه.

وأقبل الفساق يهرعون من كل جانب ومكان، وينادون، حتى وقفوا على باب لوط، ففزعوه، وذلك معنى قوله تعالى: وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ‏ ، أي يسرعون إليه‏ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ‏  - قال- فناداهم لوط (عليه السلام)، وقال: يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ‏ ، يعني بالزواج والنكاح إن آمنتم‏ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي‏ ، يعني لا تفضحوني في ضيافتي‏ أَ لَيْسَ مِنْكُمْ‏ يا قوم‏ رَجُلٌ رَشِيدٌ أي حليم، يأمركم بالمعروف، وينهاكم عن المنكر؟.

 فقالوا له: 

لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍ‏ ، أي من حاجة، ولا شهوة لنا فيهن‏ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ، يعني عملهم الخبيث، وهو إتيان الذكور. 

ثم كسروا الباب ودخلوا، فقالوا: يا لوط أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ‏ ؟.

يعني عن الناس أجمعين- قال- فوقف لوط على الباب دون أضيافه، وقال: 

والله لا اسلّم أضيافي إليكم وفيَّ عرق يضرب دون أن تذهب نفسي، أو لا أقدر على شي‏ء.

وذلك معنى قوله تعالى: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ ، فتقدم بعضهم إليه، فلطم وجهه، وأخذ بلحيته، ودفعه عن الباب، فعند ذلك قال لوط:

لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ - قال- فرفع لوط (عليه السلام) رأسه إلى السماء.

وقال: إلهي خذ لي من قومي حقي، والعنهم لعنا كثيرا، فقال جبرئيل لإسرافيل: هذه الرابعة.

 ثم قال جبرئيل: 

يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ‏ فأبشر، ولا تحزن علينا. فهجم القوم عليه، وهم يقولون: أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ‏ ، أي لا تؤوي ضيفا.

فرأوا جمال القوم وحسن وجوههم، فبادروا نحوهم، فطمس الله على أعينهم، وإذا هم عمي لا يبصرون، وصارت وجوههم كالقار، وهم يدورون ووجوههم تضرب الحيطان، فذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ - قال- وإذا نفر آخرون قد لحقوا بهم، ونادوهم: 

إن كنتم قضيتم شهوتكم منهم، فاخرجوا حتى ندخل ونقضي شهوتنا منهم. فصاحوا: 

يا قوم، إن لوطا أتى بقوم سحرة، لقد سحروا أعيننا، فادخلوا إلينا وخذوا بأيدينا. فدخلوا وأخرجوهم، وقالوا: 

يا لوط، إذا أصبح الصبح نأتيك ونريك ما تحب؛ فسكت عنهم لوط حتى خرجوا. 

ثم قال لوط (عليه السلام) للملائكة: 

بماذا أرسلتم؟ فأخبروه بهلاك قومه، فقال: 

متى ذلك؟ 

فقال جبرئيل (عليه السلام): 

إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ‏ . 

فقال جبرئيل (عليه السلام): اخرج الآن- يا لوط- فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ‏ ، يعني في آخر الليل‏ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ‏. إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ‏ من العذاب». 

قال: «فجمع لوط (عليه السلام) بناته وأهله ومواشيه وأمتعته، فأخرجهم جبرئيل (عليه السلام) من المدينة، ثم قال جبرئيل (عليه السلام): 

يا لوط قد قضى ربك أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين. 

فقالت له امرأته: إلى أين تخرج- يا لوط- من دورك؟ فأخبرها أن هؤلاء رسل ربي، جاءوا لهلاك المدن. فقالت: 

يا لوط، وما لربك من القدرة حتى يقدر على هلاك هؤلاء المدائن السبع؟!.

فما استتمت كلامها حتى أتاها حجر من حجارة السجيل، فوقع على رأسها فأهلكها، وقيل:

إنها بقيت ممسوخة حجرا أسود عشرين سنة، ثم خسف بها في بطن الأرض». 

قال: «وخرج لوط (عليه السلام) من تلك المدائن وإذا بجبرائيل الأمين قد بسط جناح الغضب، وإسرافيل قد جمع أطراف المدائن، ودردائيل قد جعل جناحه تحت تخوم الأرض السابعة، وعزرائيل قد تهيأ لقبض أرواحهم‏ في حراب النيران.

حتى إذا برز عمود الصبح، صاح جبرئيل الأمين بأعلى صوته:

يا بئس صباح قوم كافرين. وصاح ميكائيل من الجانب الثاني: 

يا بئس صباح قوم فاسقين. وصاح إسرافيل من الجانب الثالث: 

يا بئس صباح قوم مجرمين. وصاح دردائيل: 

يا بئس صباح قوم ضالين. 

وصاح عزرائيل بأعلى صوته: 

يا بئس صباح قوم غافلين». 

قال: «فقلع جبرئيل الأمين- طاووس الملائكة المطوق بالنور، ذو القوة- تلك المدائن السبع عن آخرها، من تحت تخوم الأرض السابعة السفلى بجناح الغضب، حتى بلغ الماء الأسود، ثم رفعها بجبالها، ووديانها، وأشجارها، ودورها، وغرفها، وأنهارها، ومزارعها، ومراعيها، حتى انتهى بها إلى البحر الأخضر الذي في الهواء.

حتى سمع أهل السماء صياح صبيانهم، ونبيح كلابهم، وصقيع‏ الديكة، فقالوا: 

من هؤلاء المغضوب عليهم؟ 

فقيل: 

هؤلاء قوم لوط (عليه السلام). ولم تزل كذلك على جناح جبرئيل، وهي ترتعد كأنها سعفة في ريح عاصف، تنتظر متى يؤمر بهم، فنودي: 

در القرى بعضها على بعض. فقلبها جبرئيل الأمين، وجعل عاليها سافلها، فذلك معنى قوله تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى‏* فَغَشَّاها ما غَشَّى‏ ، يعني من رمي الملائكة لهم بالحجارة من فوقهم. 

قال الله تعالى: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا يعني عذابنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ يعني متتابع بعضه على بعض، وكل حجر عليه اسم صاحبه- قال- فاستيقظ القوم وإذا هم بالأرض تهوي بهم من الهواء، والنيران من تحتهم، والملائكة تقذفهم بالحجارة وهي مطبوخة بنار جهنم، وهي عليهم كالمطر، فساء صباح المنذرين». 

وروي‏ عن كل واحد كان غائبا عن هذه المدائن، ممن كان على مثل حالهم في دينهم وفعلهم أتاه الحجر، فانقض على رأسه حتى قتله. 


📖 : البرهان في تفسير القرآن‏.

🖊 : بحرانى، سيد هاشم بن سليمان‏.

الجزء : ٤.

ص : ٣١٧-٣٢٠.

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 1.096 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com