27/12/2018ظ… - 8:18 ص | مرات القراءة: 81


مقدّمة تحقيقي لكتاب (بحوث في الفقه الجنائي) للسيّد الأستاذ محمود الهاشمي (رحمه الله)، والذي يقع في نحو 7 مجلّدات، والذي لم يرَ النور.. النصّ يعود لسنة 1430هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين.

يُشكّل علم الفقه معلماً شاخصاً من معالم الدين الإسلامي، فهو المجلى العملي لشريحة واسعة من المفاهيم الإسلاميّة، ولهذا قيل: إنّه يعكس الإسلام في جانبه العملي.

وممّا لا شكَّ فيه أنّ هذا العلم ـ بوصفه كائناً صناعيّاً ـ قد مرّ بمراحل تاريخيّة عديدة، جعلته يخضع ـ كغيره من العلوم ـ إلى المناخ العلمي والاجتماعي السائد. وإذا قصرنا النظر على الفقه الإمامي ـ الذي يعكس هذا الكتاب أحد تجلّياته ـ فسوف نجد أنّه اتّخذ في سيره التاريخي منحى تصاعديّاً، حيث بدأ أوّل ما بدأ وهو أشبه ما يكون بحاشية على الفقه السنّي بحسب ما أثر عن المرحوم السيّد البرورجردي، أو أنّه جرى معه في جدول واحد(1)،

ثمّ ما لبث أن بدأ يستقلّ عنه، خاصّة في أجواء انطلاقة علم أصول الفقه لدى الإماميّة، حيث راح هذان العلمان يتلاقحان وينموان في ركاب بعضهما البعض، فكان الفقه ـ كما يقرّر المفكّر الشهيد الصدر(2 ) ـ إذا واجه مشكلةً عرضها على علم الأصول واستمدّ منه الجواب، فتطرأ إثارات جديدة يضطرّ علم الأصول لبحثها، فيتطوّر هو بنفسه، ثمّ ينسحب هذا التطوّر مجدّداً على علم الفقه، وهكذا..

وظلّ علم الفقه ينعم بتطوّره التصاعدي هذا مصاحباً بالتطوّر الهائل الذي رافق علم الأصول، خاصّة بعد النكسة التي منيت بها الأخباريّة في نزاعها مع التيّار الأصولي، وربّما وصل الفقه إلى سنام تطوّره التصاعدي في القرنين الثالث والرابع عشر، إلى أن أصيب في بدايات القرن الخامس عشر بشيءٍ من الركود، وهو الأمر الذي يُمكن تفسيره بناءً على ركودٍ موازٍ طرأ على علم الأصول.

وإذا كان جديراً ملاحقة المفاصل التي تشكّل منعطفات في التأريخ لتطوّر علم الفقه، فلا شكّ في أنّ الثورة الإسلاميّة في إيران التي فجّرها الإمام الخميني ستكون آخر منعطف شهدته حركة الفقه. ولا يمتاز هذا المنعطف بكونه آخر ما شهدته الحركة الفقهيّة فحسب، بل بكونه قد أحدث صدمة للفقه دعته إلى إعادة النظر في آليّاته وأهدافه، حيث أوقفه أمام واقع جديد يحدوه إلى معالجته.

ومن جملة التحدّيات التي يواجهها البحث الفقه المعاصر:

1 ـ أنّ الفقه ـ بوضعه الحالي ـ عجز عن أن يعكس دائرة الاهتمامات الإسلاميّة، وبحسب الإمام الخميني فإنّ أغلب أبواب الفقه في السياسة(3)، حيث يشتمل الفقه على ما يربو على خمسين باباً فقهيّاً، سبعة أو ثمانية منها في العبادات والباقي في السياسة والاجتماع والعلاقات، بينما تمّ التركيز على الأبواب الأولى وتغييب الباقي، حتّى بدا أنّ الإسلام لا يتدخّل في السياسة (4).

2 ـ ومنها أنّ مسألة التفاعل المعرفي بين عِلْمَي الفقه والأصول ـ والتي تبدو من الواضحات لدى أهل الفنّ ـ كادت تمسي مقولةً نظريّة غير ملموسة على بساط البحث الفقهي: فبعد أن بقي الجوُّ الفقهي لفترةٍ ما مؤطّراً بمناخات معرفيّة محدّدة تكبح جماح تمدّده، جاء عصر الانفتاح المعرفي ليفتح على البحث الفقهي كمّاً هائلاً من الإشكاليّات المرتبطة بصميم بحثه الصناعي، لكن بدل أن ينسجم علم الأصول مع دوره النظري

ومساره الطبيعي في بحث هذه المسائل وإلقائها إلى علم الفقه، أمعن في غضّ النظر عنها والاستعاضة عن ذلك بتكرار الأبحاث الرتيبة، فكان طبيعيّاً أن ينسحب ذلك على المشهد الفقهي العام ليجيء بالتالي معزولاً عن السباق المعرفي السائد، فبدا البحث الفقهي عاجزاً عن إبراز المعالم الرئيسيّة للفقه الإسلامي في مختلف المجالات.

وإذا استثنينا المحاولة الرائدة واليتيمة للإمام الشهيد محمّد باقر الصدر في كتاب اقتصادنا التي حاول من خلالها اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام، فإنّ البحث الفقهي المعاصر لم يردف تلك المحاولة بمحاولات مشابهة تبرز مذهب الإسلام في المجالات الأخرى، من قبيل مذهب الإسلام في الحكم، في السياسة، في القضاء، وغير ذلك من الأبحاث المهمّة.

ولسنا نعني بذلك أنّ الفقه لم يبحث هذه الأبواب من أصل، وإنّما نعني أنّه لم يتناولها ضمن سياق إبراز مذهب الإسلام فيها في ظلّ السباق المعرفي السائد.

ويحلو لنا هنا أن نستحضر إلى بحثنا تجربة الشهيد الصدر في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، لنستفيد من ذلك في ما نحن فيه؛ فقد أخذ الشهيد الصدر على البحث القرآني أنّه لم يعتمد آليّات البحث الموضوعي التي سبق إليها البحث الفقهي، ثمّ اقترح معنى جديداً للموضوعيّة في البحث القرآني يرتكز على أخذ الموضوع ـ أي الواقع الخارجي ـ بعين الاعتبار، ثمّ إلقائه إلى النص القرآني واستنطاقه لاستخلاص الموقف القرآني منه. وقد فسّر هذا المصطلح بمصطلح آخر أطلقه، وهو مصطلح (التفسير التوحيدي)، حيث تتوحّد التجربة البشريّة مع النص.

ونحن نلاحظ أنّ هذا المعنى الجديد للموضوعيّة قد تخطّى المعنى الذي طبّقه الفقهاء أنفسهم في البحث الفقهي، وهو ما يُمكن أن يكون منطلقاً للملاحظة التي أشرنا إليها آنفاً، ولهذا أمكن القول: إنّ تجربة الإمام الخميني والإسلام الحركي ينبغي أن تشكّل منعطفاً جديداً في الفقه يستحضر (المذهب الموضوعي والتوحيدي في الفقه)،

وهو المذهب الفقهي الذي ينطلق من الموضوع ـ أي الواقع الخارجي ـ ويلقيه على النص الفقهي ليستنطقه ويفجّر مكنوناته، ويجعله قادراً على طرح نفسه مرجعاً معرفيّاً ومعالِجاً للواقع الخارجي. أو قل: إنّه المذهب الفقهي الذي يوحّد بين التراث الفقهي وبين التجربة البشريّة بدل أن يغرق نفسه في بحث داخلي منغلق يعزله عن التجربة البشريّة ويحدّ من عطائه.

إذن: لم يُصاحب التعمّق العمودي للفقه بتوسّع أفقي يبرز ثراء الفقه الإسلامي وقدرته على معالجة كافّة جوانب الحياة، وهذه من أمّهات المشكلات التي يواجهها البحث الفقهي المعاصر، ولهذا يقول المفكّر الشهيد محمّد باقر الصدر:

«الفقه هنا كما تعلمون تطوّر من حيث الكيف ولم يتطوّر من حيث الكمّ: تطوّر من حيث الكيف; لأنّ أساليبه في الاستنباط تعمّقت وطرائقه في التفكير دقّت، وأصبح العمق العلمي به أبّهة كبيرة، إلاّ أنّه لم يتطوّر كمّيّاً; لأنّ الفقه لا يزال يبحث ويتناول نفس المنطقة المحدّدة التي تناولها الفقه منذ ألف سنة أو منذ مئات السنين، لا يزال الفقه يعالج تلك الحدود المغلقة لمشاكل الإنسان، لا يزال الفقه ينظر إلى العالم بمرآة ما قبل مئات السنين ثمّ يعالج هذا العالم .

نستطيع أن نقول: إنّ التطوّر في الفقه عموديٌّ وليس أفقيّاً، كيفيٌّ وليس كمّيّاً، أي أنّه تعمّق عموديّاً ولم يتوسّع أفقيّاً. وما لم يتوسّع كمّيّاً ولم ينبثق أفقيّاً لا يستطيع أن يبرز الرسالة الإسلاميّة بكلّ شمولها وخصائصها وغناها وقدرتها وإمكاناتها على حلّ مشاكل اليوم،

لا يستطيع أن يبرز الإسلام في الصورة التي تجلب انتباه الأمّة، هذه الأمّة السكرانة بحضارات الكفّار المستعمرين، هذه الأمّة التي أغريت بالأفكار الجاهليّة التي غزتها من كلّ صوب وحدب. إنّ هذه الأمّة السكرى النشوى بهذه الأفكار الجاهليّة تحتاج إلى قوّة الجذب، وقوّة الجذب تتوقّف على أن نعطي الرسالة في الفقه الإسلامي بصورتها المستوعبة الشاملة القادرة المحيطة.

إذن: فمن ضرورات موقفنا الإسلامي، ومن ضرورات أهدافنا الكبرى تحويل التطوّر الكيفي إلى تطوّر كمّي. ولا أقصد من التحويل أن نستغني عن تلك التطوّرات الكيفيّة، بل أن نأخذ تلك التطوّرات الكيفيّة ونستعين بها في سبيل تحديد كمّي وتوسيع عرضي أفقي، لكي تجيء الصورة في الفقه مطابقة للرسالة.

وهذه العمليّة ليست بالعمليّة الهيّنة. قد يتصوّر بعض الناس أنّ هذه العمليّة لا تحتاج إلاّ إلى شخص يستطيع أن يستوعب ما قاله الفقهاء بكتبهم الصفراء المطبوعة بالطبعة الحجريّة ثمّ ينقل أقوالهم إلى لغة حديثة يطبعها على ورق أبيض في المطابع الحديثة.

إنّ القصّة ليست بهذه البساطة والسذاجة أيّها الإخوان، وإن تصوّرها كذلك كثيرٌ من البسطاء والساذجين. إنّ ما نشعر بالحاجة إليه وبضرورته في الفقه الإسلامي ليس هو فقط أن نغيّر من لغة التعبير، أو أن نغيّر من الورق الذي نطبعه عليه، أو أن نستبدل المطابع الحجريّة بمطابع الحروف، بل لا بدّ من إحداث تطوير في البناء الفقهي نفسه، لا بدّ من اتّخاذ عمليّة تطوير في البناء الفقهي نفسه، لا بدّ من توسيع فقهي في هذا البناء.

هذا الانكماش في الأبعاد الفقهيّة لا بدّ من القضاء عليه، لا بدّ وأن نعطي الإسلام في الفقه صورة، هذه الصورة تكون على مستوى العالم الحديث. ولا أقصد أنّها على مستوى العالم الحديث أي أنّها على مستوى اللغة والتعبير، أو في الطبع على الورق الأبيض أو بمطابع الحروف، بل أقصد بذلك أنّها على مستوى حاجات هذا العالم، على مستوى ما يتطلّبه حلّ مشاكل هذا العالم، على مستوى القضايا الكثيرة المطروحة أمام الإنسانيّة اليوم، والتي عالجتها المذاهب البشريّة الفاسدة بعلاجات مختلفة متناقضة»(5).

وعلى هذا الأساس يُمكن تفسير نصوص السيّد الإمام الخميني التي دعا فيها إلى الحفاظ على نهج (الفقه الجواهري) في الاستنباط (6)؛ فإنّه يعني الحفاظ على العمق، ولكنّه لا يعني على الإطلاق الاقتصار على المباحث الفقهيّة نفسها وتكرارها تكراراً رتيباً؛ لأنّه دعا في نصوص أخرى له إلى بسط هذا الفقه الثري، والاستفادة من المناهج الحديثة والعلوم التي يُمكن أن تحتاج إليها الحوزات العلميّة (7).

3 ـ ومن التحديات التي واجهها الفقه الإسلامي ممّا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنقطة السابقة: افتقاره إلى الدراسات المقارنة مع الفقه الوضعي، والتي من شأنها أن تعزّز من مكانته بوصفه نظاماً شاملاً قادراً على محاكاة الحياة العصريّة، بل قيادتها. وليس صحيحاً أن يساورنا شعور الضعف والارتهان للآخر جرّاء هذه العمليّة؛

فإنّ البحث المقارن لا يعني على الإطلاق استنساخ التجارب الوضعيّة ثمّ أسلمتها؛ لأنّ الاحتفاظ لكلّ فقهٍ بخصوصيّاته وسماته الموائمة لطبيعته ورسالته أمرٌ مفروغٌ عنه، وإنّما يهدف إلى إبراز رأي الفقه الإسلامي في ما هو مطروحٌ من قضايا على بساط المعرفة، وهذا من صميم مهمّات البحث الفقهي وليس من مهمّاته الهامشيّة أو الترفيّة.

هذا إذا تحدّثنا عن الفقه الإسلامي الجامع بين مذاهبه المختلفة، وإلاّ فهناك مجالٌ خاصّ للبحث الفقهي المقارن بين المذاهب الإسلاميّة نفسها.

ومن الأمثلة المتأخّرة لهذا اللون من البحث ما بحثه الإمام الشهيد الصدر في ما يُعرف داخل الأوساط العلميّة بـ(الدرس التعطيلي)، حيث كان يبحث ما لا تسمح الظروف عادةً ببحثه، وهو ما يعكس اهتمامه بهذا الجانب ورغبته في الاتّجاه نحوه؛ فقد سعى في بعض هذه الدروس إلى المقارنة بين الفقه الإمامي والفقه السنّي والفقه الوضعي في دائرة شبكة الملكيّات الماليّة ونظام الحوالة (8)، وذلك ضمن مزاوجة فريدة بين عمق البحث السائد في (الفقه الجواهري) وبين الفهم القويم لمعطيات الفقه الآخر.

ومن المحاولات الرائدة التي سبقت محاولة الشهيد الصدر المحدودة ما قام به المرحوم الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء في كتابه القيّم تحرير المجلّة، الصادر عام 1359هـ، والذي علّق فيه على مجلّة الأحكام العدليّة الصادرة عام 1876م عن الدولة العثمانيّة بوصفها القانون المدني للدولة،

والتي نظمت فيها الأحكام الشرعيّة للمذهب الحنفي نظماً قانونيّاً عصريّاً، وقد خصّ الشيخ كاشف الغطاء الجزء الخامس من موسوعته بأحكام الأحوال الشخصيّة التي قام هو بصياغتها بعد أن خلت منها المجلّة. هذا إلى جانب المحاولة الرائدة لعبد القادر عودة في كتابه التشريع الجنائي الإسلامي، والمحاولة الأوّليّة للمرحوم السيّد إسماعيل الصدر في التعليق عليه على ضوء فقه الإماميّة.

4 ـ ومن هذه التحديات ما يرتبط بمناهج البحث الفقهي، والتي لم تعد تلبّي بشكل كافٍ متطلّبات عمليّة الاستنباط نفسها. وإذا لم يكن للمنهج أهميّة تذكر لدى السلف، فهذا لا يعني ـ بل لا يبرّر ـ الوقوف الصارم عند مناهج القدماء وأساليبهم في الكرّ والفرّ؛ فإنّ المنهج الأنسب للبحث الفقهي الذي يعطيه أبعاده الكاملة يتكشّف مع الأيّام بفعل عمليّة بحث تراكميّة. ولهذا لا ينسى الشهيد الصدر تسجيل هذه الملاحظة في مقدّمة كتابه بحوث في شرح العروة الوثقى حيث يقول:

«وواضحٌ لديَّ ـ وأنا ألاحظ بحوث هذا الكتاب ـ أنّ المنهج بحاجة إلى تطوير أساسي، يعطي للبحث الفقهي أبعاده الكاملة... وهذه النقاط، إن كان لا بدّ من الاعتراف بها، فالمبرّر لها هو أنّ الكتاب يمثّل ـ كما ذكرنا ـ ممارسةً تدريسيّة قد خضعت لنفس الأعراف المتّبعة في مجال التدريس السائد من ناحية المنهج ولغة البحث والتوسّع في الشرح والتوضيح، واتّجهَتْ إلى تعميق المحتوى والمضمون كلّما أتيح لها ذلك، تاركةً تطوير المنهج ولغة البحث إلى حين تتوفّر الظروف الموضوعيّة التي يتطلّبها ذلك» (9).

ثمّ أتى من بعده تلميذه البارز سماحة آية الله السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي ـ مؤلّف الكتاب الذي بين أيدينا ـ ليبسط هذه الملاحظة في مقدّمة كتاب الإجارة، حيث يقول:

«ومن الواضح لديّ وأنا ألاحظ بحوث هذا الكتاب أنّ المنهج المتّبع في حوزاتنا العلميّة في البحوث الفقهيّة بحاجة إلى تطوير أساسي في المنهج والمضمون يعطي للبحث الفقهي الاجتهادي أبعاده الكاملة، ويجعله قادراً على استيعاب مختلف الفروع والتطبيقات المعاصرة والمستجدّة، ويعرض الفقه ضمن القوالب والأطر المواكبة مع ما حصل من التطوّر والسعة في البحوث القانونيّة والفقهيّة الحديثة.

وتتأكّد الحاجة إلى هذا التطوّر والتجديد في أبواب المعاملات والأحكام والسياسات من فقهنا الاستدلالي لحصول المزيد من الحاجة إليها اليوم، وتجدّد قضايا وتفريعات واسعة فيها هي محلّ ابتلاء الفرد والمجتمع والدولة.

هذا مضافاً إلى أنّ فقهاءنا الأعلام قد اهتمّوا بالمحتوى العلمي والتعمّق في البحث الفقهي أكثر من الاهتمام بالشكل والترتيب ومنهج العرض لتلك البحوث المعمّقة، فلم يعتنوا بنظم ما أبدعته أنظارهم العلميّة من التحقيقات والإبداعات الرائعة حسب ترتيبها المنطقي المتناسب بالانتقال من الكليّات إلى الجزئيّات والفروع، ومن المباني والأسس إلى البنى الفوقيّة، وهذه نقطة ضعف هامّة نشاهدها في مناهج بحوثنا وكتبنا الفقهيّة الموسّعة.

فنلاحظ ـ على سبيل المثال ـ أنّ كتاب البيع لشيخ فقهائنا الأنصاري ـ والذي يعتبر نقطة تطوّر وتحوّل كبير في فقهنا الاستدلالي، ويعبّر عن أعمق وأحدث النظريّات والآراء في فقه العقود ـ قد عرض تلك البحوث الجليلة تحت عنوان: كتاب البيع، مع أنّ أكثرها بحوث ومسائل مرتبطة بالعقود أو عقود المعاوضة بشكل عام؛

فالبحث عن شروط العقد وشروط المتعاقدين وشروط العوضين ـ وهي الفصول والأقسام الرئيسيّة لهذا الكتاب ـ لا اختصاص لها بعقد البيع أصلاً، فكان المناسب أن يبحث أوّلاً عن العقد وتعريفه وأركانه وشروط كلّ ركن، ثمّ يبحث عن البيع وتعريفه وشروطه وآثاره الخاصّة.

وكذلك نلاحظ في كتاب الحدود يبحث الفقهاء عن قواعد وأحكام ليست راجعة إلى نوع حدّ خاص، بل هي مربوطة بأصل الجريمة أو العقوبة بشكل عام، ولكنّهم يبحثونها في حدّ الزنا مثلاً، كالبحث عن درأ الحدّ بالشبهة، أو موجبات العفو، أو سقوط العقوبة، ونحو ذلك.

بينما نلاحظ الترتيب المنهجي متّبعاً في المدارس الفقهيّة الحديثة: فنرى مثلاً في بحوث المعاملات يبدأ أوّلاً بتعريف الحق والالتزام، ثمّ يتناول البحث عن مصادره وأسبابه المتنوعة، وأحدها هو العقد، ثمّ يبحث عن تعريفه وأركانه وأقسامه وأحكامه العامّة، ثمّ يبحث في كلّ قسمٍ من أقسام العقود عمّا يخصّه من شروط وأحكام.

ورعاية الترتيب والمنهج العلمي في عرض البحوث الفقهيّة لها أثرها البالغ في مجال التعليم والتثقيف الفقهي، وكذلك في مجال التعميق للفكر الفقهي، كما له أثره في مجال استخلاص النظريّات العامّة والسياسات الكلّيّة، وتدوين النظم والمواد القانونيّة التي نحن اليوم بأمسّ الحاجة اليها في بحوثنا الفقهيّة والقانونيّة.

ولا أقصد بهذا الكلام لزوم التبعيّة للمنهج المتّبع في الفقه الوضعي وتطبيقه بحذافيره في بحوثنا الفقهيّة؛ فإنّ هذا أمر غير ميسور وغير صحيح علميّاً، وإنّما أقصد ضرورة التطوير والتجديد المناسب في مناهج بحوثنا الفقهيّة على ضوء حاجاتنا المستجدّة والقضايا والتطوّرات الحديثة، مع الالتزام بالروح والطابع الأصيل للمنهج الفقهي الإسلامي المتميّز وعدم الخروج عن مبانيه الأصليّة وأدلّته الرصينة التي أشادتها الشريعة نفسها ونقّحها وهذّبها فقهاؤنا الأعلام.

ولا شك أنّ هذا الاتّجاه هو الذي يبعث بالفقه ومؤسّساته إلى التطلّع نحو المجالات والنوافذ التي يمكن أن يطلّ من خلالها على الساحة الإسلاميّة والبشريّة بشكل عام، وهو الذي يمكن أن يجلي دقائق هذا الفقه وأسراره، ويسفر عن مكنون جواهره ولآلئه» (10).

وفي ختام هذه الملاحظات تجدر الإشارة إلى أنّ مواجهة هذه التحدّيات ومجانبة هذه الملاحظات ليست أمراً ميسوراً لكلّ فقيهٍ تمرّس في استنباط الأحكام وفق المنهج الفقهي السائد، ولهذا يضيف سماحته قائلاً:

«وملء هذه الفراغات ـ التي أشرنا إلى جانبٍ منها ـ يتطلّب جهوداً علميّة فائقة وموسّعة من قبل ذوي الكفاءة والإبداع من فقهائنا العظام، وإشرافاً وافياً على قضايا العصر وحاجاته ومدارسه الفقهيّة الحديثة. وإنّها لمسؤوليّة عظمى على عاتق كلّ من يريد الحياة والعزّة للفقه الإسلامي ومعارفه،

ويتحمّل مسؤوليّة صونه وحفظه كما صانه الفقهاء العظام من قبل، وتحمّلوا مسؤوليّاتهم تجاهه، وبلّغوا رسالتهم بأفضل صورة وعلى أتمّ وجه. وهذا ما نأمل تحقّقه وإنجازه في حوزاتنا العلميّة اليوم وما فيها من كفاءات وتخصّصات فقهيّة وعلميّة عالية، وفقهاء ومحقّقين كبار أكفَّاء إن شاء الله تعالى» (11).

وينعكس هذا الأمر في تتمّة النصّ المتقدّم عن الشهيد الصدر حيث يقول:

«أتعلمون كم كان صعباً وكم أحسست بالصعوبة حينما حاولت أن أستخلص النظام الاقتصادي للإسلام من الفقه الإسلامي؟! حينما بدأت هذه المحاولة رأيت أنّ الفقه الإسلامي بحاجة إلى عمليّة توسيع أفقي، وأمّا الفراغات الكثيرة الكثيرة التي تركها الفقهاء بسبب اتّباعهم النهج المحدّد الموروث الذي لا يزيد ولا ينقص، تلك الفراغات التي تركوها بسبب اتّباعهم منهجاً تقليديّاً محدّداً، هذه الفراغات لا بدّ أن تملأ فقهيّاً، وملؤها فقهيّاً عمل صعب عسير جدّاً;

لأنّها مناطق جديدة يجب أن تغذّى بالفكر الفقهي; لأنّها أراض بكر يدخلها الباحث الفقهي ويكتشفها لأوّل مرّة، وهذا يزيد من الصعوبة والخطورة، [ويحتّم لممارسة] هذا العمل وجود ذهنيّة فقهيّة في درجة عالية من الدقّة، وأنّ الشخص أو الأشخاص الذين يستطيعون أن يقوموا بالتوسيع الأفقي للعمل الفقهي هم أولئك الذين بلغوا الذروة في التطوّر الفكري، بلغوا الذروة في الامتداد العمودي. هؤلاء الذين بلغوا الذروة في التطوّر الفكري، في الامتداد العمودي الفكري، هؤلاء هم الذين يمكنهم على مرّ الزمن أن يطوّروا، أن يوسّعوا أفقيّاً، وتكون التوسعة أفقيّاً بنفس الدرجة من العمق والدقّة، تتمتّع بنفس الضمانات التي تمتّع بها الفقه في حدوده التقليديّة» (12).

في رحاب الكاتب

يمثّل الكتاب الحاضر جهداً فقهيّاً في الإطار الذي أسلفنا الحديث عنه سابقاً، وهو يمثّل تجربة تدريسيّة قام بها سماحة آية الله السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي، والذي يقف على رأس الفقهاء الذين يعتقدون بضرورة النهوض بالفقه الإسلامي والرقيّ به ـ مضموناً وموضوعاً ومنهجاً ـ ليكون على مستوى التحدّيات المعاصرة.

وقبل أن نتحدّث باختصار عن طبيعة الكتاب وخصائصه، لا بأس بالتوقّف قليلاً مع مؤلّفه، الذي لن يمنعنا غناه عن التعريف عن الترجمة له باختصار: فوالده هو المرحوم السيّد علي الهاشمي الشاهرودي (1336 ـ 1376هـ)، أحد أقدم وأبرز تلامذة المرحوم آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي، الذي واظب على حضور أبحاثه الفقهيّة والأصوليّة زهاء عشرين عاماً دون أن ينقطع عنها ليومٍ واحد (13)،

وله كتابا: دراسات في علم الأصول ومحاضرات في الفقه الجعفري في تقرير درسه، كلاهما في أربعة أجزاء، وقد رحل وهو في عنفوان عطائه عن أربعين عامّاً، فتربّى نجله سماحة السيّد الشاهرودي منذ نعومة أظفاره في كنف المفكّر الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر، الذي أولاه رعايته الخاصّة، فلمّظه العلم والمعرفة وفق المذاق الذي تفرّد به.

ولم يمرّ وقتٌ طويل حتّى صار فقيهاً شابّاً يُشار إليه بالبنان، فأطلق في السادسة والعشرين من عمره أوّل أعماله العلميّة، وهو عبارة عن تقريرات بحث تعارض الأدلّة الشرعيّة في الأصول لأستاذه الشهيد الصدر، الذي نوّه في مقدّمة الكتاب بألمعيّة تلميذه ونباهته العلميّة (14)، ثمّ تلاه الجزء الثاني بعد سنتين على المنوال نفسه.

وفي هذه الفترة، وخلال تصاعد الأحداث السياسيّة الخانقة في العراق عام 1974م، تمّ اعتقال السيّد الهاشمي الشاهرودي من قبل السلطات البعثيّة، وتعرّض في سجونها للتعذيب الشديد لمدّة أربعين يوماً، حتّى فقد الإحساس في بعض أصابع يده، وكانت فترةً صعبةً على الشهيد الصدر الذي كان شديد الوله على تلميذه وعلى أبناء الحركة الإسلاميّة عموماً.

ورجوعاً إلى الحديث عن السير العلمي لسماحة السيّد الهاشمي الذي كان في هذه الفترة ـ وبحسب تعبيره أستاذه ـ «ينمو نموّاً علميّاً رائعاً نابغاً» (15)، فلم تمض سنواتٌ ثلاث على نشر كتابه الثاني حتّى برهن سماحته مجدّداً على نبوغه وتميّزه، وذلك عندما دعي أستاذه المفكّر الشهيد محمّد باقر الصدر للمشاركة في أعمال الندوة الدوليّة التي عقدها بنك التنمية الإسلامي بجدّة عام 1979م

لعلاج مشكلة فقهيّة واجهها ودعا إلى دراستها لفيفاً من العلماء البارزين، إلاّ أنّ ظروفه في ذلك الوقت لم تسمح له بالحضور شخصيّاً، فأوفد تلميذه السيّد الهاشمي الشاهرودي الذي مثّله حقَّ التمثيل، وألقى كلمةً ناقش فيها الدراسة المقترحة من قبل العلاّمة الشيخ مصطفى الزرقاء، وقد انعكست فرحة الشهيد الصدر بمشاركة تلميذه في هذا المؤتمر في المقطع التالي الوارد في إحدى رسائله الخطيّة، حيث يقول:

«بالنسبة إلى إيفاد السيّد الهاشمي إلى جدّة: كان ناجحاً جدّاً، وقد سيطر على جوّ الفقهاء والمؤتمرين والمجتمعين من مكّة والمدينة والأردن وسورية والجزائر والباكستان ومصر، ووقع الجميع تحت هيمنته العلميّة» (16).

وبعد أن أحكمت الظروف السياسيّة الخناق على الحركة الإسلاميّة في العراق عموماً، وعلى الشهيد الصدر خصوصاً، طلب من تلميذه السيّد الهاشمي الخروج من العراق إلى إيران ليمثّله لدى الإمام الخميني ويتولّى متابعة ما يرتبط بالحركة الإسلاميّة العراقيّة في الخارج، وذلك بعد مرور ما يقرب من شهرٍ ونيّف على انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، ومنحه إجازة الاجتهاد الخطيّة الوحيدة الصادرة عنه، والمحرّرة بتاريخ 27/ربيع الثاني/1399هـ (26/3/1979م)، وممّا جاء فيها:

«وبعد، فإنّ ولدنا المبجّل العلاّمة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد محمود الهاشمي دامت بركاته قد صرف شطراً من عمره في تحصيل الفقه والأصول وعلوم الشريعة، وحباه الله سبحانه وتعالى بالتأييد والتسديد حتّى بلغ مرتبة الاجتهاد والحمد لله ربّ العالمين، فهو اليوم من المجتهدين الذين تناط بهم آمال الإسلام والمسلمين، وقد وكّلته في كلّ ما يعود إليّ من الأمور الحسبيّة، وكلّ ما يصدر منه فهو صادرٌ منّي» (17).

ولم يكن اختيار الشهيد الصدر للسيّد الهاشمي ليمثّله لدى الإمام الخميني وليد الصدفة؛ فقد كان سماحته من السبّاقين في الالتحاق بدرس الإمام عندما شرع بتدريس الحكومة الإسلاميّة في النجف الأشرف عام 1969م، ومنذ ذلك الوقت عرف الإمام روحه الحركيّة ومنزلته العلميّة.

ولم تمضِ أشهرٌ قليلة على استقرار سماحته في مدينة قم المقدّسة حتّى فجع والعالم الإسلامي بجريمة العصر النكراء التي خطفت من ظهرانينا المفكّر الإسلامي الكبير الإمام الشهيد محمّد باقر الصدر، الذي تمّت تصفيته بأبشع صورة على يد حزب البعث في العراق، فاستمرّ سماحته في خدمة الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران التي بذل لها أستاذه الغالي والرخيص، متسلّماً مجموعة من المناصب المهمّة، فكان عضواً في مجلس صيانة الدستور،

وكان ولا يزال عضواً في مجلس الخبراء، ورئيساً للسلطة القضائيّة لولايةٍ ثانية. لكنّ هذه المناصب ـ على أهميّتها وخطورتها ـ لم تكن لتشغله عن البحث والتحقيق العلمي، فلم ينقطع طوال هذه الفترة عن تدريس الفقه وأصوله، وعن كتابة الأبحاث العلميّة المتفرّقة، إلى جانب تكليفه من قبل قائد الثورة الإسلاميّة الإمام الخامنئي بتدوين (دائرة معارف الفقه الإسلاميّة طبقاً لمذهب أهل البيت)، والتي صدر منها إلى يومنا هذا أحد عشر مجلّداً.

في رحاب الكتاب

أمّا الكتاب الحاضر: (بحوث في الفقه الجنائي)، فهو ممارسة تدريسيّة قام بها سماحة السيّد الهاشمي الشاهرودي في أوائل الثمانينات الميلاديّة، أي قبل نحو خمس وعشرين عاماً، تعرّض فيها لفقه الجرائم والجنايات والعقوبات بنحوٍ يحاكي النموذج المنهجي الذي تحدّثنا عنه في بداية المقدّمة، فتجلّت الجدة في منهجته للبحث بنحو مغاير لما هو سائد في الأبحاث الفقهيّة التي دارت رحاها حول هذا الباب، إضافةً إلى استجلائه الفقه المقارن مع الفقه الغربي.

وقد قسّم سماحته البحث إلى قسمين رئيسيّين:

1 ـ كليّات الفقه الجنائي: حيث بحث في القسم الأوّل كليّات هذا الباب الفقهي، والتي لا ترتبط بخصوص جريمةٍ أو عقوبةٍ دون أخرى، بل تعتبر بمثابة العناصر المشتركة التي تنسحب على مختلف أبواب الجريمة والعقوبة، فتناول الجريمة أوّلاً، فعرّفها وذكر تقسيماتها وأركانها الثلاثة: الشرعي والمادي والأدبي. ثمّ تناول بالبحث العقوبة بمختلف مسائلها، فبيّن تعريفها والغرض منها، وتعرّض لأسسها وصفاتها وتقسيماتها واستيفائها ومسقطاتها وموانعها، كلّ ذلك والفقه الوضعي نصب عينيه، يدرس أمّهات مسائله، يصول ناقداً، ويجول مؤسّساً على ضوء الآيات والأخبار، بأسلوبٍ علميٍّ (جواهريٍّ) رصين.

2 ـ مسائل الفقه الجنائي: أمّا القسم الثاني فقد خصّصه لبحث كلّ جريمةٍ وعقوبةٍ على حدة، ممّا يرجع إلى خصوصيّة في المورد لا تنتمي إلى باب الكليّات.

أمّا الباب الأوّل، فكان سماحته قد وفّق إلى تدوينه بقلمه أيّام إلقائه على طلاّبه، وقد قمنا بتبييض المخطوط وتنظيمه وتصحيحه وتقويمه وتوثيقه، ليخرج بالنحو الذي هو عليه الآن، وذلك في نحو ثلاثة مجلّدات تصدر تباعاً، وقد قام سماحة السيّد الشاهرودي بمراجعة هذا القسم وإضافة ما استجدّ له على ضوء تجربته العمليّة خلال السنوات التي أمضاها رئيساً للسلطة القضائيّة في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.

أمّا الباب الثاني، فلا يزال محفوظاً على الأشرطة الصوتيّة في نحو مئتي درس، وسوف نعمل على تقرير هذا القسم وإخراجه بالمنوال نفسه فور فراغنا من القسم الأوّل إن شاء الله تعالى.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

أحمد عبدالله أبو زيد العاملي

قم المقدّسة ـ محرّم الحرام/1430هـ


(1) پاسخهاى استاد به نقدهايى بر كتاب مساله حجاب (فارسي)، الشهيد مرتضى مطهّري: 14.

(2) دروس في علم الأصول، الحلقة الأولى: 53.

(3) صحيفه امام 13: 12.

(4) صحيفه امام 6: 43.

(5) ومضات: 379 ـ 381.

(6) صحيفه 18: 72؛ 21: 289، 380.

(7) صحيفه امام 21: 380.

(8) راجع: محاضرات تأسيسيّة، الفصلين الثاني والثالث.

(9) بحوث في شرح العروة الوثقى 1: 13 ـ 14.

(10) كتاب الإجارة 1: 5 ـ 7.

(11) كتاب الإجارة 1: 7.

(12) ومضات: 379 ـ 381.

(13) دراسات في أصول علم الأصول 1: 4.

(14) بحوث في علم الأصول 7: 5.

(15) محمّد باقر الصدر.. السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق 3: 207.

(16) محمّد باقر الصدر.. السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق 4: 39.

(17) محمّد باقر الصدر.. السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق 4: 55.

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.072 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com