» باحث سعودي: المرأة السعودية لم تلبس عباءة قديمًا.. والمطلق يؤكد: العباءة غير إلزامية   » نفذ أمام الناس.. جلد أزواج بسبب ”العناق العلني“   » كلمة المرجع الخراساني مع بداية الدراسة الحوزية للعام الجديد   » امرأة من بين 16 في أميركا.. اغتصبت في أول تجربة جنسية   » 👌🏼 ما هي نعمة الستر؟؟👌🏼   » صحيفة جهينة :أهالي القطيف يدينون استهداف بقيق .. ويشكرون القيادة على نجاح موسم عاشوراء   » حرمة التدخين..   » 🌸الاجتماع العائلي ؛؛💐   » وزارة العمل.. وفرصة قرار 24 ساعة !   » القطيف تستحوذ على 36 % من نتائج التسريع  

  

المفكرة الاسلامية إيمان شمس الدين - 20/08/2019ظ… - 9:05 ص | مرات القراءة: 86


"حاجة الإنسان إلى الدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس، ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته"
المؤلفة: إيمان شمس الدين.
قراءة وتقويم: ألباب الخليفة.

مقدمة

من المؤلفات الهامّة للغاية الصادرة حديثًا، في مجال التغيير والإصلاح، وقراءة مسارات النهضة في تقاطعاتها بالمعرفة، والمجتمع، وقضايا النكوص ومعارك الوعي في أطوار استكمال مهامه نحو التجديد، كتاب الباحثة إيمان شمس الدين، "التغيير والإصلاح.. مطالعة في التأسيسات والإشكاليات والمعوّقات"..

من اللحظة الراهنة في الواقع العربي والإسلامي، بتداعياتها المشوّشة، في ظلّ الاستبداد الممارس على الشعوب، والصورة المشوّهة في فهم الدين الإسلامي لدى الذاكرة الجمعية المجتمعية، ما أدىّ لظهور دعوات لتحييده، والتنازل عنه، بوصفه مادة وفعل عنفي خطير، واستحضار صراعات العولمة والنظام العالمي الجديد، في ظل الهيمنة، بدت لنا أهمية قراءة المادة المعرفية التي تضّمنها هذا الكتاب، لفهم ما يجري من انتكاسات في ذواتنا التاريخية والحاضرة، بالوقوف على أهم محاوره الفكرية والنقدية، وآليات اشتغاله في دراسة موضوعة الإصلاح، وتشابكاتها مع أنماط السلطات والنخب والجماهير، وبالصورة الحقيقية لخطاب الخالق، ودلالاته. 

 يأتي هذا المؤلَّف من باحثة متخصصة في العلوم الإنسانية، لها أعمال وكتابات كثيرة منشورة، ومشاركات بحثية في مؤتمرات عديدة، فوجدت أهمية في دراسة "طبيعة التغيرات الاجتماعية المتفاعلة مع البعدين الديني والسياسي" وسط "ظروف سياسية ودينية يُحيط بها لغة الحروب العسكرية والباردة، وتسلّط أنظمة مستبدة، وتآمر خارجي، للإفقار والتدمير وتغيير معالم الهويات الإسلامية والحضارية" لتأسيس وصياغة مشروع الإصلاح والحفر في طبقاته وتحديد أسباب اخفاقاته ومآلات نجاحاته، لنقف على أهم المميزّات في الرؤية المطروحة، التي يُراد بها انتشالنا من حالات التشظيّ والانقسامات.

والباحثة "إيمان شمس الدين" مثلما يُلمح في مقدّمتها، تؤمن بوظيفة المثقّف في تجاوز دائرة التخصّص الأكاديمي المحدود، للتفاعل مع سائر قضايا عصره، وإن أفدنا من عتبة عنوان الكتاب "التغيير والإصلاح.. مطالعة في التأسيسات والإشكاليات والمعوّقات" اتساع الموضوعة المقاربة عن تخصصها، لأن الإصلاح لا يمكن أن يقف عند ممارسات معينة وإنما هو مفهوم يتجسّد في مجالات معرفية متنوعة، دينية، فكرية، إنسانية، إعلامية، سياسية، مما يجعلها تنتصر في رهان المعالجة والمواجهة، في تعميق اشتغالها، وصلاته بواقع يرزح بأثقال الألم والوهن، لتحويله لمصدر فيض مُنتج للمعنى الإنساني في مستوى القيم المعرفية والحضارية. 

بنية الكتاب

جاء الكتاب الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط1، 2019م. مشتملاً على 266 صفحة من الحجم الكبير، موّزعًا على ثلاثة فصول متماسكة ومتفرّعة إلى مباحث متعددة، اقتضتها طبيعة التناول وتشابك قضاياه، فخصّصت أولها لبحث "عناصر التغيير الداخلي والخارجي، وأهمّ معوّقات التغيير" و خصّصت الفصل الثاني "للإصلاح ومعوّقات النهوض"، أما الثالث "الإعلام ودوره في التغيير وحركة الإصلاح" فأحاطت الباحثة فيه بالمكوّن الإعلامي والخاصيّة الاتصاليّة على مستوى الأدوار والوظائف المتفاعلة مع الإصلاح. وبمنهجية متكاملة وجامعة، قاربت موضوع البحث، بالتأصيل لعمليّة التغيير، ووضع روابط ارتكازية جامعة للبعدين السماويّ والأرضي، من أجل الكشف عن جوهر الإصلاح المبتغى، المراهن على دور الشعوب وحراكها أولاً، دون إغفال الدور الفكري المتحقق بالنظريات ومعالمها، وجماعة النخب والقادة المؤثرين بصورة خاصة في تغذية أي مشروع حضاري ودفعه.

مع الكتاب

  قسمّت المؤلفة الفصل الأول إلى محورين: في الأول تطرّقت إلى عناصر التغيير الداخلي، والثاني عناصر التغيير الخارجي، كمنطلقات وعوامل مولّدة لشرارة العمليّة التغييرية، وموقدة لجذوتها وحاملة لشعلتها الإصلاحية، وفق خطّة طريق واضحة المعالم يسيرة الأسس، رفيعة الأهداف والغايات..

وإن ثورات ومناهضة الأفراد والجماعات، لأنظمة الحكم، ليست مجرد وسيلة ابتداعية للخروج من حالة هضم حقوقها، بل يتعيّن لإحراز نجاحاتها، اعتبارها، سببًا ووسيلة ومقصدًا، "وهو ما يتطلب من الشعوب الراغبة في التغيير ونخبها أن ترسم استيراتيجية بناء جديدة للدولة تكون التربية والتعليم مرتكزاَ أساسيًّا فيها وهي الثورة الحقيقية التي تنتج واقعًا جديدًا". 

التربية والتعليم وهدف التوحيد

        وتلفتْ "شمس الدين" لموضوعة التوحيد ذي الدينامية المؤثرة، في تأسيس أفراد محكومين في مدى سيرورتهم وتطوّرهم، للخالق، لا للمخلوق، بإبراز وتعميق العقل الواعي بالوجود، الناشد ضمن حريته ووعيه وفطرته المجبولة لله تعالى وكماله، وتقول بأن "الاستبداد يقوم على ركيزتين معاكستين لميزتي النفس الإنسانية الحرية والوعي وهما القمع والجهل" وتضيف "التربية وسيلة لتحقيق الربوبية التامة، من خلال تقليل فرص هيمنة المستكبرين واتخاذهم أرباباً، وتمكين سلطة الله ومحوريته في الحياة" وترى افتقار عقل الفرد للنضج، بحيث لا يوازي حجم صراعاته الداخلية، وشيوع التعبّد السلبي كان متجذّرًا عبر التاريخ، ولايفتأ يغذّي الانحرافات والجرائم بضراوة.

مصادر المعرفة ودورها في تشكيل بنية التفكير

        وفق منطق تحليلي وتصنيفي تعدّد، "مصادر المعرفة في المدرستين الإسلامية والغربية، والأدوات الفاعلة في ترويجها، وهي، العولمة والتكنولوجيا والإعلام والتراث والتاريخ بكل مصادره، تؤطر البناءات الفكرية للأفراد وتنسحب على القطاعات السلوكية والمجتمعية، وخطوات ضبطها وتصويبها وغربلتها تُلزمهم بعمليّة التغيير بمعناها المشترك.

وتعرض الباحثة، "لأنساق الدين، الاعتقادي، والطقوسي، والمجتمعي"، وتقول "إن الشكل والوظيفة الاجتماعية للدين، مرتبطان بفهم شكل المجتمع وتطوره التاريخي، فدراسة الدين من خلال المحتوى التاريخي تساعدنا على رؤية وظائف الدين، إما على أنها عوامل مساعدة لتماسك المجتمع وإما عوامل مثيرة للصراع وذلك تحت تأثير الدين كاتجاه محافظ أو ثوري وهكذا".

من جهة ثانية تبيّن صور التناقض المرئية، في مفهوم الدين وتطبيقاته، العاكسة لقراءة بعض المرجعيّات الفقهية المُراد منها تطويع النصوص، واحتكار الفهم، لتسير باتجاه تأكيد رغبات السلطة، ومصادرة أفهام الأفراد وتساؤلاتهم، حتى ليبدوا غائبين عنها حتى الإمحّاء، فتمثيل الدين كجوهر البناء المجتمعي المطلوب، يقتضي الاعتراف بحق الآخر في طرح الأسئلة والمناقشة والاختلاف، وإن انتمى لخارج المؤسسة الدينية في تخصصه الأكاديمي، وتشجيع مسيرة المتعلمين الجدد، وعدم الوقوف على الماضي كمقدس ومعيق في مجمل الميادين الفقهية. وتقول "الدين كمحتوى إلهي معصوم لا إشكالية حقيقية فيه، لأن أصل وجود الدين وتشريعاته، جاء لخدمة الإنسانية وإرساء العدالة". 

الدين وظمأ الإنسان إلى المعرفة: 

        تطرح "شمس الدين" سؤالاً محوريًا، "ما هي حقيقة المعرفة، أي معرفة تلك التي تنظم حياة الإنسان وترشده للعيش الكريم؟" وتنتقد طرح "العلمانية" لدى بعض المنتمين للأوساط الفكرية النظرية، باعتبارها حلاًّ، لأنهم مدفوعين من تصوّر ضيّق يُخفي الآثار السيئة، إلى تلمسها بحمولاتها الثقافية والرمزية والهوياتية، دون مراعاة الفروق والخصوصيّة المميّزين لشعوبنا، وتعزو السبب "للتداخلات والتعقيدات المتشابكة والمتراكمة للمشكلات التي تداخل فيها السياسي بالمعرفي بالديني ليخنق الإنسان لا ليخدمه" وبالدراسة المتأنية المفصليّة لواقع تلك الميادين المتداخلة، المتكئة على فصلها وتمريرها في مصفاة النظر، لتبيين معايبها، واختراق أقنعتها، واعتبار الحقيقة مرهمًا لمداواة أمراضها لاحقًا، تقول "في ظل الفوضى وادعاء امتلاك الحقيقة لا يمكننا زعم استحالة معرفة الحقيقة والحق، بل علينا امتلاك الجرأة والقدرة على مواجهة التحديات لمعرفة الحقيقة بقدر ما نمتلك من أدوات منهجية، فلن أدعي قدرتنا على امتلاك كل الحقيقة ولكنني أقول يمكننا الحصول على جزء كبير منها إذا قررنا ذلك" أما جماعات النخبة الدينية والفكرية فلاجتذابهم نحو رغباتهم، يمكنهم الحياد بمعارفهم لحساب مصالحهم الخاصة. بحسب رؤية "شمس الدين".

       وتضع الباحثة مواجهة الذات كخطوة أولى للتشخيص وكشف الميولات والمحفزِّات والتأثيرات ومتعلقاتها، لتكييفها بحيث تتوافق مع النموذج الفطري الأخلاقي. وتوسّل أفراد مستقيمين "تتقدم معارفهم ومصلحة الإنسان على مصالحهم" لخوض معترك "المواجهة والإصلاح. وتحملّ جميع التبعات على المستويات كافة." وتُعلّق "شمس الدين" امتلاك تلك القدرة بدرجة واضحة، تعين في الإجابة عن السؤال المحوري المطروح. والحقيقة التي تؤكد عليها باستمرار "حاجة الإنسان إلى الدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس، ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته"

الادراك المعرفي وأدواته:

وتعود إلى الشهيد الصدر من خلال السنن الاجتماعية وضوابطها، وتفصّل في أنواعها وتبيين مدخليتها في عمليات التغيير الاجتماعي، وتقول "تقدم السنن قوانين عامة تحكم مسارات التغيير، لكن حكمها ليس حكمًا جبريًا، بل إرشاديًا وقانونيًا، لكن القانون يعتبر قانونًا تكوينيًا، وليس تشريعيًا". 

       وتتعرض عند الحديث عن التغيير بين الفرد والمجتمع، إلى آراء المفكرين والمدارس العريضة حول أصالة الفرد أو المجتمع، وتنتهي إلى نقد دوركايم ورؤيته المتطرفة تجاه أصالة المجتمع، وتخلص إلى كون "المنطلق من الداخل النفسي الفردي، ومن ثم تتسع دائرة النفس لتبدأ تأثيرها، في الأسرة ومن الأسرة تتسع لتنطلق إلى المجتمع" وتقول "إذا غير في نفسه ولم يستطع التغيير في أسرته، ولا مجتمعه، للتضاد في الأفكار والأهداف والقيم والمنطلقات، فإنه يركز على أسرته، وإن لم ينجح فهو مسؤول هنا عن النأي بنفسه، ويكون عمل ذا بعدين لا يخضع لسنن التاريخ التي تتطلب توافر بعد ثالث وهو الساحة الاجتماعية".

       وتوّجه بشأن معوّقات عملية التغيير الاجتماعي، من "غياب الأسئلة الكبرى المشكلة للتفكير، وحب الذات من زاوية النظر لمعنى الخير والشر للأفراد، وموروثات الآباء والأجداد، والتنميط الاجتماعي للجماعات والأحزاب، وثقافة التقليد، وعدم وعي ضرورة التغيير".

       وتستدعي للإجابة عن سؤال محوري مطروح سلفًا، أي معرفة للاختيار؟. حواضن المعرفة وفوارقها المدرسية المتواجدة، في، المذهب العقلي، التجريبي، الإخباري، الإشراقي، والأصولي، وترصد أدوات المعرفة وسبلها، وحقيقتها، وتحدد معالم المنهج السليم لإرادة المعرفة القائم على أسس: البحث عن المعارف على قاعدة الدليل والبرهان، التسليم بوجود ثوابت حقيقية واقعية وفهمنا لها ليس كاملاً، أو مطابقاً للواقع بل تتغير الأفهام بتطور أدوات المعرفة وتكامل القدرات العقلية البشرية مع التقادم، ضرورة معرفة وظيفة العقل وقدرته والإيمان بالذات وقدراتها، ومعرفتها، والتعامل مع الآخر بغض النظر عن الظروف الخارجية، يتم التعامل معه من موقع الندية المعرفية لا الذوبان المعرفي".

      وتبيّن أن "تحقيق الهدف من وجود الإنسان لا يتم إلا عن معرفة صحيحة، تدفعه لاختيار المنهج الأصلح، هذه المعرفة تطرح له عدة مناهج وطرق وأهداف، بالتالي يشخص هو بعد هذه المعرفة الأصلح من الأفسد ومن ثم تنبعث إرادته لاختيار السلوك المناسب وتطبيقه في الواقع الخارجي، لتحقيق هدفه والوصول إليه"  وتحذّر قائلة "الاتباع والتقليد القائمين على المألوف الاجتماعي أو جبره على الانتماءات العصبوية بكل أشكالها، يحولان الإنسان إلى مقلد فاقد للاختيار، وهو ما يجسد يوم القيامة بقانون البراءة، حيث تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ولا يبقى آصرة حقيقية تربط الإنسان بالآخر إلا آصرة المعرفة المرتبطة بالنوعية والأدوات" 

2

الفصل الثاني: الإصلاح ومعوّقات النهوض.

       تكشف "شمس الدين" عمّا يصاحب الحراك التغييري في تاريخ البشرية الطويل، من "إشكاليات تتمثّل في: غياب النزعة النقدية، والتخلف والاستبداد، والارتهان السياسي واعتبارات القداسة" ومن بداهة حدوث التغيير المعبّر عن إمكانات لامتناهية لمسيرة العقل الإنساني، نضير الحياة المتجددة، وتطوّراتها، توضّح الأبعاد الثلاثة التي تتموضع عليها حركة الإصلاح، "البعد الذهني الذي تتشكل فيه الأفكار المرتبطة بغايات الإنسان، والواقع ومتغيراته وأحداثه، والسلطة (دينية، سياسية، ثقافية، فكرية) ودخالتها في تشكيل الواقع". 

ويكتسب النقد لدى "شمس الدين" دلالات متعددة، منها ما يحمل "دلالة إيجابية، تنزع للوصول إلى الإصلاح في المنظومة الفكرية والمعيارية والقيمية للفرد والمجتمع، والمنهج والأدوات وآليات القيادة، الأفراد والجماعات والمجتمع، والقيادة بكل مصاديقها" كما يدل على "السلب" عندما يُراد به استعمال الوسائل النقدية الممكنة لمجابهة الحركة الإصلاحية، فالاستقلال والتمتع بحرية الفكر والخروج من حالة القصور والعجز عن استعمال الفهم، هو المعنى القوي الذي تلمح إليه كظاهرة في "المجتمعات الإسلامية، وخاصّة العربية والخليجية" 

      وتقرن في حديثها عن "الاحتياجات الفطرية للانتماء للجماعة" في المجتمع العربي والإسلامي، بمسائل "الأحزاب والقبليّات والسلطات" التي تقع في صلب رهانات "العنصريات" باعتبارها مشغلاً مؤججًّا بالصراعات الصعبة، في مدار السياسة والدين والأعراف، لتدّعم وجود الأمة منطلقة من" فكرة التوحيد القرآنية، وتوسعتها، لتعميق مفهوم التعددية المذهبية، تحت شعار ومحور التوحيد "لله تعالى" وبدورها تخرجنا في مجتمع تعددي من المظلة الأيديولوجية المذهبية، إلى المظلة التوحيدية التي تتناسب وعالمية الأمة الإسلامية" وترى ضرورة الطرح التكاملي في توجهات الأحزاب الإسلامية، بحيث تنبني في أدائها ومناشطها، على إلغاء الحدود الموضوعة لاكتساح السياسي للشأن العام، بتفعيل الثقافة والفكر المؤديان للتكوين الشخصي والتشكيل المعرفي للقدرات الشمولية. 

وبعد توصيفها لأشكال الحكومات وما ينبغي مأسستها عليه، تنبّه فيما يخص "الإصلاح بين الأنظمة السلطوية وشبه السلطوية"، على وجود نظام يضمن للسلطة مجالات من الحظر، لايجوِّز مسّ مكانته، وتقول "إن الدول التي أقرت دساتير في منطقتنا هي دول شبه سلطوية، يتطلّب التغيير السياسي فيها للعبور نحو الديمقراطية المحققة للعدالة، والمناسبة لقيمنا وثوابتنا، فحركة الإصلاح مقدمتها الطبيعية، خضوع تلك السلطة للنقد والتقويم، وهو ما لا يتحقق إلا إذا امتلك أفراد المجتمع والشعب وعيًا بمنظومة المعايير والحقوق"

     وتحدد ملامح "المنهج التعطيلي التوقيفي"  في الخصوصيّة المشهدية للمجتمعات العربية والإسلامية، السائد أمام حركات الإصلاح، في "التربية على تقديس الرموز بطريقة غير عقلية، تمنع الفرد المستهدف من توظيف قواه العقلية بطريقة سليمة، ومنع النقد وتعطيله بحجة التكليف والقداسة، التي تمنع كل محاولة تقويم، ولا أنكر وجود التكليف في كثير من المسارات، ولكن أنكر توظيفه بما يشل قدرة الإنسان على التفكير والاستقلال في القرارات المتعلقة بمصيره وعلاقته بالله، ومنع التدوير الوظيفي والموقعي، فتعطّل طاقات الشباب، أو توظف بطرق غير سليمة وتبدأ عملية الانتكاس العكسي، وهنا يأتي دور النخب في قيادة المجتمع نحو حراك وعي" 

      أما "منهج النقد" المعايد للوثوقية المعلّبة، والمناوئ للاستبداد بشتّى صنوفه، اجترحت ممارسته عند البعض مسالك خاطئة، تمثلّها "شمس الدين" بـِ "الصدامية من خلال الألفاظ المستخدمة، والتخوين الممارس بحق الآخر، ونقد من قال وليس ما قاله، وعملية النقد للرأي غالبًا شعبوية، لا تحمل مقومات النقد العملي، وتصدي من ليس أهلاً للنقد، والاسقاط الاجتماعي إما للناقد وإما لصاحب الفكرة"

وتُبيّن مظاهر الاستبداد في سلب الحرية تكون "على مستوى الدولة، وفي الأسرة بفرض رأي الوالدين على الأبناء، وقمع آرائهم، وفي المجتمع، عندما يحاول الفرد ليصبح مستقيمًا فيما توارثه من عادات تخالف الدين والعقل، لينتهي معزولاً بسلطة القوانين الجائرة، وبإشاعة الخوف عبر الاعتقالات التعسفية، وبخروجه عن الثقافة التلقينية، وبتحكم السلطات بجهاز الإعلام لإشاعة وعي زائف يعارض صحوة الأفراد وبإهمال العلوم الإنسانية والفلسفية والمنطقية ذات المنزع العقلي الناهض، وبإدماج مؤسسات المجتمع المدني بما يخدم أجندات السلطة، وبتشويه جماعة المعارضة على مستوى الإعلام والقضاء، وبمشاريع تجارية ذات أهداف موهومة لاستنزاف أموال الأفراد، وبتطويع المناهج التعليمية في جانب العواطف غير المتزنة مع معايير التفكير".

     وتُشير إلى المجتمع المقهور ومواجهة التجديد، هذه الصورة الجامحة "للمجتمع المقهور" لتفادي حالة الإنفصال، التي بررّت الاتصال مع "الواقع الاستبدادي الخارج"، فتتخذ ولافتكاك المسلوب منها، الوجهة التعويضية، بما يهيأ لها الانتماءات الواهمة، من شأنها أن تبرز خاصيّة أساسيّة، في التعاطي السلبي مع المشاريع التجديدية، فإذا كان الانفصال يحقق الدلالة الثورية في مجاوزة الحالة التقليدية نحو نظام تقدمي، فإن تماهي تلك المجتمعات مع الاستبداد، يشكّل شرخًا مباغتًا، وطفرة عليلة في جسد الحراكات،  "من خلال عدة طرق أهمها: إنشاؤها شبكة علاقات مع المتنفذين في السلطة ومع المستبد لضمان تحقيق حاجاتها الخاصة، تدفع بعض أفرادها للانخراط في السلطة، لتحقق بنفوذهم ما تريد، المصاهرة وخلق شبكة أنساب مع المستبد ومحيطه واستغلال ذلك لتحقيق نفوذ أو مطالب معينة. هذه طرق يمكن من خلالها للجماعات المنكفئة على ذاتها تحقيق وجودها بشكل محاصّة قبلية لا تمت إلى الدولة وبنيتها بصلة"

     تطلّ "شمس الدين" في "التقليد ودوره في صناعة التخلف والاستبداد" على القناعات المثبتة والعادات المتوارثة، فمن شأن الاشتغال على التربية المتسلطة كبت الإرادات وحجرها، في القلاع الأبوية المحصنّة، ليصبح الأبناء وعلى قدر اتساع تلك العلاقة، في تقلّص للمساحات الفردية، فخطاب الطاعة العمياء، يسلب الأبناء حقهم في تكوين وعي مفارق لإملاءات جماعة الآباء، فيُغبنون، في النماذج والمفاهيم المؤولة بما يتماشى، والمطابقة مع رمزية الأب، تقول "فيصبح من مقومات العيش الكريم، امتلاك الأموال، مقابل الولاء الكامل للمستبد، وامتلاك الأموال والرفاه المبني على العطاء المشروط، وإحراز منصب متقدم في السلطة، شريطة القبول بها، حتى لو كانت متعسفة، والحصول على مميزات وظيفية مقابل التعامل مع المستبد، وإمرار مشاريع فاسدة له من قبل هذا الشخص، من موقعه الوظيفي لتنفيع أصدقاء له بصفقات غير مشروعة"  

في البدء والمنطلق

    تُجسّد رؤية "شمس الدين" للبداية الإصلاحية، لحظة لقاء بين عالمين، عالم القول، وعالم الفعل، ففكرة المزواجة بينهما تبقى واسطة عقد في اختبار صدقية المصلحين، وجدوى دعواهم، في ردم فجوة التقابلات الحادة بين ما يدعون الغير إليه، وحقيقة امتثالهم له، فنبرة إصلاح الخارج يتعذّر تحصيله دون البدء من الداخل، حاضرة بكثافة في تنظير "شمس الدين" في هذا الكتاب. وتربط بين خطين متوازيين في المنهج النهضوي الإصلاحي، "الأول، البناء الداخلي للإسلام وسبر أغوار الإشكاليات التي أعاقت إبرازه كحضارة ونهضة مستديمة، في سيرورتها التاريخية واكتشاف نقاط الضعف ونقد الذات من موقع المتمكن، والمعتز بهويته الإسلامية، لا من موقع التابع والمنهزم، ومستفيدا من الحضارات الأخرى، وتجاربها في النهضة والإحياء، ويتطلب ذلك تفكيكًا بنيويًّا داخل ديني ابستمولوجيا، نشخص من خلاله أهم مكامن الخلل المعرفية في إبراز معالم النهضة الإسلامية، بالاعتماد على قراءة تجارب مصلحين سابقين، والثاني، البناء الخارجي المتعلق بالحضارة الغربية والعوامل الخارجية، المؤثرة في عملية التغيير والاطلاع على كل إسهاماتها، وثمارها اطلاعًا علميًا لا تابعًا، ناقدًا لا مستسلمًا، مستفيدًا لا مستنكفًا، مدركًا الفروق الجوهرية ومكامن خلل الإسقاطات والمقايسات بينه وبين حضارات أخرى" . 

     وتتعرّض لمفهوم الإصلاح، بمعنى "التنظيم والترتيب، وهو حركة تحدث تغييراً نحو الأكمل، أي حركة ديناميكية مستمرة، والمصلح هو الشخص أو المجموعة التي تقوم بعملية التغيير نحو الأكمل" وبعد معالجة أسباب "عدم التناغم بين عدد الشعارات الإصلاحية المرفوعة ضمن المطالب النهضوية، وبين غاياتها على أرض الواقع"، وعدم وضوح العلاقة التلازمية بينهما، بحيث يؤسس الشعار لمفهوم النمط الإصلاحي المُراد، ويدل تمتع الأفراد بهذا الفهم على نجاح الشعارات المرفوعة، تبيّن اختلاف أهداف حامليها، بين الذاتي، والسياسي، واختلاف مدارسهم المنتمين إليها.

وبعد مناقشة "دور القداسة الشخصية واعتباراتها الدينية والفكرية، في دفع مسيرة الإصلاح أو منعها" تنتهي إلى اعتباريّة تأثيرها، لتضع اتجاهات لمعالجة جذور تلك المشكلة: الأول "تفكيك الخطاب الديني، لإعادة بنائه دون التنازل عن ثوابته، ثم صياغة خطاب ديني تعايشي ليس تساهليًا، يضع الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على حروف مقتضيات الزمان والمكان، وجعل الفتوى، في خدمة البحث الفكري ومواجهة الشبهات القادمة مع العولمة، وإنكار سلطة استخدامها بما يجعلها نوعًا من الإرهاب الفكري المؤسس على تقديس التراث والنص دون إعمال العقل" والثاني "إعادة إنقاذ النزعة الإنسانية للدين"، والثالث "إعادة إنتاج خطاب الإعلام، على ضوء ما سبق ليتخلص من رواسب التعصب باسم الدين"

     ترصد "شمس الدين" حركة الإصلاح في إنتاج المعرفة الدينية، من تجارب المصلحين، وتأثيراتهم في مجال الحياة الواقعية في سياق تصدّيهم للإصلاح وبناء أشكال مختلفة من تجليات الوعي الديني، وتُعّدد أبرزهم "الشيخ النائيني، والسيد محسن الأمين، والشهيد الشيخ مرتضى مطهري، والشهيد السيد محمد باقر الصدر، والإمام الخميني، ومحمد عبده، وحسن البنا، ومحمد إقبال، وجمال الدين الأفغاني، ورشيد رضا، وآخرين." و"دور الوعي بالفارق، حافزا للسؤال عن سر التقدم الغربي كما عند رفاعة الطهطاوي، ودور الهجرات من الشرق إلى الغرب" الذي أوقف بعض الاعلام الوافدة، على إطار التحديث والمعاينة المبهرة المتفّوقة بأشواط عن محيطهم العربي، وكانت بمثابة محّركات للإعجاب وبواعث لمحاكاة الغرب، ولا تحصر قيام حركات التجديد على تخوم تلك الفترات التاريخية، بل ظلّت دائرة ومتعاقبة تحت مسميّات عديدة.

   وتذهب "للمدارس التي برزت في الساحة المعرفية كردود أفعال في التعامل مع الثقافة الغربية: المدرسة السلفية، والحداثية، والتجديدية، والترقيعية، نتيجة للجدلية التي نشأت بين ما هو عليه راهن المسلمين وفهم الدين وبين المطالبين بالتجديد" وفي الحقل الديني، استعان المنادون بالتغيير، لإجلاء الدين من الفضاء التقليدي المتصلّب، وإعادة ترتيبه وعصرنته، بما يستجيب للتحديّات، عبر "مناهج المؤسسات الدينية، وبلورة رؤية إصلاحية، تحاكي الماضي، وتراكم عليه بالجديد والأصيل، وآليات التدريس الديني، وتطوير النظم الدراسية، وإعادة النظر في طرق الاستنباط الفقهي، وتجديد الاجتهاد لكي يغطي أكبر مساحة من الحياة بجميع مصاديقها، والفهم وأثره في بلورة الفكر الديني والنظرية الإسلامية" 

الجبهات التي واجهها الإصلاحيون

    وبقدر ما تشكّل التحولاّت والنقلات المعرفية، لحظات في مؤشر التميّز والانعتاق، وعلامة اعترافية على التقدّم في البصيرة، المغيّرة في مدى النظر ومألوفاته، فإنه يطرح في الوقت نفسه مشكلات ليس أقلّها تحدّي جبهات، تصدّ الوصول باتجاه نجاح المشاريع التجديدية، ولا يغيب عن "شمس الدين" توصيفها، "جبهة داخلية تمثلّت في اختلاف الرؤى المطروحة، للإصلاح، لاختلاف الأهداف والغايات، والآليات، ودخول جدلية الأنا على خط الخلافات. وخارجية تمثلت في جهتين، التقليديون من العلماء والمتدينون الإسلاميون والمثقفون، والأكاديميون، والجماهير والعوام من الناس، وتحول الطرح العلمي إلى احتراب شخصاني، أطاح النظريات والحوارات العلمية من خلال قتل طارحيها اجتماعيًا، وفي داخل المؤسسة الدينية وإقصائه عن دائرة الحضور الاجتماعي والعلمي، مما أثّر على عملية الارتقاء العملي والفكري، ونشر ثقافة الخوف بين صفوف المصلحين وحدا بتخلف الكثيرين عن ثقافة الاختلاف والرأي الآخر، وإحلال بديل له وهو الإرهاب الفكري".

    وتشكّل سمات "المشروع الناشد للتجديد والإصلاح الديني" واحتياجاته بـِ "مشروع توعوي يركز على جانبي الفكر والعاطفة، ويعالج المغالطات بطريقة مرحلية ومنطقية، مع طرح بدائل، والارتقاء التدريجي بوعي الجماهير، وطرح الإصلاحات خصوصًا، فيما يتعلق بالشعائر الدينية، مع تقديم البدائل، وتبسيط اللغة في الخطاب، والابتعاد عن الشخصانية في الطرح العلمي الجاد، وإصلاح الأفكار لا الأشخاص، وفصل السياسي عن السلطة ونخبها وفقهائها، ومشروع إعلامي قادر على محاكاة الجماهير، وفق خطة فكرية مدروسة تستطيع إحداث تغيير مفاهيمي، والتنسيق الفعلي بين المطالبين بالإصلاح في الفكر الديني والاصلاحيين الحقيقيين المنطلقين من فهم واع يحافظ على عنصري الأصالة والخلود"

وتطرح "شمس الدين" سؤالاً "هل الحاجة إلى التجديد في الفكر الديني تعني وجود نقص في الدين؟"  لتجيب، بقصور العقل من ناحية النظر في وصوله إلى جميع الحقائق والمسائل وإدراكها، ودلّلت على صور التباساته، ومحدويته، بالاكتشافات والنظريات العلمية التي يتم التخلي عنها لاحقًا، لتبيان خطأها وعدم جدواها، بعد عمل العقل عليها وإقرارها مسبقًا، وبالتالي هو محتاج إلى خالقه لقدرة أحكامه ووصاياه في تحقيق السلامة النفسية والمعيشية، وضمان سيره بالاتجاه الصحيح، مما يعني أنّ "القصور ليس في الدين كتشريع وكأفكار واقعية." وتؤكد الحاجة لتجديد الفكر الديني، بالوسائل الخادمة لمجرى الزمن، ومقاصدها النهضوية، الصادرة عن إرادة لتحرير العقل من الانصهار التام في الحضارة الغربية، لتكوين الذات المتوازنة المستقلة المقيّمة لما يُطرح من الأفكار الوافدة.  

وفي الفصل الثالث، حول الإعلام ودوره في التغيير وحركة الإصلاح

   تعتقد "شمس الدين" بدور الإعلام الإيجابي في عملية الإصلاح والتغيير، كما عرفته أقطار الربيع العربي من ثورات، ومع ذلك فهو مرتبط بالعناصر القيادية والأبنية والتفاعلات السياسية، والغرب بوصفه مصدر القوة الإعلامية، فقد شكّل عقبة في نجاح الثورات والتخلّص من السلطات المستبدّة لتحقيق الممارسة الحقوقية العادلة على أرض الواقع.

    ومن مداخل نظرية عديدة مُفسِّرة لنشاط التأثير الإعلامي على الأفراد، مثل وسائل الاتصال كامتداد للحواس، بإعتمادها ثلاث مقدمات، الوسيلة هي الرسالة، والحتمية التقنية، وتقسيم وسائل الإعلام إلى باردة وساخنة، الوسيلة هنا هي الأصل، ومن يتحكّم بوسائل العصر، يهيمن على كل ما تحتها، و"نظريات التأثير القوي، واجتياز المجتمع التقليدي، والتقمّص الوجداني" تنفذ "الباحثة" إلى علاقته القوية الإيجابية أو السلبية في عملية التغيير. 

     وتطوّر قطاع الاتصالات والإعلام في النظام العالمي، ذو علاقة وثيقة، مع أهدافه وغاياته، في تعزيز الهيمنة، وتدجين الوعي، تكشف "شمس الدين" عن محددات نفوذها وتغلغلها، على مراحل وهي: مرحلة التمكين، وتقول "عبر بناء جسور الثقة بين السلطة والجمهور بالتركيز على صدقية الحدث، ومن ثم احتكار الحدث والخبر والإعلانات، من خلال المنظومة الرأسمالية" وتسلّط واحتكار فئات محدودة على التكتلات والمؤسسات والرساميل العملاقة، داخل الحوزة الأمريكية، على السوق العالمية، لأهداف تخدم الاستعمار الجديد بناتج الاتصالات الثقافية. 

وتضيف "ورسم شخصية نمطية مدروسة، كمنوذج تُحاك وفقه الشخصية الغربية دون وعيها، بما يتناسب وثقافة الاستهلاك وتشيّء الإنسان؛ ليتناسب مع خطتها التسويقية، فأنتجت له حاجات وهمية وقدمتها كحاجات ضرورية وحولت نمط حياته الخلاق بالفكرة، إلى شخصية ذات بعد واحد لا تفكر، بقدر ما هي تنكفئ على ذاتها، ورسخت في ذهنه ثقافة الغلبة والاستعلاء على الشعوب الأخرى، وحق قيادتها تحت شعارات الديمقراطية والحرية الزائفين"

و"مرحلة الاستيلاء"، وفيها امتدت البنية الاستعمارية بفعل العولمة الإعلامية، إلى المناطق الإسلامية، وخططت لنسخ النموذج الغربي وتطبيقه على الشخصية الإسلامية، بتنميط وسائل الحياة وطرقها، وفق مصادر الاستغلال القائمة، على هدم جميع تركات الشخصية المسلمة، عقيدتها ومقاومتها وحضارتها، وتصف "شمس الدين" واقع أغلب المجتمعات المسلمة بالرثّ، ومعتقداتهم بالهشّة، في ترسيخ مفهوم ثقافة العيب والحرام دون دليل وثقافة الجبر العقدي والمسلمات غير المنطقية، وبدعم من التحالفات المستبدة. 

وعن تأثيراتها التضليلية في المصطلحات، التي واكبت أحداث سبتمبر، والحملة على الإرهاب دون توضيح ماهيته، تجد "شمس الدين" استعداء واضح لثقافة الرفض والممانعة، بخلطها بمفهوم الإرهاب، وتقسيم العالم إلى محورين، محور الاعتدال ومحور الشر وخلطه بدول وحركات المقاومة.

وحول "مرحلة التجهيل بصناعة الوعي"، تقول "شمس الدين" "تحت ضربات العلمنة، تم بناء وعي جديد تحولت معه أغلب المجتمعات العربية إلى ما يشبه المجتمعات الغربية، بعد تكريس ثقافة الانهزام النفسي في وعي العربي، وغلبة الغرب كفهم قهري غير قابل للنقاش، واستيراد مفاهيمهم حول الدين ونظام الحكم لتلبسيها لعالمنا المختلف الهوية، بأنماط متنوعة من وسائل الترفيه التلفزيوني والسينمائي المؤدلجة" وتُرجع سبب ظهور مشكلات معقّدة تكتنف الهوية الإسلامية من غياب ملامحها، وتسطيح أبعادها الثقافية، وانكفاءاتها، وتوجيه بؤرة الاهتمام للصراعات الطائفية، وفتاوى التكفير واللغط الكلامي، لأثر طويل الأمد من التلقين المعرفي المدبّر. 

وتقارب التأثيرات الإعلامية في هذا الفصل من منظورات كثيرة، وتقدّم قراءة في واقع الخطاب، وتضع في النهاية الحلول المرجوّة فيما يتعلق بعلاقة الإصلاح والتجديد بالمتغيّر الإعلامي، بصورة مفصلة نستخلص منها:

"مواجهة الذات ونقدها داخليًا وخارجيًا، بناء منظومة معرفية منتجة، على مستوى الواقع والفعل الاجتماعي وساحات العقل، خطاب استقطابي مؤسس لثقافة المقاومة، مظلة المقاومة الجامعة التي تعمق من حالة الرفض للعبودية والهيمنة وتؤسس لقيمة الحرية كقيمة غائية تحقق قيمتي العدالة والكرامة، اختراق ساحات الغرب إعلاميًا عبر الأدوات والمنهج نفسيهما ولكن وفق مبدأ الصدق ونقل الواقع كما هو وكشف الحقيقة بلغة المجتمع الغرب وأدواته، المهنية العالية في أداء المهمة الإعلامية، تطوير فقه للإعلام والسينما، وجعله أولوية ضمن قائمة الأولويات في التشريع المعاصر". 

نتائج وتقويم:

  - قيمة الكتاب تظلّ في كونه يُعالج منظومة التغيير والإصلاح، في أفقها الواسع من حيث تحليل المشكلات وماهيّتها وتفكيك العوائق ووضع الحلول الجذرية لها، وتتبنى الباحثة من خلاله ضرورة التجديد في المجالات الدينية والسياسية والإعلامية، بما يتوافق مع القيم والثوابت.

- تؤكد الباحثة على كون التغيير والتجديد ينطلق من الذات والإرادة، ويبدأ بالفرد ليكمل مساراته في المجتمع، وارتباطه بجهات مستهدفة سياسية، دينية، فكرية، إعلامية، تحدد الآلية الخاصّة الملائمة لكل جانب. 

-الروح الرساليّة والإرادية لـِ "شمس الدين"، تجعلها تميّز بين التغيير كنهضة حقيقية منبعثة في البنيات الذاتية والخارجية، أو كردود أفعال على الرغم مما ينطوي عليه الأخير بالضرورة، من تجديد وقلب ولعله قلب للأشخاص مثلما أشارت، لا للمنظومة المعيارية القيمية ككل، فحيثما يكون أتباع التغيير الفوضوي والعشوائي مدموغين بالشعور بالظلم والحراك ضدّه، فإن الثورة لديها ليست مسألة شعور بالحاضر المرّ المنفلت في تراجيديته، وإنما مشروع له أصوليته وعوامله ومنطلقاته.

-تبدع الباحثة في الغوص الاستقصائي الدقيق، بمجهود تؤسس فيه لمشروعها النهضوي النابع من رؤية عميقة، وبإعتماد عدد هائل من العناوين العديدة الأصلية والفرعية.

-قدرة الباحثة وفطنتها السيسولوجية، في تحليل الحركات الإصلاحية بتناولها لعيّنات من المصلحين وتفصيل أسباب الإخفاق وسبل النجاح، مما يجعلها ملامسة للوقائع، في مقاربة تنزّلت بها من فضاء المفاهيم الجافّ نحو تلمّس جوهر الظاهرة بواقعية. 

-تشتغل الباحثة، بالحسّ النقدي التحليلي، في مواجهة معوّقات التغيير، وجبهات الصدّ في جذور المسارين الديني والسياسي الاستبدادي.

-تميّز "شمس الدين" بين اتجاهات عديدة للمدارس الفكرية والدينية، وتجعل للمعرفة والمناهج السليمة الدور الأساس في الانتخاب الصحيح بينهم، أي في الاعتماد على الوعي والنقد والتحليل والمقارنة وقراءة الحاضر، الأمر الذي يُحسب لها في جعل الحرية الفكرية للفرد أساسًا في ذلك، ويُبرز في تصورّاتها ذاك القدر الكبير من الحجية البرهانية.   

-تنبّه "شمس الدين" في التعاطي مع الحضارة الغربية، بعدم الغفلة عن الاختلافات المرجعية، وتباين الهويات، وخصوصية الثقافات والمجتمعات، والوقوف إزائها من منطلق القوة، والاستقلال، والإفادة منها ومن التجارب البشرية الكونية، بشرط عدم مخالفتها مع القواعد الكلية للشريعة وكرامة الإنسان.

- وتؤكد "حاجة الإنسان إلى الدين كضرورة لا تنفك عن وجوده، فالإنسان بفطرته ينزع نحو المقدس، ويسكن إليه، المقدس للإنسان هو مصدر طمأنينته وسعادته".



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.187 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com