» باحث سعودي: المرأة السعودية لم تلبس عباءة قديمًا.. والمطلق يؤكد: العباءة غير إلزامية   » نفذ أمام الناس.. جلد أزواج بسبب ”العناق العلني“   » كلمة المرجع الخراساني مع بداية الدراسة الحوزية للعام الجديد   » امرأة من بين 16 في أميركا.. اغتصبت في أول تجربة جنسية   » 👌🏼 ما هي نعمة الستر؟؟👌🏼   » صحيفة جهينة :أهالي القطيف يدينون استهداف بقيق .. ويشكرون القيادة على نجاح موسم عاشوراء   » حرمة التدخين..   » 🌸الاجتماع العائلي ؛؛💐   » وزارة العمل.. وفرصة قرار 24 ساعة !   » القطيف تستحوذ على 36 % من نتائج التسريع  

  

الليلة الرابعة من المحرم١٤٤١ هـ
سماحة الشيخ إسماعيل المشاجرة - 08/09/2019ظ… - 2:30 م | مرات القراءة: 51


{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].

♦ نطرح هذه الليلة المنهج التأملي . الذي قلنا أنه قائم على المقارنة بين الأديان، والخروج بنظريات ومقاربات حول بنية الدين. ومن هنا نطرح عدة مقاربات لجملة من اللاهوتيين وعلماء الأديان ضمن ثلاثة محاور.

🔘 المحور الأول: ونتعرض فيه إلى مقاربتين.

🔳 المقاربة الأولى لعالم وفيلسوف إنجليزي اسمه (ألفريد نورث وايتهيد- ١٩٤٧م)، 

👈وهو عالم رياضيات وعالم منطق، أسس فلسفة تعرف بالفلسفة العضوية أو فلسفة العمل، وصار لمنهجه الفلسفي أتباع ينسبون إليه، يسمون الوايتهيديين. لكنه في آخر حياته اشتغل بالبحوث الأديانية فأصدر كتابا عام ١٩٢٦م 

بعنوان (كيف يتكون الدين). 

👈ترجم هذا الكتاب إلى العربية قبل ثلاث سنوات، بعد مرور تسعين سنة على صدوره، ومن أهم ما جاء في الكتاب نظرية وايتهيد حول تشكل الدين.

 👈 مختصر ما جاء في الكتاب: 

🔻 المقدمة اﻷولى/ 

        (مكوّنات الدين) 

⚫ يتشكل الدين من أربعة أبعاد: 

1/ الشعائر. فكل دين يتضمن طقوسا وشعائر.

2/ الأحاسيس والمشاعر. فالدين يغمر الإنسان بمشاعر داخلية يفتقر إليها غير المتدين.

3/ الإيمان. فالمتدين يعيش حالة من الطمأنينة والرضا.

4/ البعد العقلاني.

🔳 المقدمة الثانية /

 من ممارسة الطقوس والشعائر تتولد حالة من الإيمان والتسليم واﻹذعان. 

ثم يأتي التعقيل والعقلنة. فالدين الذي لا يعقلن الشعائر والطقوس لا يكتب له الاستمرار والبقاء، ورسوخ الأديان وثباتها بمدى عقلانيتها.

🔘 المقدمة الثالثة/ 

إن الدين تجربة ذاتية باطنية،

 فالانفجار اﻷول للدين

يكون في داخل النفس، ثم يظهر أثره الخارجي على الإنسان، وهو ما يسمى بالتجربة الخارجية، حيث ينعكس أثر الدين على سلوكيات الإنسان.

🔘 المقدمة الرابعة/ 

 إن بداية شعلة التدين عند الإنسان تحصل بحال النقاء الداخلي،

 فأهم وظائف الدين تنقية الداخل الإنساني من الكدورات الدنيوية. فيجعلك تتنزه عن الاستغراق في الغرائز الدنيوية.

🔘 المقدمة الخامسة/ 

 الدين يعلم الإنسان  كيفية إدارة مشاعره الداخلية . إن كل العلوم والمعارف اﻹنسانية اليوم تعطيك أطروحات لكيفية إدارة شأنك الاجتماعي والمالي والأسري، لكن لا يوجد علم يعطيك أطروحة لكيفية إدارة شؤون نفسك الداخلية إلا علم الدين. حتى علم النفس، أكثر أطروحاته وصفية، أما علم تطوير الذات، فيستقي أكثر أساليبه من الأديان.

👈إذن فأول من أبدع فن إدارة النفس الإنسانية من الداخل هو الدين. ولو رجعنا إلى تراثنا الإسلامي لرأينا أن المساحة الكبرى من التعاليم الإسلامية تركز على إدارة النفس الإنسانية: كيف تنمي حالة الورع والتقوى، كيف تجاهد نفسك وتتعامل مع الغرائز.

🔘 المقدمة السادسة/ 

 أن الإنسان في عملية تنقية نفسه من الداخل يمر برحلات (أسفار)، وما أشبه هذه العبارة بطرح العرفان الإسلامي. والواقع أن كثيرا من هذه النظريات مستقاة من العرفان، لكن مع شديد الأسف قليل من الأديانيين من يسند نظرياته إلى منبعها، وسنجد أن جملة من تلك النظريات تلتقي مع الطرح العرفاني الإسلامي.

يقول وايتهيد: إن تصفية الداخل الإنساني يمر بأسفار أو رحلات.

♦ السفر الأول: سفر الإنسان من الله إلى الفراغ ثم إلى الله.

فالإنسان المؤمن بالله تعالى ينطلق من إيمانه بالله إلى أعماق نفسه، وهو ما عبر عنه بالفراغ، فالمقصود بالفراغ هو الخلوة والبعد عن الناس، ثم يؤوب إلى الله مرة أخرى.

♦ السفر الثاني: سفر من الله إلى أعداء الله (الغرائز). والإنسان الراسخ في تدينه ينتصر لله جل وعلا، ويجعل من أعدائه أنصارا له، فهي رحلة المواجهة مع الخارج الإنساني التي ينبغي للإنسان أن لا ينهزم فيها.

♦ السفر الثالث: السفر من أعداء الله إلى الله الرحيم، الرفيق، القريب.

وهنا يضفي الإنسان محبة الله على عموم الناس، حتى من كانوا أعداء لله، فيكسبهم الحب والرغبة للانتماء إلى الدين.

♦ مسألة الرحلات داخل النفس الإنسانية التي يؤكد عليها وايتهيد نفسها مطروحة في العرفان الإسلامي، فكتاب الأسفار الأربعة للملا صدر الدين الشيرازي يتحدث عن هذه الأسفار بطريقة عميقة جدا، ويعالجها بشكل مفصل على مدى تسعة مجلدات.

🔳 هذه (النظرية الأولى) مهدت لظهور نظريات أخرى. ففي الشرق الإسلامي برزت مقاربة يطرحها الدكتور الإيراني عبد الكريم سروش، وأطروحته متأثرة بشكل كبير بالأطروحات الغربية العرفانية، لكنه ألبسها لباسا إسلاميا، باستعمال مفردات إسلامية، وجعلها أقرب لثقافتنا.

وهو في نظريته يقسم الدين في بنيته الأساسية إلى: 👈 ذاتيات أصيلة في الدين، وعرضيات لصيقة بالدين. 

🔘 فالذاتيات هي الأمور التي اتفقت عليها جميع الأديان، فجميع الأديان هي من عند الله وهي بالطبع دين واحد {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ..} [آل عمران:19]، هذه الحقيقة الواحدة تمثل ذاتية الدين، بينما الشرائع المختلفة تمثل الجانب العرضي من الدين.

 ويبالغ سروش 🔻

في أطروحته، فيستبعد كثير من القضايا التي هي جزء أصيل من الدين، ويعتبرها عرضيات. فالفقه بكامله يصوره على أنه عرضيات، ويقول: لا يصح أن نتشبث بالأحكام الفقهية، بل لا بد أن نخضع الفقه للقراءات المتعددة، ونجعل الأحكام الفقهية متجددة، لأنها ليست أصيلة ذاتية في الدين، وإنما هي أمور عرضية.

ومن مبالغات (سروش) أنه يرى أن وظيفة الدين الأساسية هي تهيئة الإنسان للآخرة، أما الشؤون الدنيوية فلا دخل للدين بها. وهو بهذا يخالف النظرة التي يتبناها السواد الأعظم من علماء المسلمين، الذين يعتبرون الدين دين معاش، لا دين معاد فقط، وأنه جاء ليشكل نظما حياتية (سياسية، اقتصادية، اجتماعية، تربوية).

 يقول (سروش):🔻

 لتمييز الذاتي من العرضي في الدين نستقرئ النصوص الدينية التي ترتبط بقضايا المعاد والغيب والعالم الآخر، فهي التي تمثل حقيقة الدين وجوهره. أما شؤون المعاش والدنيا فهي عرضية دخيلة ليست من صميم الدين.

 ♦ *فأطروحة سروش* تتلخص في:

 أن 👈وظيفة الدين هي ربط الإنسان بالعوالم الغيبية والملكوتية والأخروية فقط لا غير، وليس للدين أي وظيفة ترتبط بالشأن الاجتماعي.

وهذا يشابه تماما أطروحة وايتهيد السابقة، التي يؤكد فيها على أن وظيفة الدين هي تنقية الدواخل، من أجل أن يرتبط الإنسان بالغيب وينتمي إلى الله تعالى.

◼ المحور الثاني: نتناول فيه أهم الأطروحات وهي أطروحة (المقدس والمدنس). مرت هذه اﻷطروحة بثلاثة أدوار. وتكاملت من خلال ثلاثة من علماء الأديان اللاهوتيين، الألماني (رودلف أوتو)، والروماني (ميرسيا الياد)، والفرنسي (هنري كوربان).

🔳 الدور الأول: مع الفيلسوف (أوغست كونت) مؤسس علم الاجتماع الفرنسي المعروف 1878م، وبمعيته عالم وفيلسوف ألماني اسمه (شليرماخر- 1834م) مؤسس الهرمنيوطيقا الفلسفية. هذان العالمان لهما اهتمامات بعلم الأديان. أوجست كونت طرح مفهوم (القداسة)، وقال: عندما نستقرئ الأديان بدءا بالبسيط البدائي منها إلى المتطور، إلى الأديان المعقدة، التي أوجدت شرائع ودساتير وقوانين؛ نجد أن الرابط الذي يجمعها هو رحلة البحث عن المقدس في الحياة.

👈 أما العالم الألماني (شليرماخر) فطرح مفهوم (الارتباط بالمطلق) -ويقصد بالمطلق الله سبحانه وتعالى- وقال أنه المفهوم المناسب لبنية الدين. هذا العالم كان طرحه وجدانيا، وأتجه بحثه إلى داخل النفس الإنسانية، حيث يقول: إن ما يمارسه المتدينون على مر العصور هو البحث عن الله في داخلهم.

فبينما يرى شليرماخر بأن الإنسان يبحث عن المقدس داخل نفسه؛ يرى أوجست كونت أنه يبحث عن المُقدّس في الطبيعة، ومن خلال الظواهر الطبيعية والخارجية، فألّه الشمس والنجوم والبحر و .. لأنه اعتبرها مقدسة.

⚫ثم جاء بعد هذين العالمين عالم ألماني (فويرباخ) ألف كتابا تحدث فيه عن الأشكال الرئيسة للتدين، يقول فيه أن مسيرة اﻹنسان في بحثه عن المقدس انتهت به إلى استجلاب المقدس من مظاهر الطبيعة وغرسه في موجودات مادّية مثل الأصنام والأوثان، ما يُعبّر عنه بالطوطم.

والطوطمية مصطلح معروف في علم الأديان، ويعبر عن حالة وثنية أو صنمية بدأت في استراليا. فالمجتمعات البدائية كانت تصنع لنفسها رمزاً في صورة الأشجار، أو الحيوانات، وسمته الطوطم، ثم ألّهته، وانتشرت الوثنية في المجتمعات البدائية.

◼وماتزال إلى اليوم جملة من الدراسات الأديانية تُصوّر بأن المآل الذي وصلت إليه الدين في كثير من المجتمعات هو المآل الوثني، وجعل الآلهة عبارة عن أحجار وأصنام وأوثان و.. وهو ما يعبر عنه بـ (غرس الألوهة في التراب).

👈 وجاء دور جديد متمم لهذه النظرية بعالمين آخرين. عالم الاجتماع (دوركايم) وله كتاب بعنوان (الأشكال الأولية للحياة الدينية). عرّف الدين بأنه منظومة متناسقة من المعتقدات التي تقوم على أساس عزل العالم المقدس عن العالم الدنيوي. فمسيرة التدين عند المجتمعات تقوم على العزل بين العالم القدسي والعالم الدنيوي. ويقصد بالعالم القدسي ما يرتبط بالله والغيب والملكوت.. وهو عالم تنتعش فيه الروح. ويقصد بالعالم الدنيوي كل ما هو

ممتع للجسد، من ماديات ورغبات …

 🔻في الخطوة التالية جاءالعالم والفيلسوف الألماني (رودلف أوتو- 1937م). وهو أكثر علماء الأديان تأثيرا في القرن العشرين، وصاحب أكبر أطروحة في تاريخ علم الأديان. ألف كتاباً بعنوان (المقدس) عام 1917م، قدم فيه أطروحة في غاية الأهمية. 

أوتو👈 قال: إن حقيقة الدين وجوهره هو الارتباط بالله سبحانه وتعالى، وشعلة الارتباط بالله تنطلق من داخل اﻹنسان، فإذا أردت أن تتعرف على الله تعرف عليه في نفسك. يقول: إن في داخل النفس منطقة ساخنة مقدسة متى ما عانقها الإنسان عانق المقدس، واتصل بالله سبحانه وتعالى. وهذا عين ما يُطرح في أدبياتنا الإسلامية من أن منبع الإيمان بالله هو الفطرة. وقد ورد عندنا في الأثر (من عرف نفسه فقد عرف ربه).

ولم يكتفِ (أوتو) بهذا الطرح، بل قال بأننا إذا حفرنا في ذواتنا بحثا عن هذا المقدس، ووصلنا إلى تلك المنطقة الساخنة التي تربطنا بالله تعالى؛ سنقف على ثلاثة أبعاد لهذا المقدس.

🔳 البُعد الأول يعبر عنه بـ (البُعد الجليلي)، ويسمي البعد الثاني (البعد الساحر)، والبعد الثالث يسميه (البعد الغيبي). 

أهم هذه الأبعاد هو الغيبي، وهو

البعد المُثقل بالخوف والفزع. فاﻹنسان يعيش حالة القلق تجاه كل شيء في حياته، القلق على لقمة عيشه، وعلى مستويات أخرى.. حالة الخوف والافتقار إلى الله هذه تلجئ اﻹنسان إلى الإله المطلق، ليؤمن خوفه، ويمنحه الاطمئنان والاستقرار.

🔳 البعد الثاني ما يُعبر عنه بـ (البعد الساحر) هذا البعد في النفس الإنسانية مُثقل بالحب والرحمة والشفقة، وهذا هو سر الانجذاب إلى الله تعالى وإلى دينه، لأنه يوجِد لدى الإنسان حالة من الحب والانفتاح على الحياة والإقبال عليها، وتوظيف هذه الحالة في خدمة الدين. وهذا البعد يتناسب مع الأدبيات الإسلامية كذلك.

 ◼ ويسمي البُعد الثالث بـ (البعد الجليل) وهذا البعد يرتبط بحالة التمييز بين الخير والشر، وهو ما نسميه بـ (الضمير). ويقابله في اﻷدبيات اﻹسلامية حالة الرجاء، من خلاله يحقق اﻹنسان الاتساق، ويوازن بين ميوله الدنيوية واﻷخروية.

🔳 هذه الأطروحة التي يطرحها الفيلسوف الألماني تتناغم مع الطرح الإسلامي، حيث يذكر ثلاثة مسالك للوصول إلى الله: (الخوف والرجاء والحب) ونجد روايات تتحدث عن هذه المضمون؛ حيث يقول الإمام الصادق عليه السلام: "الناس عبدوا الله على ثلاثة أنحاء: قوم عبدوه خوفاً من ناره، وتلك عبادة العبيد -وعلى لفظ آخر الموالي-، وقوم عبدوه طمعاً في جنته وتلك عبادة الأُجَرَاء، وقوم عبدوه حبا له، وجدوه أهلا للعبادة فعبدوه وتلك عبادة الأحرار”. و يشير أمير المؤمنين عليه السلام إلى المعنى نفسه فيقول: "إلهي ما عبدتك خوفاً من عقابك، ولا طمعا في ثوابك، ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك" فأمير المؤمنين سلك مسار الحب، وليس مسار الخوف أو الرجاء.

🔳 الدور الثالث وهو أهم الأدوار وآخرها، اضطلع به فيلسوفان، الأول عالم روماني وباحث في الأديان (ميرسيا إلياد- 1986م) وهو أديب وكاتب روائي معاصر. ويتميز إلياد بأطروحات عرفانية كثيرة حتى يخال المرء حين يقرأ كتابه أنه يعيش حالة صوفية، حيث يصور كل شيء غير الارتباط بالله كمدنس، حتى الجسد يعدّه مظهرا من مظاهر الدنس، لأنه يبعدنا عن الارتباط بالله. ألف إلياد كتابه (المقدس والمُدنّس)، وطرح فيه تعميقاُ لنظرية أوتو (الغيبي، والساحر ، والجليل). وناقش فكرة (العَود الأبدي)، هذه الفكرة التي أتى بها الفيلسوف الألماني (نيتشه) في كتابه (هكذا تكلّم زرادشت)، وحيّر بها الأدباء والفلاسفة، فقدم كل منهم تصوره لما تعنيه هذه الفكرة. ميرسيا إلياد تناول فكرة العَود الأبدي ووظفها في بحثه العرفاني الأدياني.

♦المقصود من (العود الأبدي) أن المجتمعات في مسيرة بحثها عن الدين كانت تبحث عن المقدس، وتريد أن تجعل هذا المقدس في حالة عَود أبدي، ولا تفقد

اتصالها به، لأنها ما دامت مرتبطة به فهي مرتبطة بخالقها وإلهها.

🔶يقول إلياد: إن الأصول العقائدية والعبادية والشعائرية التي أسسها القدماء في الأزمنة البدائية كانت أقرب إلى المقدس. وكانت المجتمعات تعيش في بحثها عن الدين حالة صافية نقية، ولكن مع مرور الزمن وتعاقب الحضارات غطت الرواسب الاجتماعية والتاريخية هذه الأصول المقدسة، وملأتها بما يكدر صفوها ويشوشها، فأبعدت الناس عنها. وهذا المعنى نفسه يُطرح في أدبياتنا الدينية؛ فالمجتمعات كلما طال بها الأمد انتشر فيها الفساد، وابتعدت عن أصولها الدينية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إقامة الطقوس والشعائر، لحفظ الارتباط بالأصول المقدسة القديمة.

 الخلاصة من حديث ميرسيا إلياد: إن المقدس الذي تبحث عنه المجتمعات أصابته حالة من الكَدَر مع تقدم التاريخ والحضارت، فابتعدنا عن جذورنا الدينية،

وعن نقاء فطرتنا وصفوها.

🔻ثم جاء فيلسوف فرنسي مسلم هو (هنري كوربان- 1978م)، وكان لديه اهتمام كبير بالعرفان الإسلامي، فدرس تجربة ابن عربي العرفانية، وأساسيات الحكمة المتعالية. وركز دراسته على العرفان الشيعي، فدرس ملا صدرا وكتَب حوله.

ودرس أطروحات كثير من علماء الإمامية، وغير الإمامية كالسهرَوَردِي المحسوب على الإسماعيلية. وكانت له علاقة وثيقة بصاحب الميزان العلاّمة الطباطبائي، وقد ورد في سيرته أنه منذ عام 1950م كان في كل سنة يقيم في الشتاء بباريس، في الخريف بطهران، فيتواصل مع العلامة الطباطبائي، وكانت بينه وبين العلامة مراسلات كثيرة جدا انتهت بإسلامه وتشيّعه، وتشيّعه معروف لا ينكره أحد. وقد عُثِرَ ضمن ممتلكاته الخاصة التي تركها بعد وفاته على وثيقة، فيها صورة تتضمن تمثيل للأئمة الاثني عشر سلام الله عليهم.

ونقل العلامة الطباطبائي أن (كوربان) كان يطرح فكرة الإمامية الاثني عشرية، وفكرة المهدي الموعود، في المحافل التي تقام حول اﻷديان بجامعة السوربون في فرنسا.

◼هنري كوربان تمم أطروحة (المقدس) التي ابتدأها أوتو، وأكملها إلياد، فقال: إن ما طرحه ميرسيا إلياد من أن المقدس في رحلة المجتمعات الإنسانية قد تلوّث بالمدنس؛ أمر يبرهن العقل على فساده. لأننا لو بنينا على صحته لما اهتدى في آخر الزمان أحد إلى الدين.

 ♦ومن هنا قدم أطروحته الرائعة؛ فقال: لا بد من وجود مجلى ومظهر للقداسة الإلهية، يكون موجودا ضمن البشر في كل زمان، ليحافظ على نقاوة المقدس، وحر ارة المصدر الديني، الذي يجب أن يستمر جليا في حياة الناس.

يقول كوربان أنه على مدى خمسين سنة من الدراسة والبحث الاستقرائي الذي غطى مجمل الأديان المعروفة لم يجد أطروحة تنص على القول بضرورة وجود شخص مقدس في كل زمان، يكون مظهرا ومجلى للقداسة الإلهية، يرعى الدين ويحافظ عليه نقياً ساخناً في حياة الناس، هذه اﻷطروحة لم يجدها إلا عند الإمامية الاثني عشرية، الذين يقولون بأن الأرض لا تخلو من حجة، ولا بد من وجود ممثل إلهي في كل زمان. هذا الطرح الفريد هو ما جذبه إلى التشيع.

وينقل عن العلامة الطباطبائي بعض تلاميذه والقريبين منه أن هنري كوربان حينما وافته المنية كان يردد "السلام على صاحب الإشراقة النبوية الحيدرية وصاحب البهاء العلوي" يعني بذلك الإمام المهدي سلام الله عليه. وكان شديد التعلق بالإمام المهدي.

إذاً هذه الأطروحة انتهت بربط المقدس بالأطروحة الإسلامية، التي هي في واقع الأمر أطروحة القرآن الكريم. وهذا يوصلنا إلى المحور الأخير.

 وهو موقف القرآن من بُنية الدين وتحليل حقيقته.

 استعرضنا على مدى ليلتين الأطروحات الغربية التي آلت في نهاية المطاف إلى الأطروحة الإسلامية بحسب طرح هنري كوربان، ونستعرض في هذا المحور بشكل سريع أهم الأسس التي طرحها القرآن حول ماهية الدين وحقيقته وبنيته.

إن أهم آية قرآنية تحدثت عن بُنية الدين هي الآية التي استفتحنا بها {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} هذه الآية طرحت أهم ثلاث خصائص للدين، 

وهي:

🔳 الخصوصية الأولى: الفطرة (فِطْرَتَ اللَّهِ) إذاً فمنبع الدين هو الفطرة الإنسانية. فالانفجار اﻷول للدين يكون في داخل نفس اﻹنسان، فإذا اعتنق الدين أوجد في داخله شُعلة لا تنطفئ، وهذا هو معنى عقد القلب على المعارف والعقائد؛ معناه أن تشق عن فطرتك وتستودع هذه المعتقدات فيها، ويصبح اﻹيمان بوحدانية الله وبالنبوة والإمامة والمعاد قناعات راسخة مغروسة في وجدانك، ومستقرة في المكان الساخن بقلبك.

ورد عن النبي صلى الله عليه وآله "أن الدين شجرة أصلها اليقين" وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين سلام الله عليه: "الإيمان شجرة أصلها التسليم”. 

إذاً فمعنى التدين أن تلقى داخل الانسان بذرة الدين، ثم تتفرع وتنمو بنحو لا نهاية له، وهو اﻷمر الذي أكدنا عليه في الليلة الماضية (الدين له مبدأ ولكن ليس له نهاية).

🔳 الخصوصية الثانية: مفهوم الحنفية (لِلدِّينِ حَنِيفًا). وحنيف في اللغة تعني مستقيما، فخطوة حنف خطوة تعني خطوات متتابعة تبدأ ولا تنتهي. وهو ما أشرنا إليه من أن حقيقة الدين حالة لا حدود لها، تنفتح على اﻷبعاد النفسية والاجتماعية والسلوكية خطوة إثر خطوة بلا نهاية.

🔳 الخصوصية الثالث (والأهم): أن الدين بحسب الطرح القرآني حقيقة وجودية، بخلاف ما يفهم من الأطروحات التي تلوناها على مدى ليلتين والتي صورت الدين كحقيقة معرفية. فالدين ليس مجرد معارف تلقن وتحفظ. بل هو بُنية وجودية متى ما التحم بها الانسان أصبح مظهرا من مظاهر الله عز وجل في وجوده.

🔘رحلة البحث عن المقدس هي بحث في الضفة الأخرى، البعيدة عن ضفتنا الإسلامية. لكنها رحلةٌ جميلة، يُمارسها هؤلاء العلماء الأديانيين ببحوثهم وتجاربهم الذاتية، ولو انفتح هؤلاء الفلاسفة والأديانيين أكثر على التراث القرآني لوفروا جهوداً بالغة، ولأبدعوا أكثر في علم الأديان، لأن الاتصال بنمير القرآن وأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم هو الموصل إلى الدين. ولذلك أكثر ما نُؤاخذ عليه أصحاب هذه المناهج أنهم لم يُوفوا الطرح القرآني حقه من البحث.

▪▫▪▫▪▫

🔷 لمشاهدة المحاضرة كاملة


🖋 إعداد فريق صدى المنبر

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.076 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com