الاستاذ كاظم الشبيب - 04/10/2019ظ… - 5:00 م | مرات القراءة: 127


بعض الناس لا يعرفون قراءة أنفسهم، وأحياناً لا يريدون قراءة أنفسهم وأفكارهم، لأنهم لا يعرفون قيمة ذلك.

وربما لا يريدون تعلم ذلك لجهلهم بأهميته، أو لأن نظرتهم لقراءة النفس قائمة على الشك والريبة حيث طبيعتهم سلبية. هؤلاء حتى لو قمت بتعليمهم لن يشكروك، أو كما يقول المثل الإنجليزي: لن يشكرك الاعمى على مِـرآة تعطيها له،  الإنسان الطبيعي لديه الشجاعة المطلوبة لقراءة النفس، بينما الإنسان السلبي حتى لو قرأ نفسه فسوف ينظر لها عبر البحث عن نواقصها وعيوبها. أو بعضهم ينظر لها بإحتقار واستصغار، لأن نظارة القناعات التي يطلون منها على أنفسهم والحياة والآخرين هي نظارة سوداوية. 

  للسوداوية درجات كثيرة، لها خطوط طول وخطوط عرض، ولكل خط نسبته من التأثير في تشكيل قراءة المرء لذاته وللغير. لا تبدأ درجات السوداويين والسلبيين من اللا مبالين والمنقادين للغير دون هدى فحسب، بل تبدأ من حيث كل كلمة سلبية تنطلق من الفم فتجرح مشاعر السامعين، أو حركة تصدر من اليد يُراد منها التهديد، أو حركة تظهرمن العين تبتغي زجر المنظور إليه، أو حركة تأتي من الوجه تسخر من الآخرين، أو سؤال استنكاري ينطلق ليستفز الطرف المقصود. ولا تنتهي السوداوية عند حد معين من التشاؤم ونقد كل شيء في الحياة والريبة من كل شخص وفعل، بل ربما تأتي في صور كثيرة كالقتل والجنون. السوداويون والسلبيون حالهم تجاه الحياة كحال من ينظر إلى المرايا في الظلام. وهؤلاء ينطبق عليهم قول "تشانيكا" وهو رئيس وزراء لأول أباطرة موريا في الهند عندما يقول: "الكتب قد تكون مفيدة لرجل غبي كما تكون المرآة مفيدة لرجل أعمى". 

   من أسوء أنواع القرائات السلبية للذات تلك التي تجلد الذات بشكل مستمر فتجعل المرء يعيش في دوامة التعاسة دون سبيل للخروج منها. تلك القراءة التي تعودت معاقبة نفسها، بسبب أو بدون سبب تحت عنوان "تأنيب الضمير". هذه القراءة تعتمد تحقير الذات المذنبة، واتهامها المستمر بالخطيئة والتقصير وعدم استحقاقها للحياة. فيعيش بعض الناس صراع نفسي داخلي في وجدانهم، فالواحد منهم: لا يزال يؤمن في أعماق نفسه بالتقاليد التي فرضتها عليه بيئته في عهد الطفولة، تلك التقاليد التي حَدّت من حريته في كل شيء، وحرمت عليه أنواعاً من اللذة والسرور، يحبها ويميل إلى مزاولتها. وهو مع ذلك قد يزاول هذه الأنواع وفي نفسه شيء كثير من الألم، يختلط بالاحساس بالضعة.

   محاسبة النفس، ومراجعة ما قامت به، ثم تأنيب الضمير المتعقل أمر دعت له كل الثقافات والديانات، وتبناها دعاة وفلاسفة الحياة والأخلاق. هو أمر متفق على ضرورته، ولكن إذا ما تجاوز حده الطبيعي فإنه ينقلب إلى اداة مدمرة للإنسان. لذا فإن قراءة المذنبين، أو المخطئين لأنفسهم ينبغي أن تكون حذرة بحيث تصحح الذنب أو الخطأ دون أن تفتك بالمرء ذاته. المشكلة تكمن عند السلبيين والسوداويين أن تأنيب الضمير عندهم يمتد إلى ما هو أسوء فتصيبهم أمراض وحالات نفسية كثيرة. إن تأنيب الضمير، الشعور بالذنب، الإحساس بالخطيئة، وتوبيخ النفس، هي عبارات ذات مدلول مشترك وهو قيام الفرد بتأنيب نفسه ولومها، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة معاقبة النفس. ويختلف الناس في مستوى تأنيبهم لأنفسهم، كما يختلفون أيضاً في مستوى معاقبتها. كلما زاد وتعمق الشعور بالذنب أرتفع مستوى التأثر النفسي، وبالتالي يرتفع منسوب معاقبة الذات. فكم هو خطير أن يصل المرء إلى مرحلة "احتقار الذات"، ويحدث ذلك "لأن الشعور بالخطيئة ينطوي على احتقار الذات"،  "فيتصور المرء نفسه منبوذاً ليس له حق في العطف الإلهي".  وللموضوع تتمة في الجمعة القادمة إن شاء الله تعالى

في المقطعين المرفقين ما يساهم في إيضاح جوانب من الفكرة 

Watch "علاج كثرة اللوم وتأنيب الضمير دكتور احمد عمارة" on YouTube

Watch "توقف عن جلد الذات" on YouTube



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.114 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com