زينب علي البحراني - 16/11/2019ظ… - 9:25 م | مرات القراءة: 77


لن أقول عن نفسي "مُثقفة"، لا سيما وأن مفهوم الثقافة وتعريفها "غير مُتفق عليه" فعليًا في عالمنا العربي حتى في تلك الأوساط التي

تعيش داخل سياج "الثقافة البرجوازية" المحاطة بقضبان وأسلاك شائكة لا يجتازها إلا الأكاديميين من حملة شهادات الدكتوراة في النقد والأدب، وورثة عروش النقابات الأدبية "كابرًا عن كابر". هناك من يضعون شروطًا عويصة مُعقدة لا يُمكن اعتبار أي شخصٍ غيرهم مثقفًا ما لم يكن من أصحابهم والمقربين منهم، وهناك من يعتبرون كُل قارئ نهِمٍ مُثقفا،

وهناك من يعتبرون كُل من ألف كتابًا مثقفا، ومن يرون في كل مشهورٍ – مهما كان مجاله- مثقفًا، وأخيرًا ليس آخرًا من يظنون أن كُل خرّيج جامعة مُثقف.. من زاوية رؤيتي الخاصة أرى أن لا شيء من كُل هذا – بمقاييس عصرنا الحاضر- يهُم. نحن في عصرٍ تحكمه "الكثرة" وليس "الجودة"، والكثرة تؤدي إلى الانتشار، والانتشار يعني اتساع رقعة التأثير في "الرأي العام" للمُتلقين، وهذا هو المُهم حقًا في زمن تحوُّل الكرة الأرضية إلى بيتٍ صغير يسمع الجالس في غرفة منه كلام الجالسين في الغرف الأخرى دون مجهود.
أيهما يؤثر في الناس أكثر ويُحدث تغييرًا واضحًا في الرأي العام: دراسة نقدية مُعقدة تتكون من مائة ألف صفحة لكائنات انقرضت قبل بدء التاريخ البشري، أم مقالة واضحة المضمون مفهومة الكلمات عن مُعاناة المواطن اليومية في كسب لقمة العيش؟ قد تُجيبني شفتين حازمتين تحت نظارة سميكة: "ما هذه الترهات التي تهرفين؟ هذه مسألة بعيييييدة وتلك مسألة مُختلفة، هذا شيء وذاك شيء آخر"، ثم ندخل في سراديب مُحاضرة يعلو كلماتها الغبار عن الفرق بين هذه وتلك، لكن الواقع الحقيقي الذي يتعامل معه الناس لا يعترف بهذا الإصرار على محاولة تعقيد البساطة التي يحتاجونها، فمعظم الناس وعامة الناس يُريدون خُلاصة القول الذي يُهمهم، وينفعهم، ويمس حياتهم اليومية كي ينتبهوا له ويتفاعلوا معه.

يُفترض أن تكون تلك الشريحة ممن يُمكننا اعتبارهم من المثقفين بصرف النظر عن التعريف الذي أدخلهم تلك الدائرة؛ هم الأكثر تسامحًا مع غيرهم وقبولاً للرأي الآخر وإن كان مُختلفًا معهم مادام لا يمس سُمعتهم أو مكانتهم أو مصلحة من مصالحهم الشخصية من قريب أو بعيد، لكن الحقيقة أن هؤلاء هم الأقل تسامحًا مع الرأي الذي لا يتفقون معه مقارنة بالناس الأقل ثقافة، وأبرز مقياس لهذه الحقيقة هو مواقع التواصل الاجتماعي، فأكثر الأشخاص الذين يُسارعون بحظر من لا يتفقون معه في رأي نشره على صفحته دون أن يُسيء لهم أو يذكرهم من تلك الفئة! في بدايات شبابي كُنت أنا أيضًا من هذا النوع، لكن خبرة الزمن تجعلك أكثر وعيًا وتسامحًا وصدقًا مع الذات، لذا من المُدهش اكتشاف من لا يزيد الزمن أرواحهم إلا تأخُرًا.

أعتقد أن الثقافة الحقيقية هي "محاولة اكتشاف دائمة" لشيء جديد، شيء يدعونا لمعرفته، شيء يُريد منا أن نعرفه، شيء سُنلقي عليه التحية في كل الأحوال، وبعد التحاور معه قد نختار مُصادقته، أو نفضل عدم دخول دائرة تلك الصداقة، لكننا أكبر وأكثر نضجًا من أن نختار إعدامه كي يبقى رأينا وحده على قيد الحياة، ومثلما لا نقبل الديكتاتورية في مجالات أخرى؛ يُفترض بنا عدم قبول هذا الشكل من أشكال الديكتاتورية الثقافية أيضًا.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.072 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com