زينب علي البحراني - 11/02/2020ظ… - 6:00 م | مرات القراءة: 368


أعوام ومثقفون صادقون في عشقهم للكلمة المكتوبة يُحذرون من مخاطر انقراض الكتاب الورقي في العالم العربي، ورغم

كل إشارات التحذير تلك استمرت دكاكين النشر العربية ماضية في دورها المُدمر، بدءًا من الاستهتار بالتعامل مع المواهب الواعِدة، وصولاً إلى – وهو الأهم في عصرنا الراهن- جدية الاهتمام بالتسويق طوال العام للكتب التي تطبعها عبر وسائل التواصل الاجتماعي على الأقل، وليس الاكتفاء بمواسم المعارض للتخلص من بعض النسخ المطبوعة بصورة عشوائية لا تضع المؤلف في المكانة التي تليق به خلال موسم كهذا،

الآن بدأت الأوضاع تنحدر إلى درجة اضطرار كثير من المؤلفين العرب نشر كتبهم بنسخة إلكترونية وتوزيعها مجانًا عبر الإنترنت بعد أن أنهكهم دفع المال دون وصول إلى واحدة من نتيجتين مرغوبتين: عائد مادي يمثل جزءًا مما دفعه لطبع الكتاب، قلت جُزًءا وليس الثمن كاملاً!، جزءًا وليس أرباح فوق رأس المال الذي دفعه، شيئًا يؤكد أمانة واهتمام صاحب أو مدير دار النشر بأهم عامل من عوامل حركة النشر وهو "المؤلف"، أو قدرًا وافيًا من التسويق والاحتفاء باسم هذا المؤلف إلى درجة توفر له الإشباع المعنوي الكافي الذي يجعله يتسامح مع خسارته المادية،

لكن هذا الطموح الصغير أيضًا لا يتحقق رغم أنه لا يُكلف الجهة القائمة على النشر أي مبالغ مالية! تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، المدونات الإلكترونية، التجمعات الثقافية عبر واتس آب وتيليجرام، مئات المواقع الإلكترونية الثقافية المجانية، وعشرات الأماكن التي تُقام فيها الأمسيات الثقافية مجانًا بكل محبة وامتنان،

لكن أنانية وكسل معظم دور ومؤسسات النشر تجعلهم يتوقعون من المؤلف أن يسعى هو للتسويق لهم من خلال تسويقه لكتابه الذي لم يفعلوا أكثر من طباعته، بالنظر إلى حقيقة أن المؤلف في أيامنا هذه هو الذي يسعى للبحث عن صورة ملائمة لغلاف كتابه، وهو الذي يُصمم الغلاف سواءًا بطلب هذا المعروف من صديق أو بدفع مبلغ يتراوح بين خمسين ومائة دولار إلى مُصمم مُحترِف، وهو الذي يهتم بالتدقيق اللغوي للنص بطريقتين مشابهتين، وأحيانًا هو الذي يهتم بالإخراج الداخلي للكتاب، وفوق هذا تتم مطالبته بمهمة "التسويق" التي يُفترض بها أن تكون مهمة تجارية احترافية تقوم بها المؤسسة التي تبنت العمل هذا المشروع.

الطريف في الأمر أن بعض القائمين على دور النشر يكونون من شريحة المثقفين أو المؤلفين، لكنهم يؤمنون بنظرية أن "الكتاب الجيد هو الذي يسوق لنفسه"، وهي نظرية قد تكون مقبولة قبل الألفية الثالثة بكل ما فيها من فيضان سمعي بصري، عندما كان المؤلفون أقل كمًا، والصحافة الورقية والتلفاز هما المتحكمان الحقيقيان بما يصل إلى المُتلقي من معلومات وأخبار، لكنها لم تعُد نظرية مقبولة في زمن "العرض أكثر من الطلب" إلى درجة يذوب معها اسم الكتاب الجيد ويتبخر لأن مؤلفه خجول متواضع النفس أمام كتابٍ آخر يشق عنوانه عنان سماء الشهرة أعوامًا رغم أن مضمونه أقل مستوى من الآخر.

هناك أشخاص غير مُحترفين يزحفون في هذا المجال معتمدين على شبكة علاقاتهم ببعض المثقفين "الواصلين" لحماية مشروعهم من السقوط الكامل، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا سيحدُث بعد وفاة أولئك "الواصلين"؟ الموت حقٌ لا شك فيه على الكبير والصغير، واعتماد "بيت عنكبوت" على هؤلاء لا يمكن استمراره إلى الأبد مع تلك الحقيقة الأزلية، بموت فلان وفلان من الظالمين المُنافقين ينتهي كل شيء، ويغدو بيت العنكبوت هذا أعزلاً وحيدًا في مهب الريح إلى أن يتبدد.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.061 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com