» ((ولكن ماذا بعد من ذاكرةً الفيروس!!))   » لحظات من العمر السعيد   » هل وباء كورونا كشف عجز الدين عن حل مشاكل الناس ؟   » بيان صادر من مكتب سماحته (دام ظله) حول الحادث المفجع في مرفأ بيروت بلبنان   » مستقبل الأبناء اولى بالقلم   » إن إقامة الشعائر الحسينية مرهونة بعدم المخاطرة بحياة المشاركين   » ليس بوتين.. أنا من يؤثر على ترامب   » «الخضيري» يحذّر من شرب زيت الزيتون على الريق لعلاج الكوليسترول   » الشيخ العبيدان يدعو لمآتم 30 دقيقة   » صناعة التاريخ وصدى الصوت.  

  

المفكرة الاسلامية إيمان شمس الدين - 06/07/2020ظ… - 11:00 ص | مرات القراءة: 186


يقف بعضنا في محطات تأملية، تدفعه للصمت في محيط يضج بفوضى الكلام، يضج باللامنطق، محيط تحكمه فوضى المعرفة، بل فوضى الجهل بغطاء المعرفة،

الكل يتكلم بكل شيء، الكل يدعي معرفته بكل شيء، الكل يريد أن يتصدر كل شيء، والنتيجة غالبا لا شيء يصب في تطوير المعارف وإنتاجها. غاب مفهوم التخصص بمعناه الإيجابي، وغاب مفهوم الرجوع للمتخصص، وبات المحيط محكوم بمبدأ الجهل المركب. جاهل يجهل بجهله، بل يدعي علمه وهو غارق بالجهل. والمشكلة في أن الناس غالبا باتت لا تميز بين الجاهل والعالم، والضحية العلم والمعرفة، بل الحقيقة والحق، وانتشاء للباطل والجهل. فالتصدي والكلام دون معرفة هو تمكين للباطل، و حجب للحق والحقيقة وإضعاف لهما وتشويه للواقع وتفعيل للوهم.

كثير من النظريات العلمية بدأت بالتأمل والتساؤل  والملاحظة ومن ثم البحث الجاد، لم تصل هذه النظريات لنتائج سريعة وأحكام قطعية إلا بعد أن قطعت شوطا كبيرا وجادا في البحث، وبُذِل لذلك جهد عقلي وجسدي ودفعت أموال، حتى في مجال البحث الديني، لم يقتصر على مجرد الاتكاء على النص الديني والذهاب مباشرة لإصدار الأحكام و تبني حقائق، بل الباحثون في المجال الديني في الأغلب الأعم كالباحثون في مجال الطبيعيات بل قد يكون في بعض الأبحاث أدق، تأملوا النص، وبحثوا في مصادره ومتونه وتفسيرات الماضين له، وتساءلوا وتعمقوا وتأملوا وتسلحوا بالأدوات المعرفية اللازمة بعد أن قطعوا شوطا طويلا جدا في التعلم والتعليم والبحث والحوار والنقاش، ومع ذلك لم يطرحوا نتائجهم كحتميات مغلقة غير قابلة للنقد والتقويم، لكن كحال العلوم الطبيعية، من ينقد ويقيم هو متخصص في هذه المجالات، ويمتلك أدوات منهجية أهلته لذلك.

الباحث الحقيقي كلما تعمق كلما اكتشف حجم جهله وتواضع، هذا فضلا عن أن التزامه بالسعي خلف الحقيقة يفرض عليه عقليا وعلميا عدم إقصاء الآخر العلمي من الباحثين بحجة عدم اعتقاده بمصادرهم المعرفية، فالعلموي الذي يعتبر علوم الطبيعة هي مصادر معرفته القائمة على الحس والتجربة فقط، فيستبعد أي مصدر معرفي خارج هذه الدائرة، هو في واقع الأمر بعيد عن منهج البحث عن الحقيقة والانصاف العلمي، لأن هدف الباحث أن يرى الواقع ويكشف ملابساته ويقدم حلولا لتسهيل الحياة الإنسانية وعمارة الأرض ونهضتها، وكذلك من يعتبر أن الدين مصدرا وحيدا للمعرفة ويستبعد كل المصادر الأخرى، لا يختلف عن العلموي في المنهج وإن اختلفت المصادر.

نعم الأساس في المعرفة هو وجود الدليل والبرهان الذي يعطي قيمة للمعرفة المطروحة، لأن الدليل والبرهان يميز بين الكلام المرسل و العام والإنشائي، وبين القضايا المعرفية التي تخبر عن شيء وتكشف عن واقع، أو تفصح عن علم ومعرفة، فليس كل كلام يفصح عن معارف وإلا بات حتى كلام الجاهل معرفة، المعارف الكاشفة عن حق أو حقيقة أو علم أو واقع، قيمتها تكمن في منهجها وأدواتها التي تسلحت بها للوصول إلى الحق والحقيقة وكشف الواقع، وحجم الأدلة و تنوعها التي راكمتها لتدعم هذه الكاشفية.

هدا فضلا أن لكل مجال دليله الخاص به ومنهجه وأدواته، وليس منطقيا ولا علميا تعميم منهج ونظام دليلي على كل العلوم وكل مصادر المعرفة، ولكل مجال معرفي وعلمي لا بد أن يكون فيه ما يخدم وجودنا في الدنيا، فالدين مصدر معرفي يقدم الكثير مما يدعم انتظام حياة الناس الفردية والاجتماعية، والعلوم الطبيعية تقدم الكثير الذي يكشف لنا المحيط الذي نعيش فيه ونتفاعل معه، ويؤثر في حياتنا وأجسادنا.

فنحن نعيش في أرض بها قوانين طبيعية، وقوانين بشرية، الأولى تحكم الطبيعة وانتظامها، والثانية تحكم سلوك الفرد وانتظامه، ولابد أن تحقق له العدالة.

قوانين الطبيعة يمكن اكتشافها بالعلوم الطبيعية، والثانية لها كثير من المصادر أحدها وأهمها الدين. وقبول كل المصادر للكشف عن هذه القوانين والأخذ بها ورفض الدين كمصدر، هو ازدواجية وخضوع لمزاجية خارجة عن المنطق ومنهج الباحث عن الحقيقة والحق والكشف عن الواقع. بل هو راديكالية وتطرف مرفوض. ولكن المطلوب هو الفصل والتمييز بين حقيقة التشريعات الإلهية، وبين فهم كثيرين لها فهما لا يستند إلى أدلة وقرائن تفيد العلم والكاشفية للواقع، أو أقرب صورة للواقع.

وليس من المنطق ولا من المنهج العلمي، أن نعمم القواعد والقوانين في العلوم الطبيعية، على البشر وكأنهم أشياء صامته، أو حيوانات متجردة من العقل، فقوانين الطبيعة تختلف في موضوعها عن قوانين البشر ، واختلاف الموضوع يؤدي لاختلاف الحكم والمنهج والأدوات، نعم قد يكون هناك مناطق مشتركة وهذا أمر طبيعي لأننا كبشر جزء من النظام الكوني، ونؤثر به ونتأثر به.

وليس من الانصاف العلمي، تعميم تجربة بشرية مع الدين على كل الأديان، والخلط بين الممارسة وحقيقة الدين.

الأصل هو سعي العقلاء لفهم الدين والعلوم الطبيعية بعيدا عن التشنجات المعرفية،  والانفعالات الحادة وردود الفعل الناتجة عن التجارب البشرية الفاشلة، سواء مع الدين أو مع العلوم الطبيعية أو دارسيها، ومواقفهم الخاطئة في تفسير الدين أو علاقتهم معه. 

وكلاهما يمكنهما أن يشكلان سويا حلقات كمال في عمارة الأرض، وفك تعقيدات الحياة البشرية.

نعم قد نجد متطرفين في كل مجال يعقدون  المسائل، ويربكون المشهد، لكن يبقى ما ينفع الناس باق ويذهب الزبد جفاء. ولا يمكن فهم الواقع وكشف الحقيقة وفهم الحق بناء على ردود فعل الآخرين، أو أفهامهم الخاصة المتشنجة، أو تجاربهم الخاصة، أو تفاعلاتهم التاريخية الخاصة بظروفهم وملابساتهم، نعم يمكن الاستفادة منها والاستضاءة بها، ولكن ليس الحكم على المعارف وكشف الحقيقة والواقع من خلالها.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.069 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com