» موضوع المرأة والتحديات الواقعية   » انهار الأب باكيا (العنف ضد المرأة)   » سماحة المرجع لدى إستقباله سفير الإتحاد الأوربي والوفد المرافق له:   » كيسنجر يحـ.ـذر الرئـ.ـيس المنتـ.ـخب بـ.ـايدن من حـ.ـر.ب طـ.ـاحنة ستشـ.ـهدها الولايات ضـ.ـد دولـ.ـة   » ❗️لم تعد لعام 2020 بقية ولكن❗️   » أحبتي من الشعراء والأدباء والتذوقين للشعر والمثقفين والمتلقين   » التقليد والاختيار:   » لو كلّنا عَلِمَ الحدودَ لعقلهِ *** ما عاثَ فينا جاهلٌ وكذوبُ   » لماذا تصل أمنية الكاتب أن يقرأ كتاباته ولو شخص واحد؟   » الثقافة بين الواقعي والافتراضي  

  

المفكرة الاسلامية إيمان شمس الدين - 20/11/2020ظ… - 9:08 م | مرات القراءة: 108


في القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وعلى كافة المراتب، أي من الفرد إلى قمة الهرم الذي تمثله غالبا السلطة،

سواء كانت سلطة محلية أو إقليمية أو عالمية، في كل تلك المراتب لا بد من تحصيل المعرفة في كافة القضايا، وتختلف المعرفة باختلاف تلك المراتب أي من الفرد إلى السلطة، إلا أنه في كل المراتب لابد من معرفة عميقة تبعث الإرادة لاختيار الأنسب، ومن ثم إيقاع الفعل والسلوك المناسب، خاصة لترتب الأثر الخارجي على السلوك المختار، و الأثر مرتبط بشبكة علاقات اعتبارية ترسم حاضر الفرد والمجتمع والأمة ومستقبلهم.

ولا يمكن وصف إنسان بأنه مختار مالم يحرز معرفة يبني عليها سلوكه، إذ أن المعرفة تمكنه من تحديد الحسن والقبيح، وبالتالي تبعث إرادته إلى السلوك الاختياري وفقه.

وفي حال عدم إحراز المعرفة والإقدام على سلوك شائع ومشهور، أو السير مع موجة المجتمع والخوض مع الخائضين، فإن ذلك لا يسمى سلوكا اختياريا تاما، بل هو تقليد لما هو شائع ومشهور وما يفرضه الجبر الاجتماعي.

وأضرب مثالا لذلك: في الأجواء السياسية المذهبية، فإن الفعل الشائع اجتماعيا، هو السلوك المذهبي التمييزي، حيث يفرض جو المجتمع العام تحت وطأة الإرهاب الفكري سلوكه على الفرد والجماعات، وفي هذه الحالة كي يوصف الفعل بأنه فعل اختياري، على الفرد والجماعات أن تدرك واقع الأمر، وتشخص الحالة بعد أن تعرف مجريات الحدث، وبعد تحصيل المعرفة وإدراك الواقع وتشخيص القبيح والحسن، تنبعث إرادتها للسلوك المناسب، أما الانجرار مع موجة المجتمع المذهبية، واتباع من ينتمي لهم الفرد والجماعات مذهبيا لمجرد هذا الانتماء العصبوي، فهو ليس اختيارا، وإنما تقليدا سلبيا وإن كان باختيار الفرد والجماعات ظاهرا، لكنه اختيارا مضللا واقعا تحت تأثير الجبر الاجتماعي.

وكذلك في تقليد الآخرين سواء كانوا رموزا أو جماعاتٍ وأحزاباً في مواقفهم السياسية، وإن كانت مخالفة لواقع الأمر، و توصف أنها مواقف غير مبدئية وقبيحة، ولكن تم اتباعها وتقليدها لمجرد الانتماء العصبوي والتقليد الأعمى، دون تحصيل معرفة وتشخيص الحسن من القبيح ودون إرادة واختيار.

حتى في تقليد الفقيه يتطلب معرفة، وهي معرفة الفقيه الأصلح للتقليد، ودون بحث ومع تقليد مرجع الوالدين أو الجماعة أو الحزب دون تحصيل معرفي، وإنما تقليدا تحت وطأة الانتماء للجماعة أو للوالدين أو للحزب، فهو تقليد سلبي وسلوك غير اختياري.

وحتى بين الفقهاء، فإن السير العلمي يتطلب دوما معرفة وفتح أبواب الاجتهاد فيما يستجدّ من أمور جديدة، بل ومراجعة ما تم إصداره من فتاوى عند القدماء، أما الإمضاء لكل ما مضى بسبب سطوة هيبة القدماء العلمية وتقليد المقلدة، فهو أيضا لا يطلق عليه سلوك اختياري وإن بدا في ظاهره تحصيلا علميا ومعرفيا، إلا أن المعرفة يشترط بها البحث بأدواتها وإدراك المطلب، ومن ثم تشخيص الحسن والقبيح الذي يبعث الإرادة وتحقيق السلوك الاختياري. فذلك يترتب عليه نهضة الأمة، و جعل الدين حضارة إنسانية لا تعيق حركته، بل تجعلها انسيابية، ولا تعقّد حياته بل هي الحل لكل عقد الحياة.

وكذلك في كل موقف يتطلب سلوكا عمليا، فإن السلوك العملي كي يوصف بأنه اختياري فلابد من أن يكون مسبوقا بمعرفة، تبعث في الإنسان إرادة الاختيار، بعد تشخيص الحسن من القبيح و المصلحة من المفسدة.

وما عليه واقعنا اليوم يغلب عليه التقليد ببعده السلبي، خاصة مع دخول وسائل التواصل الاجتماعي، وتحولها لمنصات ومنابر فردية وجماعية دون ضوابط تحكم الكلام، والذي في كثير من الأحيان يبعث سلوكا يربك استقرار المجتمعات، ويحدث فتنا عابرة للحدود، ويضعف من تماسك الأمة، ويدخلها في هرج ومرج يعيق مسيرتها النهضوية، مع عدم إنكارنا لدور هذه الوسائل في عمليات التغيير، لكنها منصات إعلامية افتراضية تحتاج للكثير من الدقة والضوابط في استخدامها كوسائل في حركات التغيير الاجتماعي، وهو ما سنفرد له فصلا مستقلا في باب الإعلام وأثره في صناعة الوعي.

ولا ضير من تقليد عن معرفة، سواء مرجعية فقهية، أو شخصيات رمزية، أو لأحزاب وجماعات، فإن تختار بعد معرفة وتشخيص دقيق وتسير على نفس منهج الرمز أو التيار أو الحزب، بحيث يصبح عندك بعد المعرفة قطعا بحسن هذا التقليد والسلوك في نفس الاتجاه، فهو تقليدا ممدوحا كونه فعلا ناشئا عن اختيار وقطع.

ولكن الأغلب الأعم لا يقلد عن معرفة ،لانتشار ثقافة الكسل العلمي، والتقليد دون معرفة، والخوف الاجتماعي، والإرهاب الفكري، والسلطة الأبوية، إضافة إلى عدم الهدفية في الحياة، وسطوة حب الشهرة والسمعة في مجتمعات تقودها غالبا شخصيات رمزية ليس لها قيمة معرفية حقيقية، سوى جسدها وما تأكله وما ترتديه من ملابس، وتحولت الثقافة إلى ثقافة استهلاكية، تستنهض حب الاستهلاك المادي لا الاستهلاك المعرفي والثقافي.

التقليد بالتحكم بالثقافة:

هناك نوع أخر من التقليد السلبي المتعلق بتقليد الأمم الأخرى، خاصة تلك الأمم المتقدمة ماديا وحسيا، وعلميا وقدمت خدمات للبشرية غيرت من مسارات التطور البشري والتاريخي. ففي عصرنا يعتبر الغرب في أذهان كثير من النخب حضارة متقدمة، ويعتبر الغرب نفسه حضارة متقدمة تضع من نفسها معيارا للآخرين، بل تعطي لنفسها الحق أن تقود المجتمعات وتروج لقيمها كنموذج للكمال، وقد تجلى ذلك بعد العولمة التي استطاعت أن تحول العالم إلى قرية صغيرة. وتأثرت شعوب منطقتنا ـ وخاصة أغلب نخبهاـ تأثرا كبيرا في الثقافة الغربية، حتى باتت اليوم ثقافة الغرب مرجعية معرفية تتحكم في خيارات وثقافات الشعوب، ونظرة عابرة للمنهج الاستهلاكي الذي تطغى مشهديته في منطقتنا على كل المشهديات، رغم انتشار البطالة وارتفاع نسبة الفقر، إلا أن الاستهلاك كخيار بات لا بد منه، فيمكنك أن ترى عامل نظافة لا يملك قوت يومه، إلا أنه يحمل هاتفا ذكيا، وهو ما يدلل على تبدل الأولويات المعيشية، وتحول الكماليات الاستهلاكية إلى ضروريات تحت ضغط الجبر الاجتماعي، سلبت الكثير قدرتهم على الاختيار. وقد ذكر إدوارد برمن في كتابه " التحكم بالثقافة " كيف تقوم المؤسسات العالمية من قبيل مؤسسة هنري فورد وكارينجي وراكفلر بأمور تبدو ثقافية في ظاهرها ـ كتأسيس جامعة في بلدان العالم الثالث، وقبول طلاب من تلك البلدان، وأيضا تأليف كتب علمية لأجلهم ـ إلا أنها تقوم بتوجيه الثقافة العلمية في بلدان العالم الثالث. وخلال هذه العلمية، حتى الصفوة من الجامعيين في العالم الثالث لا ينتبهون إلى مسألة أنهم يقومون بالفعل كما تم التخطيط له مسبقا...هنا لا نعني البحث حول انعدام التبادل الثقافي والاكتفاء باقتباس الطرق من الغرب، بل هو حول عدم التنبه الحقيقي إلى ماهية ما يمكن تعميمه في العالم الثالث، وبتعبير أحد المطلعين المعاصرين :" إن الأخذ والتعميم ليس أمرا غير مَعيب فحسب، بل هو من الأمور المستحسنة والمفضلة، ولكن بشرط أن تكون الظروف مناسبة لأجل عملية التعميم هذه، وأن يكون الزخذ والتعميم عن تفكر وتمحيص، بهذا الشكل فإنه لن يكون هناك وجود لأي هجوم ثقافي. بحيث يصير أخذ أي شيئ من أي مصدر كان أمرا يمكن تسميته بالتبادل الثقافي، فإذا كانت جماعة ما جاهلة بما تفعل وما تقول، فمن المُسلَّم أن تصبح عرضة للهجمات الثقافية، حتى لو حصلت على كل المعارف العالمية، ولكن في حال كانت الجماعة واعية ومدركة لتلك الأمور، فإن ما يمكن أن تتلقاه هو بمثابة مواد تأسيسية تقيم المدينة وأنظمة الحياة. إن هذا يعني بأن العقل والإدراك لا يخسران وجودهما ولا ينكمشان في مقابل ما يتم تلقيه، بل يقومان بتسخير هذه المعارف والعلوم المتلقاة كوسيلة تخدم مصالحهما، صحيح أنه ضمن مسألة الهجوم الثقافي لا يجب تناسي أمر الجزئيات، إلا أن الغوص كثيرا في الأمور الجزئية قد يبعدنا عن أصل القضية، فالهجوم الثقافي يعتبر هجوما على ثقافة الجماعة، ولكن ثقافة الجماعة ليست فقط مجرد آداب وتقاليد، بل هي في الأغلب الأساس غير مرئي وراء الفهم والإدراك.. نحن جميعا ندرك الأشياء من خلال ثقافتنا، وإذا انعدمت الثقافة انعدم معها العقل والإدراك، وحاليا فإننا لا نستطيع إدراك الهجوم الثقافي كما يجب، لأننا لم نألف الثقافة الغربية أو نطلع على باطنها الحقيقي، إلا أن هذا الهجوم ليس بالحدث المفاجئ أو العارض الذي تم التصميم له من قبل رجال السياسة، بحيث يستطيعون تغييره متى شاؤوا، إنما هو مرحلة في التاريخ الغربي، الذي يتجلى فيه من جهة حلم تحقق عالم غربي فريد ووحيد، والذي تم تنميته على مستوى العقول، ومن جهة ثانية العيون الناظرة بترقب، وقليلون هم أولئك الذين ينظرون إلى الأفق المقابل وإن وجد من يفعل فإن الوحشة تملأ كيانه. في العالم الغربي كان البشر محور كل الأشياء، أما عالم اليوم فليس من المعلوم أين مكانه بالضبط، أو ما هو مصيره حتى؟" . وحينما يتم الهيمنة على الإدراك وإعادة صياغة الوعي وتقليد الغرب بكل ما يقوم به، فإن ذلك يسلب المجتمعات أو النخب فيها، قدرتها على الاختيار، ويدفعها للتقليد حتى في المعارف، وبالتالي تفقد هويتها الخاصة، وتندفع باتجاهات بعيدة عن أي عمليات تغييرية حقيقية، كون الهيمنة على النخبة باستعمار مجالها الإدراكي ولا وعيها، يقلل من احتمالات قيام أي ثورة تغييرية، حيث تصبح النخبة المؤثرة في وعي المجتمع واقعة تحت تأثير تخدير الوعي بمعارف هجينة، تغير بنية النخبة الفكرية، وتسيطر على مجالها الإدراكي، ومن ثم تستطيع تعطيل كل محاولات التغيير بشكل غير مباشر.

فلا الاستلاب المعرفي للشخصية المنهزمة يحقق إرادة المعرفة واختيارها، ولا الانكفاء على الذات يحقق ذلك، فالمنهج مسألة مهمة في بلورة إرادة المعرفة واختيارها وبناء البنية الفكرية على ضوئها، ومعالم هذا المنهج تتمثل في أسس مهمة هي:

ـ البحث عن المعارف على قاعدة الدليل والبرهان.

ـ التسليم بوجود ثوابت، ولكن هي ثوابت واقعية حقيقية، لكن فهمنا لهذه الثوابت ليس كاملا أومطابقا للواقع، بل تتغير الأفهام بتطور أدوات المعرفة، وتكامل القدرات العقلية البشرية مع التقادم.

ـ ضرورة معرفة وظيفة العقل وقدرته، والإيمان بالذات وقدراتها وقبل ذلك معرفتها، حتى يتم التعامل مع الآخر، بغض النظر عن الظروف الخارجية، يتم التعامل معه من موقع الندية المعرفية لا الذوبان المعرفي.    .

وتجاوز هذا الوضع السلبي الذي يهيمن على منهجية أغلب المجتمعات، لا يكون إلا بإعادة المعرفة لموقعها السليم في قمة الهرم، وفق منهجية سليمة تتلقى المعارف لا تلقينا وتسليما بكل ما فيها، بل تمحيصا وإثباتا بتمعن وفق الدليل والبرهان، ومعرفة مصادر هذه المعارف وقواعدها وأبعادها، وإحيائها كقيمة كبرى في حياة الإنسان لا يتم بدونها حقيقة الاختيار.

فتحقيق الهدف من وجود الإنسان لا يمكن أن يتم إلا عن معرفة صحيحة، تدفعه لاختيار المنهج الأصلح لتحقيق هدفه، هذه المعرفة تطرح له عدة مناهج وطرق وعدة أهداف، بالتالي يشخص هو بعد هذه المعرفة الأصلح والأحسن من الأفسد والقبيح، ومن ثم تنبعث إرادته لاختيار السلوك المناسب وإيقاعه في الواقع الخارجي، لتحقيق هدفه والوصول إليه.

إن قيمة الاختيار مرتبطة بقيمة المعرفة، ونوعية الاختيار كذلك مرتبطة بنوعية المعرفة، وبالتالي مصير الإنسان في الدنيا والآخرة مرتبط بنوعية معرفته وقيمتها، وعلى ضوئها ماهية اختياره، والتغيرات والتحولات الاجتماعية الكبري عائقها التقليد دون معرفة واختيار.

والاتباع والتقليد القائم على المألوف الاجتماعي أو جبره، وعلى الانتماءات العصبوية بكافة أشكالها، يحول الإنسان إلى مقلدا فاقدا للاختيار، وهو ما يتجسد يوم القيامة بقانون البراءة، حيث تبرأ الذين أُتّبعوا من الذين أتّبَعوا، ولا يبق آصرة حقيقية تربط الإنسان بالآخر إلا آصرة المعرفة المرتبطة بالنوعية والأدوات. وكلما كانت النوعية أقرب للصواب وكانت الأدوات تؤدي لكشف الواقع، كانت الأواصر مرتبطة بالله تعالى أكثر، وتحقق المعرفة المطلوبة للفرد والمجتمع يعني إدراكا لواقع الحال، وتشخيصا للخلل إن وجد. ولكن هذه هي المراحل الأولى في عملية التغيير الاجتماعي أو ما يسمى مقدمات ضرورية، لكن هل المعرفة مستقلة تخلق الدافع عند الإنسان للتغيير؟ أم أن هذه المقدمات الضرورية عليها أن ترتبط بعامل نفسي داخلي مهم لدى الأفراد والجماعات والأحزاب والتيارات، وكل من يحاول قيادة المجتمعات في حركات تغييرية، وهو عامل المبادرة الذي يعتبر الترجمة العملية التي تتبع المعرفة وتشخيص الخلل؟

وهنا نصبح أمام مراحل في عملية التغيير:

١. تشكيل البنية الفكرية .

٢.مرحل الإدراك والمعرفة.

٣. تشخيص الخلل

٤. انبعاث إرادة العمل للتغييرووضع الخطة

٥. المبادرة للتطبيق

من كتاب: التغيير والإصلاح

مطالعة في التأسيسات والإشكاليات والمعوقات



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.096 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com