اثير السادة - 31/12/2020ظ… - 7:45 ص | مرات القراءة: 134


المقابر نصوص حية لأجساد عانقت الغياب، غابة من سرد تطوق العابر منها بتآويل الذين مروا من دروب الحياة، مدينة صغيرة تعيد تعريف المسافة بين الناس،

آباء وأبناء وأحفاد، يتمددون في ضريح الصمت، بعد أن تركوا وراءهم وميض حنين عند الأحبة.

القبور ليست كلها تراب، تفضح العلامات المدرجة على كل قبر ما حضر في شظايا الأمنيات، يحاول الأقربون طرد وحشة التراب بعشبة المشموش هنا، وتطيش وعود البهجة في صورة ورد اصطناعي لا يذبل في طرف آخر، وقناني ماء الورد تشي بآخر زائر بلل القبر بروائح كانت ربيبة الفرح، لم تعد شواهد القبور جذعا منسيا من جذوع النخيل الذابلة، صارت اليوم من معدن الأشياء التي تكاثرت في مرايا الحداثة، شاهد رخامي عليه آخر عبارات الوجع، هذا قبر المرحوم، ثم يدرج الإسم كاملا، في حضرة الموت قد تتشابه الأسماء، فيجري التمييز بينها بالتكنية، أو بإطالة النسب إلى الجد الأول أو الثاني.

التبرك بالآيات سمة الشواهد، مضافا إليها التبرك بأسماء أهل البيت عندنا، آية النفس المطمئنة هي مفتتح كل شاهد هنا، هي بمثابة الدعاء لصاحب القبر بأن يكون من الذين أضاؤوا دربهم بزيت الإيمان، لينالوا رحمة الرحمان، الرحمة هي أكثر العناوين التصاقا بالموت، مرحوم، رحمه الله، وفقد على رب رحيم، هكذا يطلق الناس أشرعة الأمل بأن الرحمة هي نصيب الذين انتهت حصتهم من هذه الحياة.

بات المكان مأهولا بالصور، تقلب القبور كمن يقلب ألبوم صور، تعرف حداثة القبور بقناديل الصور المؤطرة مع إطار القبر، هنا متسع للنظر في مقابل قبور كفاها الوقت عناق الصورة الفوتوغرافية، وجوه تلتمع في امتداد الشمس نهارا، شاب يافع يذكرنا بأن لا عمر للموت، آخر أكمل مسودات العمر كلها ولم يبق من عائلته أحد، وجوه مطرزة بعناوين الحياة، هي آخر أمنيات القلب في بحثه عن حياة أخرى لمن فارق الحياة..تدير عينيك بين القبور والصور معا، فتنازعك شهوة التذكر، هذا جارنا، وذاك صديقنا، وثالث وجه مألوف في دروب الحي، ورابع تصدم لمشاهدته لأن الوقت خانه وكنت تحسبه بين ظهرانينا.

القبور صامتة، إلا من وقفات قصيرة لزائرين استدرجتهم الأسماء لقراءة الفاتحة، القبور مصفوفات طويلة، تفصل بينها مواعيد مقدرة، لا يعلم أحد مقادريها، حتى إذا تخطف أحدنا الموت، تاهت بنا الأفكار، ورحنا نبحث له في خواطرنا ألف سبب  لكي يحيا.


من صفحته الخاصة

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.069 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com