14/03/2021ظ… - 5:22 م | مرات القراءة: 115


في أواخر الثمانينيّات وعقد التسعينيّات كانت العمامة عزيزة بسبب الظروف القاهرة محفوظة بالأسر العلميّة، وكنّا نألف في أزقة النجف الأشرف وشوارعها كوكبة من العلماء والزهّاد والعبّاد

 (آل الخرسان، وآل بحر العلوم، وآل الجواهريّ، وآل المرعشيّ، وآل الحكيم، وآل كاشف الغطاء، وآل الخوئيّ ...)، فضلاً عن أفراد غطارفة كالسيّد السيستانيّ، والشيخ الفيّاض، والشيخ مرتضى البروجرديّ، والشيخ محمّد أمين زين الدين، والشيخ الغرويّ، والشيخ الأنواريّ، والشيخ القاموسيّ، وآخرون..

حملوا عاتق الأمّة في رقابهم، فترى الواحد منهم يُعدّ مدرسة في حركاته وسكناته، تراهم في السوق، وفي الحرم العلويّ، وفي المساجد، وفي المجالس، وفي التشييع، وفي العتبات العالية، وجوههم تنبيء عن قربهم، يلهجون بذكر الله تعالى ليل نهار، ويتدارسون العلم في كلّ محفل ومجلس.

وأمّا السيّد المرعشيّ، فإذا طلبت شيئًا عن نكران الذات والزهد والتواضع، فتعال وادخل سوق الحويش، لتراه يشتري الفواكه والخضار والخبز واللحم بنفسه، ولا يقبل أن يحمل عنه، رغم مرضه الذي عرف به وهو ضعف الأعصاب، فتراه يحمل ما يشتريه بيديه المرتعشتين، ويتنفس الصعداء بحمله حينًا بعد حين.

كان يصلّي ظهرًا في مسجد الشيخ الأنصاريّ، المعروف بمسجد الترك الواقع في سوق الحويش، ويؤم خلفه الكثير من المصلّين، وخصوصًا أهل المحال من سوق الحويش، ويجلس بعد الصلاة ليرد أسئلة الناس ويستخير لهم، فترى صفّ الناس عن يمينه وعن شماله، وقد سمعت الكثير عن خيرته المجرّبة، وإذا أخبرك بشيء تطمئن النفس إليه.

وليلًا كان يصلّيّ في مسجد آل جبرين الواقع في شارع القبلة، وبعد الصلاة كعادته يجلس  ليجيب عن أسئلة الناس ويستخير لهم، فترى صفّ الناس عن يمينه وعن شماله، ولم يترك الصلاة بالناس في أواخر سنينه، حتّى وهو يتكيء في مشيه على الآخرين، وحتّى وهو في عربة تنقله لبيت الله تعالى.

وبعدها يزور حرم أمير المؤمنين - عليه السلام – كل ليلة، ومكانه أمام الضريح في الزاوية التي قبل الرأس الشريف، وكان مواظبًا على زيارة ليلة الجمعة مع مجموعة من العلماء والطلبة في سيارة تقلّهم، منهم الشيخ البروجرديّ، والشيخ الأنواريّ والشيخ علاء أبو الطابوق، وفي سيارة تكاد أن تكون أكثر من عادية وهي ما تعرف بالأو- أم (om)، ثمّ بعد السقوط ركبوا أحدث منها وهي (كوستر)،  بينما يذهب البعض للزيارة في سيارات فاخرة.

وكان لا تفوته الزيارات المخصوصة في النجف وكربلاء، ويحضر المجالس الحسينيّة، ويواظب على حضورها، وتراه في كلّ ذي وذا يلهج بذكر الله تعالى، فلسانه لا يقف عن ذكره في كلّ حالته.

وكان بكَّاءً في المجالس حتّى أنّي أذكر أنّ من عادة المحقّق آية الله السيّد محمّد مهدي الخرسان – دام ظله - أنّه في شهر المحرّم يذكر الزيادات التي في المقتل الحسينيّ ثم ينقضها بالدليل العلميّ، فعندما يسرد السيّد الخرسان قصة فاطمة العليلة ثمّ ينقض خبرها ترى دموع السيّد المرعشيّ تنحدر الواحدة تلو الأخرى حين حكاية خبرها مع نحيب يسمع.

حتى أنّه عندما حوّل بيت والده إلى مدرسة الشيخ البلاغي التي بناها آية الله العظمى السيّد السيستانيّ، شرط أن يستمر المجلس العاشورائيّ في المدرسة في كلّ عشرة، وعرف مجلسه بمجلس السيّد المرعشيّ.

وكان عندما يسأل عن المرجعيّة يخبر أنّها للسيّد السيستانيّ - دام ظلّه - وكان يزور السيّد السيستانيّ - دام ظلّه - هو والشهيد الشيخ مرتضى البروجرديّ كلّ ليلة خميس من الأسبوع، وكان المرحوم السيّد عبد الستار الحسنيّ يقول: ((الليلة زار السيّد السيستانيّ؛ الرضيّ والمرتضى)).

وكان يساعد طلبة العلم والفقراء، ويشجع على طلب العلم، وأذكر أنّ المرحوم السيّد  رضا الحبوبيّ أخذني معه لطلب مساعدة لي، في زمن الحصار الظالم، فسأله ماذا يعمل؟ فأخذتني هيبة السيّد المرعشيّ وقلت: ((أنا لا أعمل))، فقال رحمه الله: ((لا يجوز أن أعطيه وهو لم يعمل البتة فيتكيء على الحقوق الشرعيّة، فليعمل وأعطيه))، فذكرني السيّد الحبوبيّ بعملي عنده، وأعطاني لتذكريّ.

ونقل الحجّة المحقّق السيّد محمّد حسين الكشميريّ: ((إنّ من مآثره أنّ المرحوم اﻹمام الخمينيّ لما غادر النجف لم يكن هناك من يجرؤ على أن يقبل منه الأمانات لأنّ ذلك يجعله عرضة للإعدام بلا شك، لكن المرحوم توطن لذلك فأودع الإمام الخميني - أعلى الله مقامه - عنده ما كان قد اجتمع عنده من الحقوق الشرعيّة ليوزعها على طلبة العلوم الدينية شهراً بشهر كما في السابق إلى أن تنفد)).

لقد أثّر في شخصه ظلم النظام السابق واضطهادهم لطلبة العلم، فقد رأيته بأمّ عيني في سجن الرضوانيّة، وقد أثر فيه فقد أخيه في الانتفاضة الشعبانيّة، وصار متكفلًا بجملة من ذوي رحمه، ثمّ أعقبه موت ولده الشاب العزيز السيّد مهدي بمرض عضال، وأثر به مرضه وزاد الطين بلة يومًا بعد يوم إلى أن افتقدناه بجلسة الدار الطويلة أثر زيادة العلّة.

وفي يوم السبت 28 من شهر رجب سنة 1442هـ الموافق 13/3/2012 فجعنا بفقده، فقد توفي قبل الزوال في مستشفى الكفيل الواقعة في كربلاء أثر الكورونا ـ على ما قيل ـ ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

أحمد علي مجيد الحلّيّ في يوم وفاته قدّس الله نفسه.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.07 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com