*علي عيسى الوباري - 25/03/2021ظ… - 7:50 ص | مرات القراءة: 152


أن تعيش في عصر المتناقضات و الصراعات الفكرية و تتغلب عليها هذا هو التميز ، أن تعيش في زمن التسقيط و تبقى جبلا شامخا يثبت الفكر و الثقافة هذا التفوق.

القيمة الحقيقية للإنسان بما يحمله من سجايا و خلق عالية و علم يكون رداءً جميلا جذاباً ، تتسامى الشخصية بالعلم الرباني و العبادة و الابتعاد عن زخارف الدنيا ، تسمو النفس بالمعرفة و تبقيها في ذاكرة التاريخ لان العلم يحفظه و هذا مصداق كلمة أمير المؤمنين عليه السلام " العلم خير من المال لأن المال تحرسه والعلم يحرسك ".

في تراثنا الديني يتواضع المرء كلما زاد علمه و ينكر العالم الفاضل ذاته و يعلو بالخلق عاليا ، يقول الإمام عليّ عليه السلام: " إذا زاد علمُ الرجل زاد أدبُه، وتضاعَفَت خشيتُه لربّه" ،للعالم الرباني أن ينكر ذاته و لا تهمه الدنيا لكن ألا يستحق الاحترام و التقدير من الآخرين و الاستفادة منه و منحه حقه على عطائه في حياته قبل فقده من الناس عامة و من العلماء خاصة الذين هم أكثر معرفة بعلمه يقول أمير المؤمنين عليه السلام " إذا رأيت عالما فكن له خادما ".

لماذا تبرز علوم العالم و تظهر مآثره العلمية و تذكر صفاته الأخلاقية بين الوسط العلمي و الاجتماعي و تسلط الأضواء عليه بعد ما يوارى تحت الثرى و تسطر فيه الأحاديث و تظهر شهادة الثناء و التقدير و الاجتهادات بعد انقطاع نفسه يقول إمام المتقين عليه السلام " العالم مصباح الله في الأرض فمن أراد الله به خيرا اقتبس منه".

المضمون الخلقي و العلمي يتجاوز بالذات والشخصية إلى الفضاء الخارجي و يؤثر في المحيط ، كما تتعزز العلاقة بين الشخصية الرمز مع الأفراد و المجتمع كلما اسبروا أغوار شخصيته و نهلوا من عطائه العلمي و الخٌلقي ، و يسد فراغا معنويا و روحيا في معجبيه لا ينقطع هذا المداد المعنوي حتى بعد الموت بل يتقوى الارتباط مع محبيه و مريديه و تستمر العلاقة حتى بعد موته لأنهم ينهلون من مداده العلمي و منهجه " مات خزّان الأموال وهم أحياء ".

تبقى قضية الرمز هي الأبرز في حياة الأمم التي تلهم الناس خصوصا إذا كانت هذه الشخصية مرتبطة بالعلم و الفكر مثل الشيخ العلامة عبدالهادي الفضلي رحمه الله ، هذه الرمزية الدينية و العلمية و الفكرية توسع افقه العلمي باتساع اللغة العربية التي عشقها و تخصص بها كما تعززت الرابطة المعنوية مع محبيه و تلامذته بحجم استيعاب لغة القرآن للمعاني، هذه الشخصية العلمية التي عرفت بأبحاثها و غزارة تأليفها اعتبرت حالة علمية فريدة في المنطقة رغم إن الساحة المحلية لم تقدره بحجم سعة علمه و فكره.

التميز في العطاء العلمي يعرفه من هو في قامة الشيخ الفضلي في إرجاء الوطن العربي سواء أكان في تخصصه الأكاديمي اللغة العربية او تخصصه الفقهي ، و ما شهادة السيد الشهيد الصدر قدس الله روحه في حق الدكتور الفضلي رحمه الله إلا وساما يعلو بمرور للزمن قال الشهيد في رسالته للشيخ الفضلي بعد أن غادر الشيخ الفضلي الحوزة لإكمال دراسته الأكاديمية في القاهرة: "الواقع إن مما يحز في نفسي أن تكون أوضاع الحوزة بشكل يزهد في الإقامة فيها أمثالكم ممن يرفع الرأس عالياً

ويشكل رقماً من الأرقام الحية على عظمة هذه الحوزة التي تتيح رغم كل تبعثرها أن ينمو الطالب في داخلها بجهده الخاص إلى أن يصل إلى هذا المستوى المرموق فضلاً وأدباً وثقافة وعلى أي حال سواء ابتعدت عن الحوزة مكاناً أو قربت فأنت من آمال الحوزة ومفاخرها ".

كما أن الشيخ آغا بزرك الطهراني صاحب كتاب (الذريعة) وصفه في إجازته الروائية له (المؤرخة 1374هـ) وهو ابن عشرين سنة بقوله : "الشيخ الفاضل البارع, الشاب المقبل, الواصل في حداثة سنه إلى أعلى مراقي الكمال, والبالغ من الفضائل مبلغاً لا ينال إلا بالكد الأكيد من كبار الرجال المدعو بالشيخ عبد الهادي بن الشيخ ميرزا محسن بن الشيخ سلطان بن محمد الفضلي إلى أن قال: استجازني فرأيته أهلاً لذلك فاستخرت الله وأجزته أن يروي عني جميع ما صحت لي روايته وساغت لي إجازته ".

لا نتكلم عن بديهية علمه و عطائه الفكري لأنه علامة و قيمة علمية في ذاتها لكن نبقى في البيئة التي عاش فيها و لا اقصد المحيط المحلي فقط بل في الوطن العربي و الإسلامي ، هل عرفت حقه و قدرته الفكرية ؟ ، قد تكون احد ابتلاءات العلماء ، عدم معرفة حقهم دنيويا و لا ينالون من نصيبهم المعنوي و الاجتماعي خصوصا في عالمنا الإسلامي ، نعم أن يعيش العالم في جو فكري نشط و في جو حواري علمي يقيم علمه الفقهي و فكره ،

مما لا شك فيه ينتج علما فقهيا و فكرا دينيا تفيد الحوزات و المدارس الفقهية و الأكاديمية ، العلامة عبدالهادي الفضلي المفكر و العالم حمل رسالة فكرية تغييريه لكن لم تجد هذه الرسالة أصداء بحجم عطائها و لا تقدر بقيمتها المعنوية التي ستبقى رسالة علمية و فقهية متميزة يلمع بريقها في الجامعات و الساحات العلمية.

هناك من العلماء و المفكرين الذين يحدثون انقلابا في منهج التفكير لا شعوريا عند الكثير ممن يهتمون بالفقه و البحث و التأليف ، يصبح ما يقدمونه أنموذجا فريدا في الجهاد العلمي مثل سماحة شيخنا الفاضل عبدالهادي الذي تخطى شعاع فكره إلى الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية بلندن ،

كان مدرسة فكرية بحثية و رمز علمي ندرت في عصرنا ، قيمة الشيخ الفقهية و شخصيته الفكرية التي استمرت بالعطاء علي مستوى التأليف و المحاضرات و الدروس إلى سنوات متأخرة من عمره الطويل بعطائه و الذي سيبقى قرونا ، مع كل هذا يفرض السؤال نفسه ، لماذا لم تنال هذه الشخصية العلمية العظيمة حقها العلمي و الفكري من ذوي الاختصاص أولا و من الناس ثانيًا؟

العظماء يفنون أعمارهم في العطاء و التضحية من أجل ثورة تغييريه في الأفكار و الآراء و النظريات و يتحملون الظلم و الجور من أجل أهداف سامية و إبعادا طويلة الأجل تعرف قيمتها بعد غيابهم جسديا ، لكن يظل علمهم نبراسا و مشعلا ما بقيت الحياة.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.078 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com