» باحث سعودي: المرأة السعودية لم تلبس عباءة قديمًا.. والمطلق يؤكد: العباءة غير إلزامية   » نفذ أمام الناس.. جلد أزواج بسبب ”العناق العلني“   » كلمة المرجع الخراساني مع بداية الدراسة الحوزية للعام الجديد   » امرأة من بين 16 في أميركا.. اغتصبت في أول تجربة جنسية   » 👌🏼 ما هي نعمة الستر؟؟👌🏼   » صحيفة جهينة :أهالي القطيف يدينون استهداف بقيق .. ويشكرون القيادة على نجاح موسم عاشوراء   » حرمة التدخين..   » 🌸الاجتماع العائلي ؛؛💐   » وزارة العمل.. وفرصة قرار 24 ساعة !   » القطيف تستحوذ على 36 % من نتائج التسريع  

  

حاوره: حسين التاروتي - 15/09/2009ظ… - 2:46 م | مرات القراءة: 1007


يسعدني أن نلتقي مجددا في ضيافة شهر رمضان و في لقائاتنا الرمضانية الحوارية في موضوع ( كيف نتهيأ ونعد أنفسنا لضيافة شهر رمضان) لقائنا الرابع حول "تفعيل القيم الرمضانية في حياتنا" مع خطيب المنبر الحسيني و الباحث في الدراسات القرآنية و إمام مسجد الإمام الحسن (ع) سماحة الشيخ فيصل العوامي.

 

سماحة الشيخ السلام عليكم وأحييك في هذا اللقاء الرمضاني الكريم, أبدأ  معك بالسؤال الأول:

- كيف تقرأ العلاقة المباشرة لشهر رمضان بالقرآن الكريم وتميزه باهتمام أهل البيت عليهم

 السلام به؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين .

أضع في مقدمة الجواب آية قرآنية مهمةً في المقام , وهي قوله تعالى: ("قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام") , عندنا نور وهو القرآن وعندنا محل لاستيعاب ذلك النور وهو شهر رمضان , ولذلك جاء في قوله تعالى (انا انزلناه في ليلة مباركة) وَ (إنا أنزلناه في ليلة القدر) وجاء في روايةٍ أخرى (شهر رمضان ربيع القرآن) , أريد أن أربط بين طرفي هذه المعادلة , هذا النور والمكان الذي يستوعب هذا النور , حتى أستطيع أن أقدم هذا الربط لابد أن أقدم مقدمة تاريخية سريعة حتى يتضح الأثر: كانت البلاد العربية تعيش أمية مطبقة , النبي الأكرم (ص) بعث في ظل هذه الأمية المطبقة في بلاد العرب , يسهل عليك أن توصل رسالتك لإنسان يدرك مغزاها إذا كان مثقفاً , أما إذا جئت تحمل رسالةً عظيمة القيم وأردت تبليغها لإنسانٍ جاهل, كيف يمكن أن يستوعب هذا المراد؟!

هذه معضلة كبيرة كانت تواجه النبي (ص) , من مؤشرات هذا الجهل وهذه الأمية أنهم أمة ماكانوا يقرؤون ويكتبون بل كانت القراءة والكتابة عندهم عيبا كما في نصوص تاريخية عندنا , يقول أحدهم للثاني عندما اطلع عليه أنه يكتب قال لاتخبر أحداً فإنه عندنا عيب , مكة المكرمة مركز حضاري هام حتى في العصر الجاهلي لم يكن فيها إلا سبعة عشر رجل يقرؤون ويكتبون وأما على مستوى النساء فلم تكن هناك إمرأة واحدة تقرأ الكتب , والمدينة المنورة أحدى عشر رجل أيضاً وليس امرأة , أمة هكذا - أرسله الله وليس أحدٌ من العرب يقرأ كتاباً كما يقول أمير المؤمنين (ع) , بعث رسول الله (ص) وليس أحدٌ من العرب يقرأ كتاباً , هذا هو التصوير للبيئة الذي جاء فيها رسول الله (ص) و حامل معه كتاب الله , هذه الأمة التي ماكانت تفقه , كيف حصل فيها انقلاب علمي وحضاري كبير جداً , كيف حصل هذا الإنقلاب؟! , إنما حصل هذا الانقلاب لأن ثقافة الناس تبدلت بثقافة القرآن الكريم , هذا ماذكرته الآية المباركة: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ) , روايات تاريخية تقول أنهم أصبحوا يتصارعون لتعلم كتاب الله حتى أن معلماً واحداً , وهو الضحاك بن مزاحم وذات مرة : كان يدرس تلامذته على ظهر حمار لكثرتهم أحصي عدد التلاميذ فوجدوا  أنهم قد بلغوا ثلاثة آلاف تلميذ يتعلموا القرآن عند واحد مثل الضحاك بن مزاحم في تلك الأزمنة, فتصور هذا العدد في زماننا كم هذا العدد ضخم , في تلك الأزمنة التي كانت فيها النفوس قليلة - ثلاثة آلاف تلميذ , وفي نفس الزمن أبو الدرداء كان يدرس ألف ومئة طالب في القرآن الكريم وهو صاحب أمير المؤمنين عليه السلام , هذا التهافت من قبل الناس على كتاب الله هو الذي أحدث الانقلاب عندهما .

هذا معناه أن هذا الكتاب يحمل قيم عظيمة , القرآن عبر عنها بالنور ؛ لأن الأمة والمجتمعات من دون القرآن تعيش ظلام معرفي وعلمي , القرآن هو الذي يضيء سماء تلك المجتمعات , هذا القرآن العظيم - النور, الله سبحانه  وتعالى ما أنزله في أي وقت وإنما أنزله في شهر رمضان خصيصاً وفي أفضل ليلةٍ من شهر رمضان , هذا يكشف لنا أن هناك علاقة وثيقة بين شهر رمضان وبين القرآن , يعني شهر رمضان محطة لتحرير عقل الإنسان وروحه , ولهذا تم إختيار شهر رمضان ليكون مكاناً لنزول كتاب الله , كتاب الله طاهر ومن جهة طاهرة وهذا الطاهر لايستوعبه إلا مكان طاهر, أطهر محطة مكانية وزمانية أو لنقل زمانية لاستيعاب كتاب الله هو شهر رمضان. هذا ماذا يعلمنا؟ هذا يعلمنا أن شهر رمضان له علاقة وثيقة جداً بكتاب الله , وبالتالي ينبغي أن يستفاد من شهر رمضان محطة لفهم ذلك النور العميق المودع في كتاب الله , وأفضل محطة لتعلم كتاب الله هي شهر رمضان ؛ لأنه يوجد علاقة خفية بين الطرفين .

- سماحة الشيخ / انطلاقاً من هذه العلاقة ( شهر رمضان و القرآن الكريم) مالعوامل المؤثرة للصوم في تزكية النفس وتطهيرها من الذنوب وإلى أي مدى يمكن للصائم الإستفادة منها؟

لاحظ سأجيب إجابةً سريعة عن هذا ثم أشرح المقصود, يمكن ترويض النفس وتربيتها في شهر رمضان بمراعاة شيء واحد وهو آداب الصيام وليس أحكام الصيام, كيف؟

لاحظ كل تشريع عبادي له أحكام وله آداب , الأحكام تتعلق بجانب الإجزاء , والآداب تتعلق بجانب القبول . إحراز أهداف ذات التشريع العبادي إنما يكون بالآداب وليس بالأحكام , مثلاً: الصلاة تشريع عبادي لها هدف, الهدف هو: تنهى عن الفحشاء والمنكر , الصلاة لها أحكام , لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب هذا حكم , لا صلاة إلا بطهور هذا حكم , والركوع والسجود هذه كلها أحكام . وهذه الأحكام تفيد في الإجزاء يعني إذا جاء بها الإنسان كما هي يقال بأن عمله مجزئ , وبالتالي لا يجب عليه القضاء , مادام أنه أتى بالإجزاء هذا , مادام جاء بالحركات والأحكام فبالتالي عمله مجزئ , لكن قد لا يكون مقبولا عند الله - لماذا؟
لأنه لم تراعى في الأداب , لابد أن تراعى آداب الصلاة في الصلاة حتى يكون مقبولة عند الله , الآن لاحظ مثلاً عندنا في الروايات (شارب الخمر تحبس أعماله أربعين يوماً) وفي رواية (لاتقبل أعماله أربعين يوماً) افترض أنه شرب الخمر يوم الأحد وذهبت السكرى ويوم الخميس جاء يصلي من بعد ثلاثة أيام من شرب الخمر , إذا صلى الصلاة بأجزائها وبشرائطها وسئل الفقيه في ذلك فيقول  لايجب عليه القضاء فصلاته صحيحة , ولكن هذه الصلاة غير مقبوله عند الله , لماذا غير مقبوله عند الله ؟ لأنه لم تراعى فيها الآداب .

الصيام كذلك له آداب وله أحكام , إذا الإنسان أمسك عن الطعام طوال هذه الفترة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس , لايجب عليه القضاء , لكن قد يكون صومه غير مقبول عند الله , كيف؟ إذا لم يراعي الآداب .

لهذا النبي (ص) قدم طعاماً لجاريتين كانتا تغتابان جاريةً أخرى , قدم لهن الطعام قالتا له: يارسول الله نحن في شهر الصيام, قال: لاصيام لمن يأكل في لحوم الناس , انظر هذا مخصوص بالآداب ولهذا خطبة النبي (ص) مفصلة ليس فيها ذكر لحكم واحد من الأحكام , وإنما خطبة النبي (ص) خاصة بشهر رمضان أنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة , كلها تفاصيل لآداب الصيام وليس للأحكام , مالغرض من آداب الصيام؟ الهدف هو تحقيق أهداف الصيام , كما في الآية (لعلكم تتقون) (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) - (لعلكم تتقون) يعني  تزكية النفس وتطهيرها و ترويضها , هذا الهدف إنما يتحقق بمراعاة آداب الصيام لا الأحكام .

وآداب الصيام بعضها فردية أو اجتماعية , يعني لاحظ عندنا في الصلاة على محمد وآل محمد , قراءة القرآن , صلة الأرحام , توقير الكبير , رحمة الصغير , هذه الأشياء المذكورة في خطبة النبي (ص). يمكن للإنسان أن يروض نفسه ويطهرها إذا نظر في هذه الآداب التفصيلية ورآها بشكل دقيق في شهر رمضان تلقائياً يحصل عليه تحول على المستوى النفسي , الآداب وليس الأحكام .

إذن, ماهي مشكلة الناس ؟ مشكلتهم أنهم يدققون في  الأحكام , ولكنهم يغفلون الآداب .

- طيب – من وجهة نظركم سماحة الشيخ, هذه مسؤولية من؟ هل هي مسؤولية الفرد نفسه أم هي مسؤولية العلماء ؟

مسؤولية العالم أن يبين هذه الآداب للناس ومسؤولية الناس أن يلتزموا بها في حياتهم ؛ لأن العالم لا يحصل هذه الأمور في حياة الناس وإنما يبين هذه الأمور لعامة الناس , تحصيلها مطالب به الإنسان بنفسه .

- سماحة الشيخ, هناك حديث متجدد حول حالات من الضياع الروحي, أمام هذه الحالات: كيف نجعل من الصيام مؤسسا لصياغة حالة نفسية مطمئنة ليس في قاموسها يأس و لا قنوط ولا قلق و لا خوف؟

أنا أقول يقدمها وبجدارة فائقة أيضا - هذه الحالة يمكن أن نعبر عنها بالإحباط النفسي ,التي عبرت عنها بالنفس المطمئنة - الإحباط النفسي الذي يولد القنوط والقلق واليأس والذي يترجم عملياً في شكل عقد تشاؤمية أو حتى في الانتحار .

شهر رمضان محطة عميقة جداً للقضاء على الإحباطات النفسية , لكن كيف؟ النصوص الشرعية وضعت لنا علاجين للإحباطات النفسية , و سأركز على العلاج الثاني .

العلاج الأول: الإيحاء والمقصود بالإيحاء: ما أشارت به الروايات بحديث النفس , لاحظ نحن عندنا في النصوص خطان لحديث النفس في الروايات , خط يقول في حديث النفس في الأمور العقائدية الباطلة , بمعنى أن الإنسان يحدث نفسه يعني بدون أن يتكلم - بينه وبين نفسه يخطر عليه أن الله غير موجود مثلاً أو النبي ليس نبياً وهكذا..

هذا مادام خاطر في النفس فقط وهو حديث النفس لايؤثم عليه الإنسان  (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) هذا الطائف الشيطاني هو هذا, وهذا حتى الأنبياء يمر عليهم , ثلاثةٌ لم ينجوا منها نبي فما دونه , واحدٌ منها: التفكير في الوسوسة في الخلق , هذا ليس محل البحث .

ثانيا: حديث النفس لاحظ هذا , سنذهب للعلاج الأساسي , ماهو حديث النفس؟ حديث النفس هو الإيحاء , كيف؟

عندنا في موردين ورد حديث النفس , في الزنا والفقر , من حدث نفسه بالزنا زنا , ومن حدث نفسه بالفقر افتقر , إذاً ماهو حديث النفس؟ هو الإيحاء , هذا الإنسان يوحي لنفسه بشيء , هذا حديث النفس مذموم , نحن نقول بالعكس , نقول أن حديث النفس بالخير محمود , أن تحدث نفسك بالعفة , تصير عفيفاً , تحدث نفسك بالغنى تصير غنياً , من هنا يأتي الحديث عن الإحباطات النفسية , الذي يوحي لنفسه أنه محبط يصاب بالإحباط , بينما الذي يوحي لنفسه أنه منطلق وناجح ولا إحباط لديه وأنه متفائل يصبح متفائل , وهذا الرواية التي أشارت إليه يوجد مقطع روائي (مارام امرئ شيئاً إلا وصل له أو دونه)  رام: يعني هدف لشيء أو تطلع لشيء  لكن هو عندما يتطلع لشيء يتطلع يعني يكون استشاري في جراحة القلب مثلاً و عندما يتطلع فإنه قد حدث نفسه , هذا حديث النفس يتعمق عنده ويصل إلى الهدف فيما بعد , أو قد يصل إليه أو دونه , هذا العلاج لكن أنا أعتقد هذا مقدمة للعلاج , العلاج الأساسي ماهو؟ - الله - هذا هو العلاج , وأفضل محطة للعلاقة مع الله شهر رمضان , كيف يكون ذلك؟

لاحظوا , القرآن الكريم قال لنا أن لا مخرج من الغم والهم أي الإحباطات النفسية إلا الله (العلاقة مع الله)  كما قال تعالى )فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) , لو أنه فكر في طريق آخر غير الله لبقي في بطن الحوت أي أن أصبح بطن الحوت قبراً له ومات فيه , حسناً ماهي مشكلة ذي النون؟ مشكلة ذي النون ليس أنه موجود في بطن الحوت ولا يهمه يكون بطن الحوت أو غيره , مشكلته الغم ؛ لأنه شعر أنه أذنب, لهذا الله سبحانه وتعالى ابتلاه , (فالتقمه الحوت وهو مليم) يعني وهو يلوم نفسه ؛ لأنه تعجل في الدعاء على قومه يعني ترك الأوْلى فالله عاقبه بذلك  فصار يلوم نفسه , لماذا أنا فعلت هذا؟  هذا غم كان عنده .

لم يقل لنا الله: نجيناه من بطن الحوت بل قال ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات – لاحظ فقط الله - أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) (فاستجبنا له ونجيناه من الغم) ليس من بطن الحوت بل من الغم , أخرجه إلى خارج بطن الحوت فما لبث أن ذهب الغم , (وكذلك ننجي المؤمنين) يعني الذي يعتمد نفس المنهج في النهاية, فالله سبحانه وتعالى ينجيه من الإحباطات , ولهذا قال تعالى:(ألا بذكر الله تطمئن القلوب) هذا المبدأ التمسك بالله , العودة لله , هذه تزيل الإحباطات كلها , نحن نأخذه بناءً على الإيمان والتسليم , لكن هذا له تحليل علمي .

قبل أيام قرأت تحليل علمي لطيف: دراسة هولندية لباحث هولندي غير مسلم , أجرى دراسة تطبيقية عملية لمجموعة من المرضى النفسانيين من المسلمين ومن غير المسلمين , على مدى ثلاث سنين أتى بهذه العينات على مدة ثلاث سنين , هل تعرف ماهي النتجة الذي وصل إليها؟ اكتشف أن لفظ الجلالة (الله) المداومة عليه تزيل الإحباطات النفسية وقدم إليها تحليل , ولدي مقطع من هذه الدراسة .

قدم لها تحليل أن الـ ( أ ) لها أثر على المستوى النفسي , والـ( ل ) إذا اللسان ضرب بالقسم العلوي من الفم هذا له أثر على النفس , وبعد ذلك التأوه (الله) خروج الهاء , الحروف الثلاثة (الله) هذه لها أثر علمي , نحن لسنا منتبهين لها, لكن إذا انتبهنا لها فإن ذلك يعمق عندنا اليقين, نحن من البداية أخذناه بالتسليم , أقول العودة إلى الله سبحانه وتعالى هو الذي يزيل الإحباطات النفسية من قلب الإنسان , وأفضل وقت و محطة للعودة إلى الله هو شهر رمضان . ولهذا برامج شهر رمضان كلها برامج ربانية , والنفس مهيأة لذلك , لاحظ أن الإنسان تلقائياً يتوجه لهذا الاتجاه.

 في بعض التقارير الميدانية تقول - أنه أيضاً في بعض الدول - الجيل الشاب الذي يستهين فيها بالصلاة على مدار السنة تمتلئ المساجد من الجيل الشاب حتى في منتصف الليل في هذه المناطق خلال شهر رمضان, يعني هذه النفسية المهيأة يمكن إذا ارتبطت بالله سبحانه وتعالى فهذا يعمق عنده الحالة الروحية, الحالة الروحية الإيجابية التي تنتج النفس المطمئنة وتزيح القلق والاكتئاب وغير ذلك من الآثار النفسية .

- سماحة الشيخ, كيف السبيل للإستثمار النوعي لشهر رمضان في مجال تنمية الرابطة الإجتماعية و الإرتقاء بالعمل الخيري في المجتمع ؟

هذا سؤال محوري جدا, هاتين المسألتين هما لب في شهر رمضان – سأجيب على هذا السؤال بحادثتين  من حياة الإمام زين العابدين عليه السلام ترتبطان بشهر رمضان, المسألة الأولى هي مسألة العلاقات الأسرية العائلية وما إلى ذلك , التي شهدنا في السنوات الأخيرة أن فيها نوع من الفتور.

المسألة الثانية هي قضية البرامج الخيرية و التكافل الاجتماعي وما إلى ذلك , وهذا سيرجعنا للحديث عن الآداب وليس الأحكام.

المسألتين المذكورتان هنا ترتبطتان بقسم الآداب , في الحديث عن الآداب آداب الصيام هناك تركيز شديد على هاتين المسألتين , (اتقوا الله ولو بشق تمرة) لها علاقة بهذا البحث .

لاحظ كيف نستفيد من شهر رمضان لتعميق هاتين الحالتين؟

الله سبحانه وتعالى في الأصل - لماذا شرع الصيام؟  

طبعاً دعنا نقول أن هذا من حكم الصيام وليس ضروري أن نقول من علل الصيام - العلة عند الله تعالى ,  لنقل من الحكم (ليذوق الغني مرارة الجوع عند الفقير) هذا في الروايات , يعني ليتحسس الغني أي الإنسان المقتدر الحاجة عند الآخرين , هذا التحسس هو المنطلق للأعمال الخيرية, إذا لم يوجد تحسس فلن نجد انطلاقة للأعمال الخيرية , شهر رمضان يولد هذا الحس عند الإنسان ؛ لأنه لو يبقى طول عمره في حالة شبع, فلن يحس بجوع الآخرين لكن شهر رمضان يشعره بمرارة الجوع فيبدأ بأن يتحسس الآخرين , ولاحظ أن  هذا يحتاج لنماذج .

الإمام السجاد (ع) قدم لنا نموذج , عندنا في الرواية و هذا مصداق من مصاديق العمل الخيري في شهر رمضان , في كل سنة - الإمام السجاد (ع) و في شهر رمضان وحتى يبين لنا أن شهر رمضان هو شهر التكافل الاجتماعي وشهر الأفعال الخيرية , ليس شهر الإمساك عن الطعام فحسب , الإمساك عن الطعام طريق وليس موضوع, طريق يشعرني بالحاجة حتى أندفع للأعمال الأساسية , الكل لابد أن يفعله حتى نشعر بأن الموضوع هام , انظر كيف يفعل الإمام (ع) كل سنة في شهر رمضان يأمر يومياً بذبح شاة ثم يأمر بطبخها ثم يأتي يقول ضعوا في القدور , يوجد إشارات أنه حتى الإمام (ع) يشم الرائحة , يوجد لدينا في الروايات إشارات أن الإنسان من الجيد أن يقترب من هذه الأماكن حتى يشعر أكثر بالجوع , يأتي و يمر بالمطبخ يشم الطعام لأن هذا يشعره بالجوع أكثر , ثم إذا جاء العصر يقول الإمام (ع) صبوا في القطع , صبوا لآل فلان ولآل فلان .. ولا يبقي من الشاة ولا من مرقها شيئاً أبداً ويوزعه كله على الناس ثم يكون الخبز واللبن إفطاره .

هذا الموقف عند الإمام (ع) هو موقف يحفز المؤمنين على فعل الخيرات وكل مرحلة زمنية وكل مكان له حاجة , هذا معناه أنه نتحسس حاجات الآخرين , بعض الأحيان حاجات الآخرين ليس الأكل وإنما حاجات الآخرين أمور أخرى , فكل مرحلة لها ظروفها , فبعض الفقراء المحتاجين يقولون نحن لا نريد رزا أو لحما , أن ما يصلني يكيفني  , لكن أنا لدي حاجة ثانية , عندي أولادي يحتاجون إلى كتاب للمدارس وبناتي يحتاجون عبائات , عندي مريض يحتاج إلى العلاج , شهر رمضان محطة لترويج فعل الخيرات أي الأعمال الخيرية , بسبب أنه يخلق حالة من التحسس عند الإنسان لحاجات الآخرين .

الجهة الثانية : شهر رمضان أيضاً محطة للتكاتف الاجتماعي , لتقوية البناء الأسري , لكن نحن دائماً نضرب في الجذور!

ماهي أسباب التفكك الأسري ؟ أتعلم أن سبب التفكك الأسري هو الجفاء؟! نعم, وهو الخشونة وغياب روح التسامح. هذا كيف يحدث؟

يحدث من خلال مشاهد معينة, مواقف بسيطة تصير من البعض, هذه المواقف تبقى جاثمة على صدورهم فتخلق بينهم جفاء, هذا قال كلمة , هذا نظر نظرة , هذا تصرف تصرفاً , هذا كذا.. , هذا مع الزمن يولد جفاء وتباعد بين الأسر, وإذا تريد أن تكتشف الأمر, إعمل دراسة ميدانية على حالات التباعد الأسري فتجد أن أغلبها أن هذا قال كلمة و هذا تصرف تصرف و هذا فعل كذا , ليس فقط الانشغالات وليس هي وراء هذا كله, لأن إذا كان هناك ترابط عميق حتى الانشغالات لاتمنع الناس عن التواصل .

- برأيك سماحة الشيخ, كيف يؤثر أو يؤسس شهر رمضان لإستعادة روح التسامح بين أفراد الأسرة وأفراد المجتمع ؟

أحسنت, هذا هو الذي نجده في الخطابات النظرية والعملية لأهل البيت (ع) وأريد أن أرجع إلى الآداب, تلك الآداب التي يحثون عليها  أهل البيت (ع) في شهر رمضان لتعميق روح العفو والتسامح .

دعنا نعود إلى الإمام زين العابدين (ع), الإمام زين العابدين (ع) يعلمنا حيث يقول انظروا هذا شهر رمضان , تصرفوا بهذا الشكل, في الرواية إذا دخل شهر رمضان ماكان الإمام السجاد (ع) يعنف عبداً ولا أمة, وإنما كان يكتب أخطاءهم في قرطاس , فيحسبون أن الإمام (ع) سوف يعاقبهم بعد شهر رمضان , فإذا جاء آخر يوم من أيام شهر رمضان, يجلس الإمام على مصلاه ويدعو العبيد والإماء كلهم و يجلسهم بجانبه , ويلقنهم كلمات ويطلب منهم ترديدها , يقول (اللهم هؤلاء عبادك وإماؤك قد ملكتني رقابهم وقد أذنبوا عليَّ فعفوت عنهم فاعفوا عني كما عفوت عنهم ) ثم يقول لهم قولوا عفونا عنك يا علي بن الحسين , هم الذين أجرموا فيقولوا كلهم عفونا عنك ياعلي بن الحسين , هم عفوا والإمام (ع) يكافئهم .

يقول اللهم إني أعتقت رقابهم فاعتق رقبتي من النار, ثم يقول لهم قولوا اللهم اعتق رقبة علي بن الحسين من النار فيضجوا ويقولوا هذا الكلام , فجزاءً لدعائهم له يوزع عليهم مبالغ مالية كبيرة حتى لايحتاجون للناس ومقابل هذا يطلب من الله سبحانه وتعالى الجنة.

أنظر هذا الموقف الرائع متى يفعله الإمام؟ نجده يفعله في غير شهر رمضان, لكن في شهر رمضان يفعله بتركيز أكبر على الخصوص. من أجل ماذا؟!

حتى نتعلم نحن أن شهر الصيام هو شهر العفو والتسامح , ولهذا عندنا في خطبة النبي (ص) (من وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه , ومن قطع في رحمه قطعه الله من رحمته يوم يلقاه) لماذا هذا يصل رحمه ؟ لأنه متسامح , لماذا هذا يقطع رحمه ؟ لأنه غير متسامح .

فإذن شهر رمضان هو شهر العفو كما أنه شهر التكافل الاجتماعي .

- سماحة الشيخ, في موضوع صلة الرحم - كيف ينبغي لنا تفعيل صلة الرحم كمفهوم تعبدي من خلال عبادة الصيام ؟

لاحظ , هذا السؤال ينبغي أن أوضح فيه نقطة والنبي (ص) أجابنا على هذه النقطة في الخطبة التي أشرت إليها والتي قرأت المقطع فيها الآن  , كيف؟

الله سبحانه وتعالى بين لنا أن الأحكام فيها مايتعلق بالفرد وفيها مايتعلق بالمجتمع, الصلاة حكم فردي, الأحكام الفردية لها أهداف .

ماهي أهداف الأحكام الفردية؟ صيانة نفسية الإنسان , المحافظة على نفسية الإنسان ولهذا تنهى عن الفحشاء والمنكر .

الأحكام الاجتماعية - ماهو هدفها؟ المحافظة على الحالة الاجتماعية بين الناس, ولهذا القرآن الكريم عندما حدثنا عن صلة الرحم وهو من الأحكام الاجتماعية, ماذا قال؟ في ثلاث آيات أكد على الإفساد في الأرض يعني أكد لنا أن قطيعة الرحم تؤدي إلى الإفساد في الأرض , إشاعة الفساد يعني اختلال النظام الاجتماعي (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض فتقطعوا أرحامكم) يعني قطيعة الرحم هي نوع من الإفساد في النظام الاجتماعي في المجتمع المؤمن .

الله سبحانه وتعالى لم يجعل الأحكام الفردية بمعزل عن الأحكام الاجتماعية , وإنما جعلها متداخلة ولهذا من يقصر في الحكم الاجتماعي لا يقبل منه الحكم الفردي , من الأحكام الاجتماعية: بر الوالدين. جاء رجل للنبي (ص) قال له ما حق الوالدين؟ قال: هما جنتك ونارك .

معنى ذلك أن من جاء يوم القيامة عاقاً لوالديه صلاته لاتقبل منه , هذا معناه أنه يوجد ترابط بين الأحكام الاجتماعية والأحكام الفردية , من جاء يوم القيامة صائم ولكنه كان قاطعِ لرحمه , لايقبل منه صوم بدليل هذه الرواية عن الإمام السجاد (ع) وإن الإنسان ليرى بسبيل خير يوم القيامة, يعني تجاوز كل العقبات , يسألوه عن الصلاة, فصلاته صحيحة, وعن الصوم صحيح, كل شي صحيح... , لكن بقي له عقبة الأرحام فيجد أن لديه  مشكلة في هذا الجانب , يقول وإن الإنسان ليرى بسبيل خير ,فيتبقى له صلة الأرحام فيسئل عنها, يقول تأتي إليه رحمه التي قطعها فتأخذه وتهوي به إلى أسفل قعر النار .

معنى هذا أنه يوجد علاقة بين الأحكام الاجتماعية والفردية , رسول الله (ص) في الخطبة بين لنا  أن من شروط صحة الصوم وقبوله هو صلة الأرحام , ولهذا قال من وصل فيه رحمه, وصله الله برحمته يوم يلقاه – هذا في شهر رمضان طبعاً, من وصله في الحكم العبادي الفردي, ولكن ومن قطع فيه رحمه قطعه الله من رحمته يوم يلقاه.

وهذا يبين لنا الترابط الدقيق بين الأحكام الاجتماعية والفردية , لهذا نحن ينبغي لنا أن نعلم في سؤالكم كيف - نعلم أن من مفهوم الصيام ليس له مفهوم ضيق, أي الإمساك عن المفطرات, لا وإنما له مفهوم أوسع, وهو الالتزام بالأحكام الاجتماعية في شهر رمضان وعلى رأسها بر الوالدين وصلة الأرحام , فإذا أدركنا بأن هذا من شروط قبول الصوم فطبيعياً في شهر رمضان سنبالغ في الاهتمام بالأرحام .

  • - جميل جدا سماحة الشيخ, جوابكم يؤكد على مسألة قبول الصيام على الرغم من هذا التعب والعطش والجوع والالتزام كحكم تعبدي أو حكم شرعي لن يتم قبول هذا العمل الكبير سواء كان يوماً أو شهراً كاملاً إلا بتفعيل هذه الآداب وممارستها, مثلاً صلة الرحم كأساس تؤثر على مسألة القبول من عدمه لصوم شهر رمضان, أليس كذلك؟.

أحسنتم, نعم هي من شروط قبول العبادات الفردية.

  • - سماحة الشيخ, ليلة القدر- ليلة عظيمة, كيف نتهيأ بما يليق بمنزلتها وجعلها محطة للتغيير و التصحيح الإيجابي سواء كان على المستوى الفردي أم على المستوى الاجتماعي ؟

أنا أنقل لك مقطعين من الروايات. المقطع الأول:عن النبي (ص) والمقطع الثاني: عن الزهراء(ع).

أما عن المقطع الأول فهو أن النبي (ص) في العشر الأواخر وعلى رأسها ليلة القدر, كان يطوي فراشه ويتحزم, يشد مئزره ويتفرغ للعبادة طوال الليل .

أما المقطع الثاني عن السيدة فاطمة الزهراء (ع) كانت تأمر أبناءها بالنوم نهاراً في الظهيرة حتى يقووا على القيام في ليلة القدر, لماذا؟ لأن ليلة القدر ليلةٌ مصيرية لايمكن للإنسان أن يمر عليها هكذا عبثاً وإنما أقول مصيرية لقوله تعالى في سورة القدر (خير من ألف شهر) يعني ليلة واحدة خير من عمر الإنسان كله لأن ألف شهر يعني ثلاث وثمانين سنة وقليل من بعض الأشهر, فليلة القدر خير من عمر الإنسان كله , ومعنى ذلك أنها محطة لصناعة مصير الإنسان

ينبغي أن نستفيد من ليلة القدر لصياغة المصير الإنساني في جميع جوانب الحياة.

- سماحة الشيخ, كيف يمكن أن نستفيد منها و كيف يتم لنا ذلك؟

 نستفيد منها بأسلوبيْن:

الأسلوب الأول يرتبط بالروح  , والأسلوب الثاني يرتبط بالعقل , لأن مصنع حياة الإنسان هو العقل والروح .

أما ما يرتبط بالعقل فهو ما يغفله الناس غالباً ليلة القدر, إلا بالأساليب العفوية وهو الإهتمام بالعلم والمعرفة بمدارسة العلم والمعرفة, هل تعرف أن الذي يصوغ حياة الإنسان ماهو؟ هو العلم , ولهذا أول أمر أُمر به النبي (ص) ومن خلاله أمر الناس به هو العلم (إقرأباسم ربك الذي خلق) أول شيء أُمر به وأمر به التعلم لأن المجتمع الجاهل لايمكن أن يصلح, لابد أن يتعلم (يسبح لله مافي السماوات ومافي الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) لأن إذا علمهم الكتاب والحكمة لن يكونوا في ضلال مبين , هل تعلم أن ليلة القدر هي من أهم المحطات العلمية , عندنا في مفاتيح الجنان - الشيخ عباس القمي أشار إلى هذه النقطة المهمة , قال أن مدارسة العلم في ليلة القدر أفضل أنواع الأحياء يعني أفضل من الصلوات وقراءة القرآن وغيرها في هذه الليلة.

لماذا؟ هذا ليدفع النفس لمدارسة العلم في ليلة القدر, في ليلة واحدة لايمكن أن يدرس الإنسان كل علوم المعارف لكن في هذه الليلة إذا جاء يدارس في ليلة القدر مع علمه أنها ليلة مصيرية ستكون المواد التي يبحثها هي قضايا مصيرية بالنسبة إليه, وبالتالي سيتدارس الأمور المصيرية وليس الأمور السطحية, يعني يأتي ليتدارس مسألة فقهية في أحكام الصلاة وغيرها , إذا كان يدرك عمق ليلة القدر ستصبح المدارسة عميقة.

الشيء الثاني الذي يرتبط بالروح وهي إحياء الروح بالعبادة, ليلة القدر هي ليلة العبادة والتضرع , لهذا نحن في ليلة القدر إذا فهمنا معناها وأنها ليلة مصيرية ترتبط بمصير الإنسان في الحياة لأعطيناها حقها من شد المئزر كما فعل النبي (ص) شد المئزر بالإهتمام بالجانب الروحي والجانب العقلي وهذا سيؤدي لصياغة الإنسان صياغةً سليمة وقوية .

سماحة الشيخ لايسعني في نهاية هذا اللقاء إلا أن أتقدم لك بالشكر الجزيل على إتاحة الفرصة لتناول هذا الموضوع الرمضاني.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.069 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com