الاستاذ فؤاد نصر الله - 28/07/2008ظ… - 8:15 م | مرات القراءة: 2171


لاشك أن يوسف شاهين فنان عربي كبير مثير للجدل ، لكنه في نفس الوقت مخرج لديه مشروعه الخاص وتجربته الطويلة الممتدة التي تعلن عن نبوغ مبكر، وقدرة لا يمكن أن تغفل عن مشاكسة الواقع ومساءلته ، وهو واحد من الفنانين الذين انطلقت شهرتهم من المحلية إلى العالمية

لاشك أن يوسف شاهين فنان عربي كبير مثير للجدل ، لكنه في نفس الوقت مخرج لديه مشروعه الخاص وتجربته الطويلة الممتدة التي تعلن عن نبوغ مبكر، وقدرة لا يمكن أن تغفل عن مشاكسة الواقع ومساءلته ، وهو واحد من الفنانين الذين انطلقت شهرتهم من المحلية إلى العالمية .
كان يوسف شاهين حريصا في كل مرة يقدم فيها فيلما جديدا أن يبث رسالة ما للمتلقي بشكل يجمع فيها الجمالي بالفكري وكان لهذا السبب نفسه يثير النقاش حول فرضياته الفنية ونزقه الجمالي خاصة أنه واحد ممن يؤمنون بالتجريب ، وفكرة التجاوز والتخطي ، وتحطيم النسق المستقر .
رحلة يوسف شاهين مع الفن طويلة وثرية ، وتجربته الحياتية ضمنها الكثير من أفلامه الأخيرة فهو يؤمن بالصدق الفني ولا يجد غضاضة في أن ينقل شذرات من معاناته مع واقعه في نسيج أفلامه ، وهناك نغمة مائزة في أفلام يوسف شاهين ، نعثر عليها في أغلب ما قدمه في العشرين سنة الأخيرة ، ونعني بها حنينه الدائم إلى مسقط الرأس ( ولد بالأسكندرية في 25 يناير عام 1926) ، وهو مخرج له مدرسة خاصة كما أنه صاحب فضل كبير على عدد من الممثلين والممثلات الذين تتلمذوا على يديه ونجح في أن ينقل شيئا من قناعاته الفنية إليهم كما عضد مسيرتهم فيما بعد .
يوسف شاهين مر بأكثر من مرحلة ، وكل مرحلة لها تشكيلاتها الجمالية وتصوراتها الفكرية الواضحة فهناك أفلام الحركة كما في " صراع في الوادي "(1953) وفيها مناقشة ذكية لقضايا الفلاحين وصراعهم مع الإقطاع ، و" صراع في النيل" ( 1956) وطرح قضايا العمال في هذا الوقت المبكر ثم رأيناه يخوض الرومانسية بنجاح كما في أفلام : ودعت حبك (1956) ، أنت حبيبي (1957) ، حب إلى الأبد (1959) ، بين إيديك (1960) ، نداء العشاق (1960) ،بعدها كان رسوخه مع التيار الواقعي متمثلا في أفلام مثل " باب الحديد" (1958) وهو الفيلم الذي مثل فيه ولم يحقق نجاحا جماهيريا غير أنه أعتبر فيما بعد واحد من كلاسيكيات السينما العربية ، وفي نفس التوقيت جاء فيلمه المهم " جميلة الجزائرية " ( 1958)، وهو فيلم يعبر فيه عن وقوفه مع كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي من خلال قصة مثيرة ، إضافة إلى تجارب مع النسق التاريخي وجدناه في أفلام مثل " الناصر صلاح الدين " ( 1963) ، وهناك فيلمه " الناس والنيل " (1967) ، هو من الأفلام المشتركة مع السوفيت ويتحدث عن مشروع بناء السد العالي ، وهو إنتاج أقلق المسئولين التنفيذيين ولم يكتب له النجاح ، ثم نجد انعطافات نحو الواقعية الاشتراكية كما في " الأرض" ( 1970) وهو عمل لفت إليه الأنظار بقوة نظرا لخطابه الجمالي الناصع ، ومثل فيلم "الإختيار" (1970) وفيه مناقشة أوضاع المثقفين وانكساراتهم النفسية الملحوظة لكنه تجاوز ذلك ليقدم أفلاما تعد شهادات على العصر مثل فيلم " العصفور " (1974) ، وهو يقدم فيه مرثية شديدة العذوبة للمرحلة الناصرية ويبسط خلال سير الأحداث أسباب الهزيمة المروعة التي حدثت في 5 يونيو 1967 ومدى انعكاسها على الشارع ، بعدها يميل شاهين إلى تقديم أفلام يضفر فيها سيرته الذاتية بتسجيل ما يمور به المجتمع المصري من تحولات جذرية كما في ثلاثيته الشهيرة : " عودة الابن الضال (1976) ، إسكندرية ليه؟ (1979) ، حدوتة مصرية (1982) ، وهي أفلام وجدت من يعارضها لكنه كان قادرا على الدوام أن يقنع أبطال أفلامه أنهم يقدمون معه أهم أدوارهم ، وهذه حقيقة لكنه في أحيان كثيرة كان ينقل للفيلم قلقه الوجودي ونزقه الفني وتطلعاته كي يقترب من الأفلام العالمية بإجادة التقنيات الفنية التي كان بمقدوره أن يسيطر عليها فعلا.
نجح يوسف شاهين أن يقتحم السينما العالمية بمجموعة أفلام أكدت حسه الفني بتحريك المجاميع ورشاقة الحوار ولغة الكاميرا التي كانت جاهزة طول الوقت لرصد كل إيماءة يبديها أبطاله. هذا ما حققه في مجموعة أفلام ذات قدرة عالية على تحقيق الدهشة لدى المتلقي مثلما نجد في : " وداعاً بونابارت " (1985) ، " اليوم السادس" (1986) ، "إسكندرية كمان وكمان " (1990) . هنا محاولة حقيقية لتقديم أساليب جديدة في الإخراج مع صياغات فنية عالية القيمة .
هناك من يتهم يوسف شاهين بأنه يتجه إلى التقدم خطوات واسعة باتجاه تكنيك مبهروأخاذ دون أن تصل الرسالة إلى الجمهورالعربي ، ناهيك عن الإبهار الذي يقصد لذاته ، وهو ما يجعل مشروعه متجها بكل ثقله نحو المتفرج الغربي بل من أجل إرضاء لجان التحكيم في المهرجانات الدولية قبل كل شيء .
والحقيقة أن شاهين كان منحازا بفطرته النقية للشرائح الفقيرة كما رأينا في بداية مشواره " ابن النيل " ( 1951)، وهو ما يتردد بقوة بعد ذلك في أغلب أفلامه ، وإن نحت لطرح تكنيك متقدم بعض الشيء عن السائد والمألوف .
بدأ يوسف شاهين يتحرر شيئا فشيئا من ضرورة تحقيق تواصل فني مع جمهوره المفترض فراح يقدم أعمالا تتسم بالحفر في جيولوجيا التاريخ العربي من خلال منظوره الشخصي كما في أفلام منها " المهاجر " (1994) ، " المصير " (1997) ، وقد أحدثت تلك الأفلام ردود فعل مختلفة خاصة بين النقاد الذين برروا قلقلها الفني ، وبين الجمهور الذي وجد قدرا من الغموض يؤطر تلك العروض .
وتواصلا مع حالات الغناء العربي المعاصر قدم مخرجنا الكبير عملا حظي بكثير من القبول هو " سكوت ح نصور " (2001) وكانت بطلته الفنانة التونسية لطيفة .
وكانت آخر أفلام يوسف شاهين " إسكندرية – نيويورك" (2004)،"هي فوضى " (2007) وهما فلمان لا يخرجان عن مجمل مغامراته الفنية حيث يتشكل الفيلم من خلال أفق تخييلي مشحون بالغرائبية في التناول ، والجرأة في معالجة الأفكار .
حاز يوسف شاهين على الكثير من الجوائز القيمة ، فبعد رجوعه من الولايات المتحدة ساعده المصور السينمائي ألڤيز أورفانيللي بالدخول في العمل بصناعة الأفلام . كان أول فيلم له هو " بابا أمين" (1950)، وبعد عام شارك بفيلم" ابن النيل " (1951) في " مهرجان كان " الشهير .
وفي عام 1970 حصل على الجائزة الذهبية من " مهرجان قرطاچ" . كذلك حصل على جائزة الدب الفضي في " مهرجان برلين" عن فيلم" إسكندرية ليه؟ " (1978)، وهو واحد من الأفلام التي تروي شطرا من حياته الشخصية ، أما الأفلام الثلاثة الأخرى فهي "حدوتة مصرية " (1982)، " إسكندرية كمان وكمان " (1990)، وأخيرا " إسكندرية - نيويورك " (2004).
في 1992 عرض عليه چاك لاسال أن يعرض مسرحية من إختياره لـ كوميدي فرانسيز، وقد إختار يوسف شاهين أن يعرض مسرحية " كاليجولا " للكاتب الوجودي الفرنسي ألبير كامو ، والتي نجحت نجاحًا ساحقـًا.
في 1997، وبعد 46 عامًا من حضوره في هذا المحفل العالمي ، حصل يوسف شاهين على جائزة " اليوبيل الذهبي " من مهرجان كان في عيده الخمسين عن فيلمه المثير للجدل " المصير " (1997)، بعدها منحته فرنسا مرتبة ضابط في لجنة الشرف عام 2006.
خليجيا تم تكريم يوسف شاهين في مهرجان دبي السينمائي 2007، وفي العديد من مهرجانات السينما العربية .
من المعروف أن شاهين ظهر كممثل في عدد من الأفلام التي أخرجها مثل " باب الحديد" ، و" فجر يوم جديد» و " إسكندرية كمان و كمان" ، و«اليوم السادس» ، ويبدو أن ظهوره الأخير كان في فيلم "ويجا" كشهادة مجاملة لتلميذه خالد يوسف . كان حضور يوسف شاهين في تلك الأفلام تسجيلا لصورته في أذهان معجبيه مثلما كان يفعل ألفريد هتشكوك في أفلامه .
رصدنا هذه السيرة الموجزة للفنان يوسف شاهين السينمائية بعد أن بثت أخبار غير مطمئنة عن إصابته بنزيف متكرر بالمخ ، ذلك يوم الأحد 15 يونيو 2008 حيث نقل علي متن طائرة إسعافات ألمانية خاصة إلي باريس حيث تم إدخاله إلي المستشفي الأمريكي بالعاصمة الفرنسية ليعالج حاليا على نفقة الدولة .
ودخل في حالة غيبوبة كاملة ، ثم فارق الحياة اليوم الاحد27/7/2008.
يوسف شاهين الذي بلغ من العمر 82 عاما كان يساءل واقعه دائما عن أسرار الواقع ، كانت ثورته مستمرة من أجل حياة أفضل ، وكان قلقه لا ينقطع على مصير البشرية كلها ، كما كان مشاغبا سياسيا ، ومعارضا لسياسات الحكومة المصرية كأحد الليبراليين الكبار لكنه في كل الأحوال كان يمثل قيمة فنية كبيرة.
لقد استسلم للسكون ،ولم يعد في إمكانه أن يتمرد على واقعه أو يثـّـوره كما كان يقول في أحاديثه التلفزيونية .
الحقيقة أن أفلام يوسف شاهين ستظل وإلى وقت غير منظور دليل قدرة فنية عالية على طرح الأسئلة ذلك كي يصبح الوجود محتملا ، وأجمل مما يريده أعداء الحياة !


 


 

 

 



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.081 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com