05/11/2006ظ… - 11:29 م | مرات القراءة: 1151


إذاً المرأة في شخصيتها وفي هويتها هي شخصية كاملة وجسدت هذا الكمال وعبّرت عنه. وانطلاقاً من هذا الفهم لشخصية المرأة في الحياة الانسانية، يمكن أن نقول بأن المرأة تتحمل المسؤوليات العامة في المجتمع الانساني،
بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً)( الاحزاب: 33).


يتركّز الحديث حول الواجبات والمسؤوليات التي يمكن للمرأة أن تضطلع بها في كل وقت، سواء من ناحية الظروف التي تحيط بواقعنا  الراهن، أو ناحية النصوص القرآنية وتلك التي وردت في  السنّة النبوية المطهرة، والتي يكاد يجمع على مضمونها المسلمون جميعاً مع قطع النظر عن تفاصيل تلك المضامين في هذا النص أو ذاك.
في مجمل النصوص الواردة في موضوعنا هذا، نرى أن الإسلام أكد كثيراً على شخصية فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ ودورها الكبير في الحياة الإسلامية، فمن خلال آية التطهير مثلت الزهراء ـ عليها السلام ـ المحور في هذه الآية الكريمة، فهي ابنة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وزوجة الامام علي امير المؤمنين عليه السلام، وأم الحسنين عليهما السلام، وهؤلاء الخمسة هم الذين نزلت فيهم آية التطهير هذه، وأكدها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لأمته في تلاوته ـ صلى الله عليه وآله ـ لها مرات عديدة على مسامع صحابته، حين كان يطرق باب فاطمة الزهراءـ عليها السلام ـ في رواحه ومجيئه من المسجد أو في ذهابه وإيابه من السفر، أو في المناسبات المختلفة، كان يطرق ـ صلى الله عليه وآله ـ الباب على فاطمة الزهراء وهو يتلو ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً).
هذا هو نوع من انواع التأكيد على شخصية الزهراءـ عليها السلام ـ المباركة، وكان الحال في آية المودة وآية القربى، وسورة الدهر، وآية  المباهلة، وغيرها من الآيات التي تتحدث عن اهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، نجد فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ هي المحور لكل هذه المضامين،  فعندما نتحدث عن المودة في قربى النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ نجد  أن  الزهراء ـ عليها السلام ـ هي أقرب الناس إليه صلى الله عليه وآله، وهكذا في جميع المناسبات.
وتأتي الاحاديث الشريفة الواردة عن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله، والتي رواها واثبتها الفريقان من الشيعة والسنة، تؤكد ذلك بحيث لا  يضاهيه تأكيد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله، إلاّ ما ورد عنه ـ صلى الله عليه وآله ـ في التأكيد على منزلة ودور بعلها علي عليه السلام، ومكانة ابنيها الحسن والحسين عليهما السلام.

 

فنجد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يقول: (( إن الله ليغضب لغضب الزهراء ويرضى لرضى الزهراء))، و ((الزهراء سيدة نساء العالمين))، (( فاطمة منّي يرضيني ما أرضاها ويغضبني ما أغضبها))، إلى غير ذلك مما جاء عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ في مقام التأكيد على هذه الشخصية.

 

تأکید الرسول صلی الله علیه و آله و سلم علی شخصية الزهراء

 

  هذا الأمر في الحقيقة يثير سؤالاً كبيراً هو: لماذا قام رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ بهذا القدر الكبير من التأكيد على شخصية الزهراء عليها السلام؟.
قد يفهم الإنسان منذ البداية سبب التأكيد الوارد من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ على شخصية الإمام علي عليه السلام; باعتبار أن علياً ـ عليه السلام ـ أُريد له أن يكون إماماً للمسلمين، وأن يأخذ هذا الموقع المتميّز بين المسلمين في هذه  الرسالة الخاتمة رسالة الإسلام، التي امتازت بوجود منصب الإمامة فيها.
وكذلك يفهم تركيز وتأكيد الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ بخصوص الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، باعتبارهما يمثلان امتداد هذه الإمامة، وباعتبار الدور العظيم الذي يمكن أن يقوم به هذا الإمامان في مستقبل الإسلام، كما قام فعلاً بهذا الدور الإمام الحسن ـ عليه السلام ـ والإمام الحسين عليه السلام، وهو من الأدوار المتميزة في حركة التاريخ الإسلامي.
لكن قد يبدو هذا الأمر غريباً بالنسبة إلى التأكيد بخصوص الزهراء عليها السلام، فهل هذه القصة هي مجرد تعبير عاطفي أصيل؟ أم كان وراء هذا التأكيد أهداف أُخرى مهمة وصالحة؟.
السؤال السابق طرحته لنتبين الدور المتميز الذي يراه الإسلام للمرأة في الحياة الإنسانية والمجتمع الصالح، واراد النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ومن قبله القرآن الكريم، في نصوصه الشريفة من التي أكدت على شخصية الزهراء عليها السلام، أن يجلي ويوضح هذا الدور في حياة المسلمين والانسانية بصورة عامة; لأن المرأة قبل الإسلام وفي كل الحضارات السابقة للاسلام، لم يكن لها مثل هذا الدور المتميز الذي رسمه الإسلام لها، سواء في الحضارات الوضعية المادية، كالحضارة الرومانية أو الحضارة الفارسية أو اليونانية، وغيرها من الحضارات التي شهدها التاريخ البشري، أو فيما وصلنا من الرسالات الإلهية الاخرى ايضاً، التي لا يبدو فيها هذا الدور للمرأة بهذه الصورة وهذا الوضوح.
القرآن الكريم مثلاً يتحدث عن دور متميز لنساء مهمات في التاريخ الانساني، من قبيل دور امرأة فرعون آسية بنت مزاحم، ودور السيدة مريم بنت عمران عليها السلام، التي تحدث عنها القرآن الكريم بحديث الاصطفاء والتطهير والموقع الخاص، ولكن يبقى هذا الحديث فيما عرضه القرآن حديثاً يرتبط بالسلوك الشخصي لمريم عليها السلام، وتكاملاتها المعنوية الروحية، وكذلك في السلوك الشخصي والموقف الرسالي ذي الطابع الشخصي لآسية امرأة فرعون.

 

  أما الزهراءـ عليها السلام ـ فإن لوجودها ودورها ـ من خلال نظرة الإسلام وتأكيداته ـ أبعاداً اوسع بكثير من هذا البعد، الذي يمكن أن نراه في  شخصية السيدة مريم عليها السلام، من خلال ما تحدث عنها القرآن الكريم، أو نراه في شخصية آسية من خلال ما تحدث عنها القرآن كذلك.
فالزهراءـ عليها السلام ـ حينما يصفها النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ بأنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، على ما ورد عنه صلى الله عليه وآله، يراد من ذلك اعطاء وتقديم الأبعاد المتعددة في هذه الشخصية، ومن ثم اعطاء هذه الادوار المتعددة في شخصية المرأة وحركتها في المجتمع والتاريخ، لأن الزهراء هي المثال الصالح لذلك.
وبصورة مختصرة أشير إلى مجموعة من هذه الادوار وعناوينها الرئيسية في شخصية الزهراء عليها السلام، وأترك المجال للتفكير في المقارنة واستنباط الآفاق والتفاصيل، ليُكتشف في هذه الابعاد خصوصية الزهراء عليها السلام، التي لا يمكن أن توجد في النساء التي سبقن الزهراء عليها السلام، ومن ثم معرفة سر كل هذا التأكيد الواسع من قبل رسول الله، وقبله تأكيد القرآن الكريم، على شخصية الزهراء عليها السلام; وذلك لرسم معالم الادوار التي يمكن أن تضطلع بها المرأة في الحياة الانسانية وفي المجتمع الصالح، من خلال تقديم هذا المثل الصالح، وهذه القدوة والأسوة الطاهرة، وهذا النموذج الراقي والكامل للمرأة وأدوارها في المجتمع.

 

الدور الاول : الهوية الانسانية التکاملية

 

  وهو ما يمكن أن نستنبطه من نصوص القرآن الكريم، والاحاديث الشريفة التي وردت عن الرسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ بخصوص فاطمة الزهراء عليها السلام، وهو جانب الكمال في الهوية الانسانية.
القرآن الكريم والرسالة الاسلامية أرادا أن يعطيا هذه الصورة وهذا الفهم، حول هوية المرأة في مضمونها وموقعها في مسيرة الحياة الانسانية، فالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة تؤكدان أن المرأة من حيث هويتها الانسانية، تحظى وتتصف بهوية كاملة في انسانيتها، ولا يوجد فيها أي جانب من جوانب النقص في هذه الهوية، بحيث يعيق حركتها الانسانية التكاملية. والله تبارك وتعالى اراد للانسان في هذه الحياة أن يقوم بواجبات ومسؤوليات كثيرة، واعطى لهذا الانسان حقوقاً في هذه الحياة من أجل أن يوصل مسيره إلى الله سبحانه وتعالى: ( يا أيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحاً فملاقيه)( الانشقاق: 6)، ويبلغ في هذا المسير درجات الكمال الانساني القريب من الله تعالى.
هذه الصورة التي يتحدث عنها القرآن الكريم في هوية الانسان، وفي شخصية الانسان وفي مسيرته واهداف هذه المسيرة، أُريد لها أن تكون واضحة في شخصية المرأة كما أنها واضحة في شخصية الرجل، فكما أن الرجل في هويته الانسانية وفي شخصيته وواجباته العامة، وفي اهدافه ومواهبه وامكاناته للوصول إليها وحقوقه العامة، يتمتع بالهوية الانسانية الكاملة، كذلك المرأة فهي تتمتع وتتصف بهذا الجانب، ومن ثم يمكن أن نقول: إن المرأة مساوية للرجل في هذه الهوية.

 

ولقد كان هذا التأكيد البالغ من القرآن الكريم والنبي الأعظم ـ صلى الله عليه وآله ـ على شخصية الزهراء عليها السلام، قد أُريد له فيما أُريد توضيح هذا الجانب; لأن النظرة الجاهلية بكل اشكالها قبل الإسلام، كانت تعتبر المرأة ناقصة في الهوية والكمال، وتعيش في ظل الرجل، وتابعة في الهوية الشخصية له.
الإسلام اراد أن يوضح حقيقة من الحقائق الانسانية ذات العلاقة بالوجود الانساني، وهذه الحقيقة هي أن المرأة في انسانيتها كاملة، كما أن الرجل كامل في هذه الانسانية، وبذلك يمكن أن نفسر الحكمة الالهية ـ والله سبحانه وتعالى اعلم بذلك ـ أن تكون ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله، مع أنه سيد الانبياء والمرسلين وخاتمهم، وقد كتب له البقاء والاستمرار من خلال ذريته انسانياً ورسالياً، فلم ينقطع في حركته الرسالية عن ذريته كما كتب ذلك لنوح عليه السلام، أو عن ذريته كما كتب لعيسى عليه السلام، حيث لا توجد للسيد المسيح ـ عليه السلام ـ ذرية يستمر من خلالها وجوده الانساني أو الرسالي، وكما هو في النبي موسى عليه السلام، إذ  لا  توجد هناك ذرية لموسى على ما هو معروف يستمر من خلالها في رسالته.
أما ابراهيم ـ عليه السلام ـ فقد تميز عن كثير من الانبياء الذين سبقوه ولحقوه  ، بأن الله سبحانه وتعالى قدّر له أن يستمر في وجوده الانساني والرسالي معاً من خلال ذريته، من خلال اسماعيل ـ عليه السلام ـ ومن خلال اسحاق عليه السلام، ثم من بعد اسحاق يعقوب ومن بعد يقعوب يوسف عليه السلام، وهكذا كما يحدثنا القرآن الكريم بذلك.
أما النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ فقد اراد الله عزّ وجل له ايضاً الاستمرار في وجوده الانساني، وفي وجوده الرسالي من خلال ذريته، وقدّر الله تعالى أن تكون هذه الذرية متمثلة في امرأة هي ابنته الزهراء عليها السلام، وكان يمكن  أن يكون الاستمرار لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ في ذريته من خلال اولاد  ذكور، كما استمر ابراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ في وجوده من خلال هؤلاء الذكور.
رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أُريد له أن يبقى ويستمر من خلال ذريّته من الزهراء عليها السلام، وهي قضية تعبر في الواقع عن أن هذه المرأة في قيمتها الانسانية قيمة كاملة، يمكن أن تتحول إلى وجود يستمر به أقدس الاشياء في هذه الحياة الانسانية، وهي خط النبوة والامامة في الحركة الاجتماعية التكاملية. ويمكن أن نفهم هذا المعنى الذي جسدته الاحاديث الشريفة الواردة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ عندما يقول: (( فاطمة سيدة نساء العالمين))، أو كما تحدث عن الحسنين ـ عليهما السلام ـ بقوله: (( الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة))، وعن الزهراء أن الله تعالى يغضب لغضبها ويرضى لرضاها.

 

إذاً المرأة في شخصيتها وفي هويتها هي شخصية كاملة وجسدت هذا الكمال وعبّرت عنه. وانطلاقاً من هذا الفهم لشخصية المرأة في الحياة الانسانية، يمكن أن نقول بأن المرأة تتحمل المسؤوليات العامة في المجتمع الانساني، كما يتحملها الرجل على حد سواء. وقد يختلف الحال في تقسيم الادوار، فيكون لشخص ما دور ما  ولشخص آخر دور آخر وهكذا، لكن من حيث الاساس في حركة المجتمع تكون الواجبات واجبات مشتركة، ولذلك كانت الواجبات العامة، كالصلاة والصوم والحج والزكاة وغيرها من الواجبات العامة  ، التي يؤكد الحديث الشريف على أنها اركان الإسلام، ومما قام عليها الإسلام، يتساوى فيها كل من الرجل والمرأة، فكما تجب الصلاة على الرجل تجب على المرأة ايضاً، وكما وجبت الزكاة على الرجل وجبت على المرأة.

 

الدور الثاني : حرکة التکامل الفردي

 

  وهو من الادوار المهمة التي يمكن أن نجد معالمها في شخصية الزهراءـ عليها السلام ـ بصورتها الكاملة، ونفهم من خلاله جانباً آخر من أدوار المرأة في الحياة الانسانية، هو دور التكامل الفردي في الحركة نحو الله سبحانه وتعالى.
لقد اراد الله تبارك وتعالى لهذا الانسان أن يتحرك باتجاه الكمالات المطلقة، التي يتصف بها الله سبحانه وتعالى. وبطبيعة الحال لا يمكن للانسان أن يصل إلى ذلك الكمال المطلق، وإنما أُريد له أن يتحرك باتجاه ذلك الكمال، باتجاه العلم لأجل أن يكون في صراط العلم الالهي الكامل، وأُريد له أن يتحرك باتجاه الجود وفي طريق الاحسان والخير، وباتجاه كل ما يوصله للكمالات الالهية من خلال الخلوص في العبودية لله سبحانه وتعالى، كما يبيّن ذلك القرآن الكريم: ( وما أُمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة)( البيّنة: 5).
هذا الامر هو الذي يعبر عن هذه المسيرة في حركة الانسان نحو التكامل، وعندما نأتي إلى الزهراءـ عليها السلام ـ نجد فيما نجد من صفاتها هذه الخصيصة، وهذا الامر الذي اكدت عليه الآيات الشريفة التي وردت في سورة الدهر، عندما تحدّثت عن أُولئك العباد الابرار الذين وصلوا إلى اعلى درجات التكامل، في حركة العبودية لله تعالى، والتقوى والارتباط بالله سبحانه وتعالى، فالزهراءـ عليها السلام ـ مثلت ايضاً المحور في هذه الحركة التي تحدث عنها القرآن الكريم.
هذا التحرك في طريق التكامل هو من الامور ذات العلاقة بدور المرأة في الحياة، فكما أن الرجل لابد له أن يتحول في حركته إلى عبد صالح مخلص في عبوديته لله سبحانه وتعالى، وأن يتصف بالدرجات الكمالية العالية من التقوى والصلاح والعلم والتواضع والصبر والاحسان والجود والبذل والعطاء، إلى غير ذلك من الدرجات العالية التي دعا إليها الإسلام في مسيرة كمالات الانسان، وجهاد النفس والرقي نحو الله تعالى، كذلك أُريد للمرأة في أدوارها أن تسلك هذا الطريق وأن تتكامل في هذا الجانب ، لأن قابليتها في الرقي والكمال والوصول إلى الله تعالى قابلية كاملة، ومؤهلاتها في ذلك مؤهلات كاملة.
ولعل تركيز القرآن الكريم في هذا الجانب فيما يتعلق بالسيدة الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام، وكذلك بالنسبة إلى السيدة مريم ـ عليها السلام ـ عندما يخاطبها القرآن: ( يا مريم اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الراكعين)( آل عمران: 43)، رغم أنها ـ عليها السلام ـ كانت من القانتين والساجدين والراكعين وكذلك الحال مع السيدة آسية زوجة فرعون في إخلاصها وإقبالها على الله تعالى، وفي

 

نظرتها إلى الحياة الآخرة، وطلبها في أن يبني الله لها بيتاً في الجنة، وينجيها من غرور السلطان وزخارف هذه الدنيا التي كانت تحيط بها من كل جانب ومكان، باعتبارها امرأة أعظم ملوك العالم فرعون الذي كان يملك الدنيا، مع كل ذلك تنازلت عن هذه الزخارف والبهارج وجميع اللذات وجعلت هدفها ينحصر في أن يكون لها بيت في الجنة وأن ينجيها الله من فرعون وعمله.
هذا الامر حينما يركز عليه القرآن الكريم، يركز عليه ليعطي للمرأة هذا الدور أي الاهتمام بهذا الجانب في حركتها الانسانية، إذ إن المرأة في حركتها الانسانية يمكنها ـ كما يمكن للرجل ـ أن تأخذ من شهوات هذه الدنيا وزينتها ما تشاء في الحدود الشرعية: ( قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيّبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصّل الآيات لقوم يعلمون)( الأعراف: 32)، وهو امر أحله الله تبارك وتعالى لعباده من الرجال والنساء، ولكن الاستغراق في هذه اللذات وهذه الشهوات، والاستغراق في زينة الحياة الدنيا، بحيث يمثّل ذلك الهموم الاجتماعية العامة للوسط النسوي، هو مما لا  يريده الله تعالى لهذه المرأة.
ومن الطبيعي أن نحفظ في حركة المرأة التوازن بين اشباع هذه الحاجات والرغبات، بما يحفظ للمجتمع حيويته وقدرته على الحركة، والحذر من السقوط في مستنقع هذه الشهوات والرغبات، والاستغراق في الزينات بحيث تتحول ـ في حالة السقوط ـ كل هذه القضايا إلى هموم في اوساطنا الاجتماعية والفردية واوساط المرأة. ونجد في مجتمعاتنا الحاضرة ـ مع الاسف ـ الكثير من الرجال الذين وقعوا في هذا المستنقع، كما وقعت فيه الكثير من النساء بحيث صارت قضية الزينة والزخارف الدنيوية هي القضية الاولى التي تتحدث عنها النساء، وتتداولها المجتمعات الخاصة بهن مثلاً، أو ما  يشبه ذلك من الاسراف في مجالس الاستقبال أو حفلات الزواج.
والشيء المهم الذي لابد أن ننتبه إليه، وتنتبه إليه المرأة في موضوع دورها الكبير في هذا المجال، هو أن النصوص الشريفة التي وردت تتحدث عن الزهراءـ عليها السلام ـ في حياتها الخاصة الفردية، وفي لبسها واكلها وشربها، وفي زهدها بهذه الامور والزينات، أُريد منها إعطاء هذا التوجيه الخاص في حركة المرأة ودورها في الحياة.

 

الدور الثالث : الدور السیاسي للمرأة

 

 الدور السياسي الخاص الذي يمكن أن تقوم به المرأة في المجتمع الاسلامي، فلقد أُريد من المرأة أن تدخل العمل السياسي، وتمارس هذا الدور المهم في الاعمال السياسية وفي المجتمعات الانسانية. المرأة في هذا المجال كالرجل، تتحمل المسؤوليات الخاصة في خدمة المجتمع والتضحية من أجله، والجهاد في سبيل الله تعالى وفي البذل والعطاء إلى حد الاستشهاد في سبيل الله تعالى، فلابد للمرأة أن تقوم بهذا الدور أداءاً للواجب والتكليف، حسب القانون الالهي والاحكام الشرعية التي وضعها الشارع المقدس لها، وهو من الادوار التي فتحت أمام المرأة في حركتها.

 

إن تضحية الزهراءـ عليها السلام ـ كانت من اجل نصرة امامة الامام علي عليه السلام، وترسيخ مبدأ الولاية، والدفاع عن هذا الحق الذي أُريد له أن يثبت في التاريخ ويستمر، وإن لم يحصل ـ عليه السلام ـ على موقعه المطلوب منذ اليوم الأول، فنجد الزهراء ـ عليها السلام ـ تبادر إلى هذا الدور، وتنهض به بأفضل ما يمكن أن يؤديه الإنسان، في ظرف حساس يمكن لنا أن نقول إنه لم يكن من الممكن لغير الزهراءـ عليها السلام ـ أن يقوم فيه.
ومع وقفة عند هذه النصوص الواردة عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ في الزهراء، مثل قوله: (( إن الله يغضب لغضب فاطمة))، يتبين لنا أن الله سبحانه وتعالى قدّر في قضائه وقدره، أن فاطمة الزهراءـ عليها السلام ـ سوف تمر بأوضاع سياسية واجتماعية تثار فيها الزهراء، وتغضب لله تعالى لا  لنفسها، ولذلك يغضب الله تعالى لغضبها ويرضى سبحانه وتعالى لرضاها عليها السلام.
وعلى خطى الزهراء ـ عليها السلام ـ كان دور المرأة في الثورة الحسينية، باعتبار أن الثورة الحسينية ـ كما هو معروف ـ مثلت القمة في التضحية والفداء والبذل والعطاء في حركة الانسان السياسية والاجتماعية. وقد شاركت المرأة الرجل مشاركة فعالة في كل الأدوار التي قام بها في الثورة الحسينية، وكان لهذا الدور خمسة أبعاد هي: البعد القتالي، والبعد السياسي، والبعد الاعلامي، والبعد الانساني، والبعد الاخلاقي والمعنوي العام، وهي ابعاد رئيسية ومهمة نهضت بها المرأة في هذه الثورة الخالدة.
إذن المرأة يمكنها في تفاصيل حياتنا الفعلية الحاضرة أن تقوم بالكثير من الادوار الهامة، في هذه المعركة الجهادية وفي صراعنا الذي نخوضه كمسلمين ضد الطغيان والكفر العالمي، وضد الاستكبار والاستبداد.
فيمكن للمرأة أن تساهم مساهمة فعالة وحقيقية في الفعاليات الجهادية طبقاً للاحكام الشرعية، وضمن المواصفات الشرعية التي حددتها الشريعة الاسلامية المقدسة، مع ملاحظة أن قسماً من هذه الاعمال يتحملها الرجل وحده، في حين أن هناك اعمالاً تتحملها المرأة وحدها، واعمال اخرى يتحملها الاثنان.

 

الدور الرابع : دور المرأة في الاسرة

 

  إن النظرية الاسلامية في فهمها للمجتمع الانساني ورؤيتها لتركيبته العامة، ترى أن اللبنة الاساسية في هذا البناء الاجتماعي والتي تشكل الوحدة المركزية فيه هي الأسرة.

 

النظرية الاسلامية ترى أن الاسرة تمثل وحدة رئيسية ومركزية في بناء المجتمع، ولا يمكن أن يبنى المجتمع الصالح ويتكامل دون أن تبنى الاسرة الصالحة، ومن هنا نجد أن الإسلام طالما أكد على اهمية دور الاسرة في المجتمع، على خلاف رؤية المجتمعات والحضارة الغربية، التي لا ترى للاسرة مثل هذا الدور المهم في بناء المجتمع وقوته وتكامله.
فالاسلام يرى أن قوة الاسرة وصلاح الاسرة وتماسكها وتكاملها واتصافها بالمواصفات المطلوبة، هي التي تمكنها من أن تحول المجتمع إلى مجتمع صالح متكامل. ولا شك أن الزوجة الام تمثل الركن الرئيس في الاسرة وبنائها، إن لم نقل الركن الاهم في هذا البناء من الناحية الداخلية والذاتية. ولعل هذا هو السر في التركيز الخاص على شخصية الزهراء ـ عليها السلام ـ في تفاصيل دورها في الاسرة.
وفي هذا المجال أود أن انبّه لنقطة مهمة جداً في شخصية الزهراءـ عليها السلام ـ لم توجد في غيرها من النساء الصالحات اللاتي تحدث عنهن القرآن الكريم، وتحدث عنهن الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله، من قبيل آسية ومريم بنت عمران ـ عليها السلام ـ التي لم تحصل لها ظروف اسرة كاملة، كما لم تحصل لآسيا زوجة فرعون ظروف اسرة كاملة وصالحة في حركتها، حيث كانت زوجة لكن لم يكن لها اولاد، وكانت زوجة لكنها زوجة لطاغية، ولم تكن قادرة على أن تعبر عن تلك العلاقة القوية في إحكام الاسرة وعلاقات الاسرة وبنائها.
وأما خديجةـ عليها السلام ـ فقد كان لها دور الاسرة، فهي زوجة لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وأم لذريته; لأنها أم الزهراء ـ عليها السلام ـ فهي تشبهها من هذه الناحية  ، ولكن الزهراءـ عليها السلام ـ امتازت على أمها خديجة بالأدوار الاخرى التي مارستها في حياتها، والتي استطاعت أن تحفظ في شخصيتها قضية الموازنة بين هذه الادوار، والموازنة غاية في الأهمية بالنسبة لحركة المرأة.
فبعض النسوة قد يوفقن لأن ينهضن بدور مهم في الجانب الاول، أو في الجانب الثاني في العبادة وفي جهاد النفس والقيام بالاعمال الصالحة، ثم الوصول إلى الكمالات العالية، وقد يكون لهن دور مهم في الجانب الثالث، في الرعاية المنزلية وفي ترتيب وضع الاسرة وجعلها اسرة قوية صالحة، والبعض منهن يكون دورهن الكبير في موضوع التضحية والفداء، لكن الجمع بين كل هذه الادوار، وايجاد حالة الموازنة بين هذه الاعمال وهذه الادوار هي قضية هامة جداً، وفي فهمنا للدور الكامل للمرأة أنه كلما تمكنت المرأة من أن تقترب في صورتها النموذجية، التي تكون الزهراءـ عليها السلام ـ فيها قدوتها وأسوة لها في هذه الحركة التكاملية، تمكنت من أن تقترب من حالة المحافظة على هذه الموازنة، بمعنى أن تكون لها مساهمة فعالة في كل هذه  الادوار، وتكون المرأة في صورتها أقرب إلى الكمال نحو  الزهراء عليها السلام، وكلما ابتعدت عن هذه الموازنة كانت بعيدة عن حالة  الكمال.

 

أقول ربما لا تتهيأ للمرأة فرص أن تمارس الدور الرابع (دور الأسرة); لأن هذا الدور من الأمور التي لا تكون دائماً في اختيار المرأة، فربما لا تتزوج المرأة، أو تتزوج ولا يكون لها أولاد، وربما لسبب ما لا يكون الزواج ناجحاً، وغير ذلك مما يمكن ألاّ يكون في اختيار المرأة وقدرتها، ولذلك فأنا اشير إلى الحالة الغالبة، وهي أن المرأة عندما تكون في دور الاسرة، يكون أمامها فرص أُخرى مهيأة، كما كان الامر بالنسبة للزهراءـ عليها السلام، فهي ربة بيت تطحن الحنطة في بيتها وتنظف البيت، وهي في نفس الوقت المرأة العالمة الفاضلة التي كانت قادرة على تعليم الناس، فلم تطلب مثلاً جارية لتدبير امور المنزل، لتقول مثلاً أريد أن اتفرغ للعلم والتعليم، وإنما عبرت عن هذا الجانب في كمالها في حفظ الموازنة بين ادارة البيت والعلم ، وكما عبرت عن ذلك في عبادتها وزهدها وتواضعها، وفي مساهماتها في العمل الاجتماعي والسياسي العام.
ربما لا تتهيأ فرصة للعمل الاجتماعي لبعض النساء، أو لا تتهيأ لها فرصة للعمل الجهادي، فيكون الاهتمام في الجانب الاجتماعي أو في العمل الثقافي أو العمل العبادي حسب الفرص المتاحة لها. المهم للمرأة أن تسعى لاستثمار الفرصة الحاصلة من خلال الإمكانات الموجودة، وأن تواكب في حركتها التكاملية هذه الفرص، وتوازن بين هذه الأدوار الأربعة التي ذكرتها؛ لأجل أن تكون امرأة كاملة في هذه الحركة

 

 



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.112 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com