23/11/2006ظ… - 12:17 م | مرات القراءة: 1319


حوار ثقافي جميل اغذق عليه جدية المداخلات نكهة الحوار الحضاري ونحن مع هذه المداخلة الهادفة لسماحة العلامة الشيخ حسين المصطفى لنتعرف على مرئياته حول موضوع الثقافة

من خلال قراءتي لموضوع السيدة منى الصالح وفقها الله أضع هذه المشاركة وهي عبارة عن تساؤلات من رحيق هذا الخطاب:

أولاً: ما هو دور المثقف في المجتمع؟

يعتمد هذا على دور المثقف ولنا وقفة في ذلك:

ينبغي أن نعي أنّ وصف المثقف يطلق اليوم على:

- منتجي الأفكار ومستهلكيها وناشريها ..

- وعلى العلماء والفنانين والأدباء ..

- وعلى حملة الشهادات الجامعية والسياسيين والإعلاميين ..

- ومع تحول عدد كبير من المتعلمين، والذين أصيبوا بالصدمة الحضارية، إلى وكالات ناطقة باسم الآخر ومروّجة له.

مع هذا التحول أصبح المثقف، وللأسف هو الذي يلوك بلسانه معظم أسماء الأعلام الغربيين وآخر المذاهب في علوم اللسانيات والاجتماع ووو…

- لكنه على ضوء تحديدنا لمفهوم الثقافة، نرى أنّ المثقف ذلك الإنسان أو المجتمع المنشد في حركة تكاملية إلى مثله الأعلى الواقعي انشداداً واعياً ومراداً.

(وبمعنى آخر): هو ذاك العامل المفجر لكل طاقاته واستعداداته في سبيل صيرورة حقيقته الغائية واقعاً ماثلاً. فحقيقة الإنسان والمجتمع تتحقق بفعل إرادي واع عبر تاريخه ومدة عمره.

وكما أشار الشهيد المطهري إلى أنّ الإنسان في الأصل مشروع إنسان وإنسانيته أمامه وفي المستقبل، فأما أن يحققها أو يبقى في مصاف الحيوانات .. والإنسان وحده من بين موجودات العالم ينبغي عليه أن يعمل ليحقق إنسانيته، فجزء الإنسان المادي أو صفاته البيولوجية لا تصلح وحدها، ولا تكفي لإطلاق اسم الإنسان عليه، فإنسانيته شيء آخر ووجود مكتسب.

وقد شهد التاريخ نماذج لمثقفين طابقوا بين تصورهم الواقعي لحقيقة الإنسان وبين وجودهم فاستحقوا بجدارة أن يكونوا مثلاً علياً تصبوا الضمائر الحية لتمثلها كالرسول محمد وأهل بيته (ع) وأصحابه الكرام، إلا أنّ التاريخ لم يشهد حالة مجتمعية نموذجية طابقت بين رؤيتها للاجتماع ووجودها الاجتماعي العام، بما في ذلك مجتمع الرسول (ص)، لماذا؟

لأنّ تلك الفترة كان لها دور في بلورة الرؤى والتصورات الكونية المحتاج إليها الحياة الإنسانية والاجتماعية، وهي وإن شهدت بناءً كمالياً لمجموعة من الأشخاص إلا أنها من الناحية المجتمعية لم تتجاوز مرحلة التأسيس لأسباب فرضتها طبيعة الأحداث المترافقة مع حركة الدعوة، وزمن وجود النبي القصير جداً نسبة إلى حركة إعادة بناء اجتماعي تتطلب أجيالاً.

ومن هنا فإنّ رسالة المثقف هي إيصال المجتمع وإنسانه إلى كماله الممكن له، وهذه الرسالة أمانة مثقف العصر، وأمانة كل المثقفين الذين عرفهم التاريخ الإنساني من أنبياء ورسل وأوصياء ومصلحين ومفكرين ملتزمين بثقافة التوحيد، وهل كانت حركات الأنبياء والرسل إلا لتحقيق هذا الهدف؟ وأهم هذه النقاط:

 1 - التوعية: وهو أن يعمل المثقف على نشر أطروحته ورؤيته الكونية بين مختلف فئات الناس في المجتمع الواحد، .. وعلى المثقف أن ينقل وعيه بالواقع وتناقضاته ومشكلاته، إيجابياته وسلبياته إلى وعي الناس، فبدون وعي الواقع ووعي تناقضاته وسلبياته، وبدون وعي إيجابيات وملاءمة ما ينبغي أن يكون، وبدون المقارنة بين هذين الوعيين تبقى الهمم جامدة والرغبات ميتة وحافز الحركة وباعث التغيير مفقوداً ومعدوماً.

والإمام علي (ع) يقول في أقسام الناس من حيث قيامها بثقافة التوحيد: \"الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق\". فمهمة المثقف وفق هذا التصنيف هو إيصال العلم إلى الفئة الثالثة لتستضيء بنوره وتهتدي إلى دورها الفاعل في الحياة لا تتدافعها رياح الأفكار الضالة والحركات والدعوات المضلة أو تشدها أهواؤها إلى الأرض فتخلد إليها.

وهنا ينبغي أن ننبه على أنّ جرأة المثقف على إعلان أفكاره وآرائه أي أن يقول بصراحة ما يفكر به بالضبط حتى ولو كان غير سائد ولا مأنوس لعامة الناس، إنّ هذه الجرأة لا تتنافى وكون المثقف عضواً من أعضاء هذا المجتمع. وذلك أنّ من أكبر الأخطار هو تجريد المثقف من وسط المجتمع، كما حصل ذلك في عصر الانحطاط السائد في العصر السلجوقي والغزنوي لأمثال ابن سينا والغزالي، وما يحصل الآن عند بعض الفئات التي ما فتئت تلقي ظلال فتاوى التكفير والتفسيق في وجه كل من يخالف منهجها الاجتهادي بذريعة مخالفتها لضرورات الدين.

2 - التخطيط: فأي عمل ناجح مهما صغر شأنه لا يمكن أن يصدر إلا عن رؤية وبعد تعقل وتبصر في كل الملابسات المحيطة به ليتفتق العقل بعدها عن رسم الخطة الأسلم للوصول إلى الهدف وتحقيقه بأقل الجهود الممكنة. فالعالم اليوم قائم على التخطيط ليس فقط لتطوير وضعه بل هو يخطط أيضاً للمنافسة من أجل السيطرة.

 3 - تفجير الطاقات الإنسانية الكامنة: فخاصية الإبداع والاجتهاد الإنسانيين فيما يعرض للفرد والجماعة من أمور هي أصل، وأساس في حركة وتطور ونماء الاجتماع الإنساني، وعلى المثقف أن يثير العقول والإمكانات الإنسانية لتستخرج قدراتها ولتسبر أغوار الكون والطبيعة وتستكشف خيراتها الدفينة وتسخرها لتكاملها وتطورها ورقيها.

وللإمام علي (ع) إشارة واضحة إلى عمليات النقل والإتصال الثقافي مع ملاحظة ما تتضمن هذه العمليات من توجيه وإشراف هادفين لكفالة نمو المثقف، يقول: \"أي بني، إني وإن لم أكن عُمِّرت عُمُر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم، حتى عدتُ كأحدهم، بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم قد عُمِّرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صَفْوَ ذلك من كدره، ونَفْعَه من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمر جليله، وتوخيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله، …\".

ثانياً: ما هي عوامل الجمود في الثقافة؟

أهم عوامل الجمود اللاحقة بالعقل الإنساني:

1 - كبت الحريات: فسلب الحرية يعني سلب المسؤولية وبالتالي الالتزام بحيث يتحول الإنسان إلى مجرد آلة يحركها الغير ومن بيده السلطة والقوة.

2 - التقليد: وهو أمر مذموم في الأديان السماوية لأنه يوقع الإنسان في رؤية الأشياء من دون تبصر وإجالة فكر ونظر.

3 - تقديس الأشخاص: وخاصة في القضايا العلمية التي قد تؤدي إلى تعطيل حركة الإبداع والخوف من الوقوع في مخالفتهم.

4 - احتكار حق التفكير: أي حصره في جهات محددة، وعدم إشراك الأمة فيما تستطيع الخوض فيه، وتحول مجموعة من المثقفين والمتعلمين إلى طبقة تفكر عن الأمة وتقرر عنها وتفرض عليها أوامرها ونواهيها، دون أن تعني نفسها بمشاركتها الأمر في حدوده الدنيا، أعني إيصال حقها بالوعي إليها .. وهو تعطيل لمبدأ الشورى الذي كان يتعايشه الرسول في مجتمع المدينة.

5 - المواجهة الحضارية: إنّ كل ثقافة تطمح إلى استمرارها وانتشارها وسيادتها، لا يمكن أن تتحرك دون أن تلحظ وجود ثقافات أخرى منافسة وتخطط لكيفية التعاطي معها إيجاباً أو سلباً، استيعاباً أو تلاحقاً، هجوماً أو دفاعاً، ولا سيما وأننا نعيش عصراً حوّل كوكبنا الكبير إلى قرية صغيرة مع أهم ثورات عرفها الإنسان، ثورة المواصلات والاتصالات التي وضعت الإنسان أمام مفهوم جديد للزمان والمكان، وقربت الشعوب من بعضها.

ثالثاً: هل هناك علاقة بين المثقف وعملية التغيير؟

المثقف على امتداد التاريخ هو الذي يتحول وعيه الخاص إلى وعي عام وحركة مجتمع، شخص التزم قضايا الإنسان والمجتمع وانخرط في غمارها، ولقد أعطى الإسلام الإنسان مكانة مركزية في الوجود، بحيث خلق الكون كله لأجله وزود بالخصائص المهمة التي يقوم عليها عملية التغيير وهي: الوعي، والحرية، والإبداع … وأمر بأن يتخلق بأخلاق الله، أي أن يتخذ من الله مثلاً أعلى، بينما قلصت المادية وجود الإنسان وحبسته في إطار التكامل المحدود في كينونة المادة.

والناس من عملية التغيير على قسمين:

1 - إما أن يقف من التغيير موقفاً سلبياً يرفض التفاعل معها وتلبية حاجاتها وهي التي تسمى بالثقافة الجامدة.

2 - أو يندمج معها ويتفاعل وإياها تبعاً لمقتضيات الضرورات الحياتية والمطالب الاجتماعية وهي ما تدعى بالثقافة الحركية.

ونحن نلاحظ أنّ نص الإمام علي السابق: \"فعرفت صَفْوَ ذلك من كدره، ونَفْعَه من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمر جليله، وتوخيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله،...\". - كل ذلك من خلال وعي علي (ع) للقرآن الكريم - إنما أراد بذلك منح ولده الحسن (ع) قوة للدفع في مجال التغيير الاجتماعي الذي كان يتوخى استمراره ونموه.

ولهذا ما تزال كلمة الإمام الحسين (ع) مدوية في التاريخ لمن أراد أن يسير في هذا الدرب الإصلاحي: \"إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا ظالماً، ولا مفسداً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر\".

ومن هذا كله يلوح في الأفق تساؤلان:

أحدهما: هل الحوزويون في مجتمعنا يمكن أن يقال عنهم مثقفون؟

لا اختلاف بين الحوزوي وبين غيره في تقييمنا للمجتمع الثقافي، فالحوزوي قد يملك تخصصاً ما في العلوم التي تهتم بها الحوزات العلمية، وأما ما مدى تجاوب الحوزوي مع حركة المجتمع فيحتاج الحوزوي حينذاك إلى أن يضم إلى تخصصه قراءاته المعمقة التي تؤهله أن يخوض غمار التجربة بوعي وحرية وإبداع.

وإذا ما علمنا أنّ الحوزات العلمية لا تقتصر في مهماتها إلا على اللغة والمنطق والفلسفة القديمة، وبنطاق ضيق، والفقه والأصول فحينئذ ندرك أنّ الحوزة لا يمكن أن تقدم إلينا رواداً لهم تأثيرهم في الأمة إلا النزر القليل فأمثال الشهيد الصدر والشهيد المطهري وأضرابهما لا يتكرر في كل جيل.

وثانيهما: هل المثقف غير الحوزوي قادر على خدمة المجتمع والمشاركة في حل معضلاته ومشاكله؟

على ضوء ما قدمناه من تفسير لواقع المثقف يتضح لدينا أنّ سنن التغيير ليست حكراً على الحوزوي أو غير الحوزوي ما دام الجميع ينشد العدل مصداقاً لقوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} فإنّ مهمة الأنبياء مهمة حياتية شاملة تمتد إلى كل جوانب حياة الإنسان ليرتبط الجانب الروحي بالجانب المادي، في ما توحيه كلمة (القسط) من العدل الذي يحدد لكل ذي حق حقه، ويربي الناس في هذا الاتجاه، ليكون الإنسان العادل هو الذي يطبق الشريعة العادلة، ويبني الحياة على أساس العدل.

ولا شك أنّ ذلك لا يقوم به إلا على أهل الحل والعقد من العلماء والمختصين والمثقفين الذين يدركون منافع البشر وحاجات الإنسان، فإذا انسجمت الخطوط التي بيدها مفاتيح المعرفة الدينية بالمعرفة الإنسانية تحقق للناس ما يصبون إليه. وأما إذا انقطعت أواصر الالتقاء حينئذ تحول الدين إلى طقوس وعادات وشعائر خالية من الروح، وابتعدت عن التوازن في الجانب الواقعي العملي في حاجات الإنسان.

فينبغي للحوزوي أن يفسح لأخيه غير الحوزوي مكاناً للقاء والحوار فيما يتعلق بخدمة الأمة فــ\"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته\".

وكلمتي الأخيرة كعالم دين

بما أنّ الشيعة أخذت على نفسها أن تُدخل الحوزة في مفاصل حياتها العامة والخاصة، فلا يبقى محيص على الحوزوي أن يكون ملماً بقدر كاف فيما يطرح هنا وهناك من أفكار وأطروحات، ولا شك أن عجلة الأفكار متسارعة ومؤثرة بسبب توفر آلات الاتصالات المعرفية.

ومؤمن إيماناً كاملاً عدم قدرة جميع الحوزويين على هضم ما يطرح من أفكار الحداثيين ولذا ينبغي الاهتمام بالتخصص المعرفي في هذا المجال، للأسف هناك من الحوزويين من يحرم قراءة كتب أمثال أركون والجابري وعلي حرب وأضرابهم وهو لم يقرأ سطراً من كتبهم. هذه هي بعينها الحاكمية المتسلطة والتي يحاول البعض أن يتاجر مع الله فيها.

 

 



التعليقات «2»

رافضي - العوامية [الجمعة 24 نوفمبر 2006 - 11:40 ص]
نريد مواقع نتنفه فيها بدلا من حصد المشاكل فقط

لا اجد مانعا للمثقف من اداء دوره سوى الكسل وخوف العمل والمجاملات الباردة
واما المراة فهي الى الانزواء اقرب ولا تملك قدرة علمية او كفاءة عقلية تؤهلها للخوض في المواضيع الثقافية

واقترح على الموقع لو يفتح قسما للقراء يطرحون فيه تجاربهم وخبراتهم وتطلقون عليه اسم "استراحة الموقع " او " من خبراتهم نستفيد" او اي اسم يناسب العنوان
ام حسين - تاروت [الجمعة 24 نوفمبر 2006 - 11:33 ص]
مشكور ايها الشيخ المبجل ولا حرمنا الله فوائدك واسمح لي ان اتساءل مما خطه يراعك يا حفظك الله

اذا كان الحوزوي يا سا سماحة الشيخ لا يملك رصيدا يؤهله للدخول في قرارات المجتمع فلماذا لا نرى حوزويا واحدا يعترف بهذا بل نراهم مزاحمين الناس في كل تخصص ولولا ان الطب والنويي شيئا معقدا لهم لخاضوا فيه

المنبر يزخر بحديثهم في كل موضوع مهما كبر

منتظرة اجابتك وما نعرفه عنك من سعة الصدر

موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.066 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com