آية فاروق - 20/12/2006ظ… - 1:20 م | مرات القراءة: 1218


منطقة واحدة لا يكاد يتجاوزها أولئك الذين يتعاملون مع مهاجمي الحجاب ، وهي أن الحجاب فرض إسلامي ثابت بنصوص القرآن والسنة و فقط . و مع تسليمنا بصحة التناول فإن الرؤية يجب أن تتوسع بشن حملة منظمة على العري والسفور باعتباره مخالفة لثوابت الشريعة الإسلامية .

و طرح كهذا ينبغي أن يتم عبر آليات تضمن بقاءه واستمراره ، و كذلك تضمن عدم تجاوزه لمقاصد أعلى من مجرد انتشار هذا السفور و ذاك العري ، مع مراعاته بالطبع للقواعد المنظمة لعملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
لكن السؤال المطروح هو : ماذا لو أراد الحاكم أو ولي الأمر نفسه أن يستخدم سلطاته في محاربة العري والسفور عن طريق سن قانون معين يمنعه ، عبر وسائل شتى كالتعذير ، أو الغرامة ، أو ما شابه ذلك ؟ و ما موقع غير المسلمين الذين يعيشون في ظل هذا البلد ؟
هذا ما أثاره تصرف إحدى الولايات الماليزية التي يقترب عدد غير المسلمين فيها من نصف عدد السكان ، حيث كانت أكثر جرأة في تعاملها مع الخارجين عن الحشمة والوقار من النساء‏ ، و طالبت بتوقيع غرامة مالية على النساء غير المسلمات لارتدائهن ملابس كاشفة‏ .
قالت بذلك صحيفة ستار الماليزية ، موضحة أن بلدة كوتابارو شمال شرق ماليزيا‏ ،‏ و هي تصف نفسها بأنها مدينة إسلامية ، ستفرض غرامات مالية تصل إلى ‏500‏ رينجيت‏ (140‏ دولارا‏)‏ على النساء اللاتي يكشفن عن السرة أو يرتدين ملابس ملتصقة بالجسم أو أي ملابس قصيرة ... و برر المسؤولون في كوتابارو ذلك بأن هذه الملابس محظورة ؛ حيث إنها تلطخ سمعة البلدة و تؤثر على وضعها كمدينة إسلامية‏ .
و في الحقيقة فقد اختلف العلماء في جدوى فرض الاحتشام من عدمه ؛ ففريق يرى أنه لا بد من فرض قوانين و غرامات على من يتخذن العري ملبسا لهن ... في حين يؤكد الآخر أن احتشام السلوكيات والدعوة والإقناع هي السبل المثلى للوصول للوقار .
ملابس مطابقة للمواصفات
الدكتور حامد أبو طالب ـ العميد السابق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بالقاهرة ـ يرى جواز اتفاق أهل بلد أو حي أو مدينة على ارتداء ملابس أو زي معين ، و لهم أن يضعوا له من المواصفات ما يحقق أغراضهم الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية ،‏ مشيرا إلى أن زي المرأة محكوم في الإسلام بمواصفات معينة منها ألا يصف و لا يشف ... إلى غير ذلك .
و على هذا فلا مانع من صدور قرار من محافظ أو رئيس أو مسؤول ما بإلزام من معه بارتداء زي معين يتسم بالحشمة والوقار مثلا أو يكون مطابقا لمواصفات الزي الإسلامي ، ‏و يرى أن ولي الأمر عليه أن يلزم النساء بارتداء هذا الزي ما لم يكن مخالفا للشريعة أو مصطدما مع المعلوم من الدين بالضرورة ، لا سيما إذا كانت الشريعة الإسلامية هي الشريعة واجبة التطبيق في الدولة .
و يتفق الدكتور محمد الصلاحين عميد كلية الشريعة بالجامعة الأردنية مع الرأي السابق ، و يشير إلى أن ولي الأمر يستطيع أن يلزم النساء المسلمات بالحشمة والحجاب ، ولكن ليس له أن يلزمهن بعدم ارتداء الحجاب ؛ لأن ذلك لا يتواءم مع الشريعة الإسلامية .
غير أنه يرى أن غير المسلمة لا يجوز إجبارها على ارتداء هذا الزي الإسلامي إذا كان للزي طابع شرعي‏ كالحجاب مثلا للمسلمات ؛ فمن الظلم البين الذي لا يرضاه الإسلام أن يجبر غير المسلم على ارتداء زي المسلم‏ ، أو أن يقهر على ذلك بأي حال .
و مع ذلك يرفض الصلاحين الخلاعة ، و يؤكد على أن غير المسلمين الذين يحلون في البلد المسلم ضيوفا أو زوارا يجب عليهم أيضا الالتزام بآداب و تقاليد البلد ، و يتفق معه الدكتور عبد الصبور شاهين المفكر الإسلامي ، مشيرا إلى أن هذا الفرض لن يؤثر على العلاقات الثنائية بين البلد المضيف والبلد الذي يحل أبناؤه ضيوفا ؛ فغير المسلمين لهم ما للمسلمين و عليهم ما عليهم ، و لولي الأمر أن يفرض الاحتشام و يرفض الخلاعة حتى من غير المسلمين إذا كان ذلك لأسباب اجتماعية أو نحوها و ليس لأسباب دينية ، بل من أجل الأمن والسلام الاجتماعي فقط‏ .
لا للقوانين والغرامات
وتختلف الدكتورة آمنة نصير ـ الأستاذة بجامعة الأزهر بالقاهرة ـ مع الآراء السابقة ؛ فترى أن قضية انضباط شكل المرأة سواء فيما يتعلق بالاحتشام الذي هو جزء من الفطرة السوية للمرأة أو الخجل من كشف ما لا يجوز أن يكشف للغريب أو القريب ...‏ هي قضية ثقافة موجودة لدى الشعوب الإسلامية ، و هو أمر يتسق مع جميع الشرائع السماوية ، و مع الفطرة البشرية السوية بدليل أن بعض الطوائف المسيحية خاصة الأرثوذكس بالكنسية المصرية يمنعون المرأة من دخول الكنيسة و هي كاشفة الرأس واليدين ؛ حيث إن احترام المرأة لهذا الزي يتفق مع المسيحية و مع اليهودية أيضا .
و تضيف أن الإكراه على الاحتشام و فرضه عن طريق الغرامات والقوانين و نحو ذلك غير مجد ؛ لأن قضايا العقائد و تطبيقها لا يمكن أن يتأتى إلا عن اقتناع و رؤية ثم يأتي بعد ذلك الالتزام .
و لذلك تدعو إلى ضرورة توضيح الدين و سلوكه بصورة صحيحة ، و أن يفهم الجميع أن هناك مخالفات يؤذي ارتكابها مشاعر غيرهم و يسيء إليهم فيجب تركها و مراعاتها ، و هذا التوضيح كما يرى لا يتم إلا بالتوعية والكلمات المؤثرة التي تحث المرأة على الاحتشام و فضيلته حتى لا تؤذي غيرها أو يطالها الأذى من ورائه‏ . فقد يكون ذلك أبلغ بكثير من توجيه الغرامات والعقوبات ، بل إن هذه العقوبات لا تؤدي إلى الاحتشام الحقيقي للمرأة بل إلى احتشام شكلي فقط‏ .
و نفس الرأي أكده الدكتور عدلي أبو الحجر رئيس مجلس المثقفين المسلمين بأسكندنافيا ، حيث يرى أن مثل هذه الغرامات لا يمكن تنفيذها في الغرب ، بل قد تكون مقيدة للحريات و تثير مشكلات ، ملمحا إلى ما أثارته تصريحات مفتي أستراليا الشيخ تاج الدين الهلالي حينما أشار إلى الملابس الكاشفة ، وقال إن البلدان الإسلامية قد لا تستطيع أيضا تنفيذ مثل هذه العقوبات أو سن قوانين تعاقب من تتجاوز في زيها ؛ فوقتها ستجد كل المنظمات الحقوقية تصرخ مطالبة بالحرية الشخصية .
و يسير الدكتور صلاح الصاوي الأمين العام لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا في الاتجاه نفسه ، مؤكدا أن الاحتشام ينبع من داخل المرأة ، مشيرا إلى أن الإسلام لم يحدد زيا معينا في شكله و إنما في صفته ، مشيرا إلى أن من تلتزم بأخلاقيات الدين تلتزم طواعية بالاحتشام في الزي .
مراعاة ثقافة المجتمع
على هذا تؤكد الدكتورة آمنة ، حيث ترى أن غير المسلمات من خارج البلد عليهن الالتزام بالجانب الشكلي من آداب البلد الذي يعشن فيه‏ ،‏ أو مغادرته ؛ فيجب أن تراعى ثقافة المجتمع المسلم فلا يكون نشاز المظهر أو السلوك‏ سمة له ،‏ بل على غير المسلم اجتناب ما استقر في ثقافتنا أنه من المخالفات ، و مراعاة خصوصية البلد الذي يقطنه و إن لم يكن على دين .
والأمر نفسه فرضه الإسلام على أتباعه الذين يعيشون في بلدان غير إسلامية بأن يراعوا ظروف هذا البلد ، و يتعاملوا بشكل متوازن يقترب من شكل أهله بما لا يتعارض مع صحيح الدين‏ ،‏ فينبغي للمسلمات في أوروبا مثلا ألا يصررن على النقاب‏ إذا كان مرفوضا هناك‏ بل عليهن الاكتفاء بالحجاب من باب التوازن ؛ حيث إن النقاب ليس فرضا .
و قد أوضح الإمام الطبري أن مخالفة زي القوم ليس من المروءة ما دام ليس به إثم ، من أجل ذلك فإن الواجب أن يكون التعامل بالشكل القريب من القوم الذين يعيش الإنسان بينهم‏ .
و في النهاية يبقى الحديث عن الحجاب محصورًا في ذات المنطقة ، و يظل مجرد محاولة نقد العري تعديًا على الحرية الشخصية ، و حديثًا متهمًا بالجمود والتخلف والرجعية .

العالم

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.117 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com