» لماذا بالعين المجردة ؟؟   » الهلال .. المرجع الديني آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي   » السيد علي الناصر وعدد من العلماء: ليس من تكليفنا الشرعي متابعة أمر الهلال في أقصى البلدان   » المرجع الاعلى يستنكر العمل الارهابي ضد الاطفال الابرياء بكابل   » لا زمن للحب أو الكراهية   » عد الى الله وأعد حقوق الناس قبل ان ترفع يديك بالدعاء هذه الليلة   » ( الامام علي بن أبي طالب عليه السلام في مختصر سيرته )   » خريطة طريق علائقية بين موقع القيادة والأتباع:   » هل انفعالاتنا باب حب أم باب كراهية؟   » الفرحه فرحتين  

  

الكاتب عمار البغدادي - 06/01/2007ظ… - 1:22 ص | مرات القراءة: 1286


كثيرون يجهلون حياة وشخصية سماحة اية الله العظمى السيد علي السيستاني دام ظله الوارف واحببنا ان نضع في ايدي القراء نبذه من حياة سماحته

 فقيه عصرٍ ورجل سياسة

كلمـة لابــد منهــا..

هذا الكتاب محاولة فكرية متواضعة وسريعة لقراءة واكتشاف الفضاء الفقهي والأصولي والاجتماعي والسياسي لسماحة الـمرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد علي السيستاني، وخطوة (أعتبرها أساسية) في تناول سيرة الرجل ومسيرته وعلاقته بالأمة واستشرافه لأفق المسألة الشرعية ودوره الاستثنائي بنقلها من دائرة التوجهات الدينية المحددة عادة بمسارات عبادية ومعاملاتية ضيقة إلى دائرة تفعيل حركة الأمة عبـر محاكمة الواقع وتحريكه.

والكتاب يستمد حيويته وفعاليته المعرفية والثقافية والسياسية مما يجري في الواقع السياسي العراقي والعربي والإسلامي من تحديات ومواجهات لا يمكن الوقوف بوجهها واستيعاب صدماتها المستمرة وزخمها وطاقتها العالية إلا بالاعتماد على المرجعية الدينية ذات الخطاب التنويري الذي يعمل على أساس إنقاذ الأمة ووجودها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإنساني وبسط يد الحرية والاستقلال والكرامة وإحلال بديلها التاريخي وموروثها النظيف كبديل شرعي غير مستورد ولا يتكأ على المفاهيم الوافدة قاعدة للتنوير والحداثة والتعددية والديمقراطية.

إن الإمام السيستاني حفظه الله تعالى مرجع ديني كبير تبوأ مكانة المرجعية الدينية بجدارة وقوة وواقعية وثنيت له الوسادة باعتباره المرجع الأكبر بالنظر لما تمتع به الرجل من مواصفات وشروط تاريخية مغايرة بالقياس إلى نمط المرجعيات الدينية التي تتالت على حاكمية قرار المرجعية الدينية في النجف الأشرف لكن أبرز ما يميز سماحة الإمام أنه يعمل دائماً على ترسيخ مبادئ المجتمع العراقي الواحد ـ المجتمع المتسالم على ثوابته الدينية والفكرية والوطنية ـ والمتصالح مع نفسه بجميع مكوناته الدينية والإثنية المتواصل مع محيطه العربي والإسلامي والأسرة الدولية بوصفه يشكل محوراً مهماً من محاور إنتاج الثقافة الإنسانية وتأصيلها في الذاكرة.

وبذلك كان الإمام مستمعاً جيداً للأفكار والمفاهيم السياسية ومحاوراً مجيداً عن كل ما يمت بصلة لركائز بناء مستقبل البلاد والحياة السياسية والاجتماعية وإخراج البلاد من دائرة الاحتلال إلى حيز الحرية والاستقلال وإقامة النظام الوطني على يد العراقيين أنفسهم.

ومن هنا ركز الكتاب فيما ركز عليه على الجوانب السياسية الخاصة بالبلاد والمستقبل والحرية والديمقراطية والتعددية والجهود المبذولة من قبل كل الأطراف الأساسية المعنية بالانتقال الدستوري من الدولة المستبدة العنفية إلى الدولة الديمقراطية. مثلما ركز على جهود الإمام التي يبذلها من أجل حث الأطراف على إيجاد حلول حقيقية للبلاد وعدم الاصطدام الداخلي إنقاذاً للوطن والأمة من مشاريع التشرذم والانقسامات والمواجهات سعياً للتواصل مع مشروع التنمية وإعادة الإعمار والبدء بمسيرة الـمصالحة الوطنية للخروج من هذه الدوامة والاضطلاع بالـدور الـمفترض أن تلعبه بغداد كعاصمة لإنتاج الثقافة بعد أكثر من ثمانية عقود من التغييب والتجاوز ـ أي بعد تشكيل الدولة العراقية عام 1921م.

إن الإمام السيستاني حفظه اللـه هو إمام الـمسحوقين والـمحرومين والمستضعفين في العراق من الذين مورست ضدهم مختلف أساليب التجاوز والإذلال والعزل الثقافي والسياسي والاجتماعي والأمني الـمنظم وتحولوا بفعل تلك الممارسات والأساليب إلى قطيع أغنام لا إلى بشر في مزارع السلطة الديكتاتورية الإرهابية في بغداد وهو اليوم يمارس دور إخراج هؤلاء المسحوقين من دائرة العزلة والتجاوز إلى حيز تنظيم شروط مواطنتهم العراقية من دائرة اعتبارهم عبيداً للسلطة إلى دائرة اعتبارهم مواطنين من الدرجة الأولى في سلطة جاءت لتخدمهم وتنفذ أغراضهم ومطالبهم الإنسانية والاجتماعية والثقافية في بلد هو بلدهم وفي أرض هي أرضهم ولا سلطة لأحد بما فيها السلطة الوطنية القادمة على إرادتهم السياسية لأنهم ببساطة شديدة هم من بنوا الدولة العراقية الحديثة وساهموا بدمائهم وتضحياتهم وعرقهم ومقابر أبناءهم الجماعية ومقابرهم أيضاً في تأسيس إرادة هذا الوطن المجبولة دائماً على الحيوية ورفض الجبروت والعنف السياسي والسعي لاستلهام كل المبادئ الخيرة لبناء الإنسان.

وحين نستمع لهذا الإمام العظيم وهو يعيد ترتيب أساسات بناء البيت العراقي الجديد نشهد لغة مختلفة هي لغة الأبوة المحمدية التي اعتادت على مخاطبة الناس بوصفهم تجسيداً للآية الكريمة (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم). وهي لغة منصفة ومعتدلة ووسطية لا عنف فيها ولا تغريب ولا تغليب لفئة على فئة أخرى كقول سماحته على سؤال وجهته شبكة CNN في بغداد بتاريخ 5/1/2004 حول رؤية سماحته للعلاقة ما بين السنة والشيعة وهل أن حوادث العنف التي وقعت أخيراً يمكن لها أن تتكرر وتتصاعد مستقبلاً؟

يقول سماحته: (إن العلاقة الأخوية بين السنة والشيعة في العراق لن تتأثر ببعض الحوادث المؤسفة التي وقعت مؤخراً وقد سعى الكل في تطويقها واتخاذ ما يلزم لعدم تكررها ومن المؤكد أن العراقيين جميعاً سنة وشيعة وغيرهم حريصون على وحدة بلدهم والدفاع عن ثوابته الدينية والوطنية كما أنهم متفقون على ضرورة تأسيس لنظام جديد يقر مبدأ العدالة والمساواة بين جميع أبناء هذا البلد في جنب مبدأ التعددية واحترام الرأي الآخر) (13/ذي القعدة/ 1424هـ).

كما أن الإمام الذي يحرص على علاقات أخوية صادقة وحقيقية بين أبناء السنة والشيعة في العراق لمواجهة مختلف التحديات والفتن الداخلية التي تريد النيل من وجود الشعب العراقي وبنيته المذهبية والسياسية يحرص بالوقت نفسه وعلى قدر كبير من المسؤولية على إنهاء الاحتلال وإحلال حكومة وطنية عادلة في العراق وإجراء انتخابات حقيقية في البلاد لانتخاب هيئة تأسيسية وطنية تشرف على صيغة التفاوض لإنهاء وجود الاحتلال وتشكل حكومة وطنية عراقية مؤقتة لمواجهة كل المسائل التي لها علاقة بنيوية بالتطور وإعادة البناء والإعمار ومواجهة مخلفات النظام السابق في كل مناحي الحياة عبر إشراك الإمام للأمم المتحدة باعتبارها طرفاً أساسياً في مفاوضات نقل السلطة إلى العراقيين.

إن الإمام بهذا الأسلوب العصري يعتبر واحداً من أهم رجالات الحركة الوطنية الاستقلالية بل الطرف الأساسي في عملية نقل السلطة بوصفه المرجع الديني المتصدي لمطالب وأهداف وطموحات الأغلبية المسحوقة لأبناء الشعب العراقي مثلما يؤكد بالوقت ذاته المرجع السياسي الأهم في الساحة الذي هو محط أنظار القوى السياسية العراقية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار إسلامية ووطنية وليبرالية وهي تبحث عن إنقاذ البلد والبدء بمسيرة حيازة الاستقلال.

يقول الإمام السيستاني وهو يعبر عن رؤيته الفقهية والسياسية بشأن إجراء انتخابات تشكيل المجلس الوطني الذي يفترض أن تنبثق منه الحكومة العراقية الجديدة ذات السيادة: (بسمه تعالى.. إن تقارير الخبراء العراقيين المقدمة تؤكد إمكان إجراء الانتخابات بدرجة مقبولة من المصداقية والشفافية خلال الأشهر المتبقية إلى التاريخ المقرر لنقل السيادة إلى ممثلي الشعب العراقي ولكن هناك في مجلس الحكم وسلطة الاحتلال من يدعي عدم إمكان ذلك ومن هنا كان اقتراح مجيء فريق من خبراء الولايات المتحدة إلى العراق للتحقق من هذا الأمر ودراسة الموضوع من كافة جوانبه وقد قدم مجلس الحكم طلباً بذلك إلى السيد كوفي عنان (الأمين العام للأمم المتحدة) وإذا جاء فريق الخبراء وتوصلوا بعد العمل مع نظرائهم العراقيين إلى عدم إمكان إجراء الانتخابات فعليهم التعاون معهم في إيجاد آلية أخرى تكون الأصدق تعبيراً عن إرادة الشعب العراقي وأما الآلية المذكورة في اتفاق مجلس الحكم وسلطة الاحتلال فلا تضمن أبداً تمثيل العراقيين بصورة عادلة في المجلس الوطني المؤقت) (13/ ذي القعدة / 1424هـ/ شبكة CNN مكتب بغداد 5/1/2004).

إن الإمام بهذا التصور والقناعات والمواقف التاريخية إزاء الشعب العراقي وحقوقه المشروعة إنما يفعّل موقع المرجعية الدينية ويخرجه من دائرة النظر التقليدي للأشياء والأحكام والقضايا الاجتماعية والفقهية إلى دائرة خدمة الأمة نظراً لأهمية الموقع الديني في بناء الحياة السياسية والتسريع بإعادة إعمار البلد بوجود شخصية دينية كبيرة تقف بالتساوي وعلى قدم واحدة مع الجميع ولا تستثني في ذلك أحداً.

إن الحديث عن الإمام السيستاني باعتباره إمام الأغلبية المسحوقة حديث طويل إلا أنني أردت بكتابي هذا تقديم الإمام لكل أبناء الأغلبية المسحوقة الذين نالهم الضيم والعزل والاضطهاد والاستبداد فكانوا أشقاء المقابر الجماعية قبل أن يكونوا أبناء المدن والأرياف مستعيناً بذلك كله بمصادر استطعت الاستفادة القصوى منها ما مكنني من تقديم هذا الكتاب وبهذا الشكل لكل هؤلاء الأبناء ولكل باحث منصف وموضوعي ومعتدل وجاد يرغب بقراءة معالم المرجعية الدينية القيادية للشعب العراقي.

إنني أشكر كل الذين ساهموا في إبداء الرأي والمشورة والمعلومة والمصدر التأريخي وأخص بالذكر منهم على وجه التحديد صاحب كتاب (أساطين المرجعية العليا/ الدكتور محمد حسين علي الصغير) فقد أفدت كثيراً من كتابه هذا خصوصاً الفصل المتعلق بسماحة الإمام السيستاني وأقدم شكري ومودتي للأخ الأستاذ (أبو ذر الصغير) الذي أحاط الكتاب بعناية فائقة عبر مجمل ملاحظاته وتسديده البالغ كما أتوجه بالشكر الجزيل لكل الذين أعانوني في طباعة الكتاب وصفه وأخص بالذكر منهم شقيقتي السابعة (مي الشهابي) ومن الله أسأل قبول هذا الكتاب يوم لا ظل إلا ظله ولا زاد إلا زاد التزود من أفكار وتجارب المرجعيات القيادية في أمتنا أمثال آية الله العظمى الإمام علي السيستاني..

عمار البغدادي

الفصل الأول

               ¨ الجذور والبدايات

               ¨ السيرة الذاتية

               ¨ الإمام في النشوء والارتقاء

               ¨ الإمام والانفتاح على قضايا العصر

               ¨ أساليبه الـمنهجية في التدريس

               ¨ الروح الـمحمدية والنهج الإصلاحي للإمام

               ¨ الإنصاف واحترام الرأي

               ¨ الأدب في الحــوار

               ¨ خلــق التربية

               ¨ الــورع

               ¨ الإنتاج الفكري

               ¨ قيمة الـمكان

الـجـــذور والبـــدايات

لا شك أن النجومية هي التي تزحف إليه لا العكس وكيف لا تزحف إليه وهو الذي لم يطلبها ولم يسع ورائها أو يطالب بها رغم أن النجومية والحضور السياسي أصبحا في عالم اليوم ـ عالم المصالح والامتيازات والأرقام المالية ميزتين أساسيتين لمن يريد الدخول بقوة لحاكمية العالم

أية قراءة أولية لملامح الفقيه الإمام ستضعنا حتماً في قلب الصورة الواقعية لملامح المدرسة الأمامية ـ تواضع ـ رسولي يختصر آداب وسنن الحركة النبوية الكبيرة التي بشرت الناس ـ كل الناس بالهدى والعدالة الاجتماعية والمساواة والدولة العادلة، فقاهة عبقرية تختزن معالم الفكر الأمامي في صناعة الحكم الشرعي الذي يجد الناس فيه الموئل والأرضية والقاعدة الأساسية لفهم الشريعة والحياة، زهد بالسلطة والسلطات  وبهرجة الحياة وزخارفها وابتعاد عن الأضواء والنجومية السياسية مع أن فقيهاً ومرجعاً دينياً كالإمام لا شك أن النجومية هي التي تزحف إليه لا العكس وكيف لا تزحف إليه وهو الذي لم يطلبها ولم يسع وراءها أو يطالب بها رغم أن النجومية والحضور السياسي أصبحا في عالم اليوم ـ عالم المصالح والامتيازات والأرقام المالية ميزتين أساسيتين لمن يريد الدخول بقوة لحاكمية العالم.

السيرة الذاتية

ولد سماحته في ربيع الأول من عام 1349 للهجرة في المشهد الرضوي الشريف في أسرة علمية دينية ملتزمة، وقد درس العلوم الابتدائية والمقدمات والسطوح وأعقبه بدراسة العلوم العقلية والمعارف الإلهية لدى جملة من أعلامها ومدرسيها حتى أتقنها. وحضر دروس بحث الخارج في مشهد المقدسة واستفاد من فكر العلامة المحقق الميرزا مهدي الأصفهاني قدس سره. ثم انتقل إلى الحوزة العلمية الدينية في قم المقدسة على عهد المرجع الكبير السيد حسين البروجردي قدس سره في عام 1368هـ وحضر بحوث علماء وفضلاء الحوزة آنذاك، منهم السيد البروجردي قدس سره في الفقه والأصول  وقد أخذ الكثير من خبرته الفقهية ونظرياته في علم الرجال والحديث كما حضر درس الفقيه العالم الفاضل السيد الحجة الكوهكمري قدس سره وبقية الأفاضل في حينه.

ثم غادر قم متجهاً إلى موئل العلم والفضل للحوزات العلمية في النجف الأشرف عام 1371هـ وحضر دروس أساطين الفكر والعلم آنذاك من أمثال الإمام الحكيم والشيخ حسين الحلي والإمام الخوئي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وقد لازم بحوث الإمام الخوئي قدس سره فقهاً وأصولاً أكثر من عشر سنوات، كما لازم بحث الشيخ الحلي قدس سره دورة أصولية كاملة.

اشتغل السيد الـمرجع بالبحث والتدريس بإلقاء محاضراته (البحث الخارج) 1381هـ في الفقه على ضوء مكاسب الشيخ الأعظم الأنصاري قدس سره وأعقبه بشرح كتاب العروة الوثقى للسيد الفقيه الطباطبائي قدس سره فتم له من ذلك شرح كتاب الطهارة وأكثر فروع كتاب الصلاة وبعض كتاب الخمس، كما ابتدأ بإلقاء محاضراته (البحث الخارج) في الأصول في شعبان 1384هـ وقد اكمل دورته الثالثة منها في شعبان 1411هـ، وقد سجل محاضراته الفقهية والأصولية في تقريرات غير واحد من تلامذته.

الإمام في النشوء والارتقاء

بدأ يدرس البحث الخارج فقهاً وأصولاً ورجالاً ويقدم نتائجه وعطاءه الوافر، وقد باحث المكاسب والطهارة والصلاة والقضاء والخمس وبعض القواعد الفقهية كالربا وقاعدة الإلزام

لقد برز السيد السيستاني (دام ظله)  في بحوث أساتذته بتفوق بالغ على أقرانه وذلك في قوة الإشكال وسرعة البديهية وكثرة التحقيق والتتبع في الفقه والرجال ومواصلة النشاط العلمي وإلمامه بكثير من النظريات في مختلف الحقول العلمية الحوزوية، وقد حظي بإجازة اجتهاد خطية من قبل سماحة السيد الخوئي (قدس) وشهادة أخرى من العلامة الشيخ حسين الحلي قدس سره وقد شهدا ببلوغه درجة الاجتهاد في شهادتين مؤرختين في عام 1380هـ مغمورتين بالثناء الكبير على فضله وعلمه، على أن المعروف عن الإمام الخوئي قدس سره عدم شهادته لأحد من تلامذته بالاجتهاد شهادة خطية إلا للإمام الـمرجع وآية الله الشيخ علي فلسفي من مشاهير علماء مشهد المقدسة. كما كتب له شيخ محدثي عصره العلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني قدس سره شهادة مؤرخـة في عام 1380هـ أيضاً يطري فيها على مهارته في علمي الرجال والحديث، أي أن الإمام السيستاني قد حاز على هذه المرتبة العظيمة بشهادة  العظماء وهو في الحادية والثلاثين من عمره.

هذا الفقيه الحسيني الذي تشهد في ملامح شبيته بقايا الملامح الحسينية المشرقة متمسك بجذوره في التواضع والزهد والابتعاد عن مباهج الدنيا لكنه مصر إلى درجة كبيرة على ممارسة دوره النبوي ـ الرسولي ـ الأمامي ـ بأدوات العصر وآلياته

ومنذ 34 سنة بدأ يدرس البحث الخارج فقهاً وأصولاً ورجالاً ويقدم نتائجه وعطاءه الوافر، وقد باحث المكاسب والطهارة والصلاة والقضاء والخمس وبعض القواعد الفقهية كالربا وقاعدة الإلزام. ودرّس الأصول ثلاث دورات وبعض هذه البحوث جاهز للطبع كبحوثه في الأصول العلمية والتعادل والتراجيح مع بعض المباحث الفقهية وبعض أبواب الصلاة وقاعدة التقية والإلزام. وقد أخرج بحثه عدة من الفضلاء البارزين وبعضهم على مستوى تدريس البحث الخارج، كالعلامة الشيخ مهدي مرواريد والعلامة السيد حبيب حسينيان (قدس) الذي استشهد ضحية النظام الدموي البائد في العراق والعلامة السيد مرتضى الأصفهاني والعلامة السيد أحمد المددي والعلامة الشيخ باقر الايرواني وغيرهم ممن هم من أفاضل أساتذة الحوزات العلمية، وضمن انشغال سماحته في الدرس والبحث خلال هذه المدة كان دام ظله مهتماً بتأليف كتب مهمة وجملة من الرسائل لرفد المكتبة العلمية الدينية بمجموعة مؤلفات قيمة، مضافاً إلى ما كتبه من تقريرات بحوث أساتذته فقهاً وأصولاً.

ومن أبرز مؤلفاته شرح العروة الوثقى، البحوث الأصولية، كتاب القضاء، كتاب البيع والخيارات، رسالة في اللباس المشكوك، رسالة في قاعدة اليد، رسالة في صلاة المسافر، رسالة في قاعدة الفراغ والتجاوز، رسالة في القبلة، رسالة في التقية، رسالة في قاعدة الإلزام، رسالة في الاجتهاد والتقليد،  رسالة في قاعدة لا ضرر، رسالة في الربا، رسالة في حجية مراسيل ابن أبي عمير، نقد رسالة تصحيح الأسانيد للأردبيلي، شرح مشيخة التهذيبين. رسالة في مسالك القدماء في حجية الأخبار ([1]).

بالإضافة إلى مؤلفات مخطوطة أخرى ورسائل عملية في الأحكام للمقلدين.

الإمام والانفتاح على قضايا العصر

هذا الفقيه الحسيني الذي تشهد في ملامح شيبته بقايا الملامح الحسينية المشرقة متمسك بجذوره في التواضع والزهد والابتعاد عن مباهج الدنيا لكنه مصر إلى درجة كبيرة على ممارسة دوره النبوي ـ الرسولي ـ الأمامي ـ بأدوات العصر وآلياته مع تراكم مذهل من الخصوصية التي تميز موقع النجف الفقهي في الحياة الاجتماعية والأخلاقية والعقائدية الإسلامية ومن يشهد تجربة الإمام الفقهية وإجاباته العصرية على مختلف المسائل الشرعية وفي شتى المجالات والاختصاصات والحقول يدرك أنه مصر على ممارسة هذا الدور لاستكمال ذات المهمة الرسولية النبوية الأمامية التي سار على خطاها فقهاء السلف الصالح أولئك الذين توارثوا النجف فارتفعت بهم وارتقوا بها منازل المعرفة والحضور وتمثيل خصوصية الشريعة والمدرسة الإمامية عبر التاريخ.

لكن الإمام السيستاني وكغيره من الفقهاء والمرجعيات الدينية الكبيرة لديه خصوصيته المتفردة في التفاعل مع المسألة الشرعية وفلسفتها الاجتماعية وحكمها العقائدي والأخلاقي إذ يرى أن المسألة ترتقي إلى قدسيتها المفترضة في الوجدان الاجتماعي والشخصي وفي البنية الدينية العامة للمجتمع الإسلامي من خلال ارتباطها بالواقع وحيثياته وتفاصيله الواقعية الدقيقة ومظاهره الاجتماعية وبكلمة أخرى يرى الإمام أن الواقع الاجتماعي بتعقيداته ومظاهره الثابتة والمتحركة هو الذي يقود الفقيه إلى حيثيات الحكم الشرعي وليس العكس. وهذا يتطلب مهارة وخبرة فائقة في الواقع وحيثياته. هذا يعني أن الإمام ينتمي إلى نمط المرجعيات الدينية غير التقليدية المؤمنة إيماناً راسخاً بما يطلق عليه عند طائفة عريضة وواسعة من العلماء والفقهاء وأصحاب الدراية وأهل الاختصاص بـ (الفقه المتحرك). إن الإمام ينتمي إلى المرجعيات المتحركة التي تستجيب لمتطلبات العصر وأسئلته الاستثنائية وضغطه المتواصل كما مقتضيات الزمان والمكان وتلاحق المستجدات والمتغيرات وتلك هي المهمة الحقيقة الملقاة على عاتق المرجعيات الدينية القيادية الكبيرة.

نجد هذا المعنى عند فتاوى الإمام ومواقفه الفقهية (إذا صح التعبير) إزاء الأسئلة التي توافدت وتتوافد باستمرار على مكتب سماحته في النجف من أبناءه المسلمين القاطنين في دول الاغتراب ففي جوابه على سؤال جواز أو عدم جواز العمل في مجال القضاء لحاملي شهادة الحقوق في البلدان غير الإسلامية أن يقضي الناس وفق قوانينها فيقول (لا يجوز التصدي للقضاء لغير أهله وعلى غير القوانين الإسلامية) ([2]).

الإمام هنا لا يرفض مهمة القضاء ومهنته ولا يحرم القضاة المسلمين من ممارسته لكنه يحترم خصوصية الملل والمذاهب الدينية الأخرى ويلزم المسلمين عدم التدخل احتراماً لهذه الخصوصية ليس إلا والإمام لا يمنع المسلمين من العمل في المحلات التجارية التي يباع فيها الخمر إذا ما كان عمل المسلم استلام الأموال فقط حيث يجيب سماحته (يجوز له تسلم ثمن غير الخمر وكذا ثمن الخمر إذا كان المتبايعان من غير المسلمين)([3]).

ومن الفتاوى التي تدخل في باب الفقه الحضاري لسماحة الإمام السيستاني ما يذكره عن حكم المصابين بمرض الإيدز حيث وردت أسئلة كثيرة على مكتب الإمام في النجف الأشرف من لدن أبنائه المغتربين في مناطق الشتات فكان جوابه جواب الفقيه الضليع بمسائل الفقه الاجتماعي الذي يقضي بضرورة استيعاب هذه الشريحة المصابة وعدم عزلها.

يقول السائل: ما هو حكم عزل المصاب بالإيدز هل يجب عليه أن يعزل نفسه وهل يجب على أهله عزله فيجيب الإمام (لا يجب عليه أن يعزل نفسه كما لا يجب عزله عن الآخرين بل لا يجوز منعه من حضور الأماكن العامة كالمساجد ونحوها ما دام أنه لا خطر في ذلك من انتقال العدوى إلى غيره. نعم يجب أن يراقب ويراقب في خصوص الطرق الناقلة للعدوى قطعاً أو احتمالاً) ([4]).

أساليبه الـمنهجية في التدريس

أما منهجه في التدريس فهو منهج متميز على مناهج كثير من أساتذة الحوزة وأرباب البحث الخارج، فعلى صعيد الأصول يتجلى منهجه بعدة خصائص:

أ.   التحدث عن تاريخ البحث ومعرفة جذوره التي ربما تكون فلسفية كمسألة بساطة المشتق وتركيبه، أو عقائدية وسياسية كبحث التعادل والتراجيح الذي أوضح فيه أن قضية اختلاف الأحاديث فرضتها الصراعات الفكرية العقائدية آنذاك والظروف السياسية التي أحاطت بالائمة عليهم السلام ومن الواضح أن الاطلاع على تاريخ البحث يكشف عن زوايا المسألة ويوصلنا إلى واقع الآراء المطروحة فيها.

ب. الربط بين الفكر الحوزوي والثقافات المعاصرة ففي بحثه حول المعنى الحرفي في بيان الفرق بينه وبين المعنى الإسمي وهل هو فارق ذاتي أم لحاظي؟ اختار اتجاه صاحب الكفاية في أن الفرق باللحاظ لكن بناه على النظرية الفلسفية الحديثة وهي نظرية التكثير الادراكي في فعالية الذهن البشري وخلاقيته، فيمكن للذهن تصور مطلب واحد بصورتين تارة بصورة الاستقلال والوضوح فيعبر عنه بالاسم وتارة بالآلية والانكماش ويعبر عنه بالحرف وعندما دخل في بحث المشتق في النزاع الدائر بين العلماء حول اسم الزمان، تحدث عن الزمان بنظرة فلسفية جديدة في الغرب وهي انتزاع الزمان من المكان »زمكان« بلحاظ تعاقب النور والظلام وفي بحثه حول مدلول صيغة الأمر ومادته وبحثه في التجري فقد طرح نظرية بعض علماء الاجتماع من أن تقسيم الطلب لأمر والتماس وسؤال نتيجة تدخل صفة الطالب في حقيقة طلبه من كونه عالياً أو مساوياً أو سافلاً.

وكذلك جعل الضابط استحقاق العقوبة عنوان تمرد العبد وطغيانه على المولى وأن ذلك مبني على التقسيم الطبقي للمجتمعات البشرية القديمة من وجود موالي وعبيد وعالٍ وسافل وما أشبه ذلك، فهذه النظرية من رواسب الثقافات السالفة التي تتحدث باللغة الطبقية لا باللغة القانونية المبنية على المصالح الانسانية العامة.

الاهتمام بالأصول المرتبطة بالفقه وأن الطالب الحوزوي يلاحظ في كثير من العلماء اغراقهم واسهابهم في بحوث أصولية لا يعد الاسهاب فيها إلا ترفاً فكرياً لا ينتج ثمرة عملية للفقيه في مسيرته الفقهية كبحثهم في الوضع وكونه أمراً اعتبارياً أو تكوينياً وأنه تعهد أو تخصيص وبحثهم في بيان موضوع العلم وبعض العوارض الذاتية في تعريف الفلاسفة لموضوع العلم وما شاكل ذلك

ج. الاهتمام بالأصول المرتبطة بالفقه وأن الطالب الحوزوي يلاحظ في كثير من العلماء اغراقهم واسهابهم في بحوث أصولية لا يعد الاسهاب فيها إلا ترفاً فكرياً لا ينتج ثمرة عملية للفقيه في مسيرته الفقهية كبحثهم في الوضع وكونه أمراً اعتبارياً أو تكوينياً وأنه تعهد أو تخصيص وبحثهم في بيان موضوع العلم وبعض العوارض الذاتية في تعريف الفلاسفة لموضوع العلم وما شاكل ذلك.

ولكن الـملاحظ في دروس المرجع السيستاني هو الإغراق وبذل الجهد الشاق في الخروج بمبنى علمي رصين في البحوث الأصولية المرتبطة بعملية الاستنباط كمباحث الأصول العملية والتعادل والتراجيح والعام والخاص، وأما البحوث الأخرى التي أشرنا لبعض مسمياتها، فبحثه فيها بمقدار الثمرة العلمية في بحوث أخرى أو الثمرة العلمية في الفقه.

د.   الإبداع والتجديد: هناك كثير من الأساتذة الماهرين في الحوزة من لا يملك روح التجديد بل يصب اهتمامه على التعليق فقط والتركيز على جماليات البحث لا على جوهره فيطرح الآراء الموجودة ويعلق على بعضها ويختار الأقوى في نظره ويشغل نفسه بتحليل عبارات من قبيل: فتأمل أو فافهم، ويجري في البحث على أن في الإشكال إشكالين  تأملاً وفي التأمل توقف.

هـ. نكاح أهل الشرك جائز ـ وكذلك بالنسبة لقاعدة التزاحم التي يطرحها الفقهاء والأصوليون كقاعدة عقلية أو عقلائية صرفة فيدخلها السيد المرجع تحت قاعدة الاضطرار التي هي قاعدة شرعية أشارت لها النصوص نحو »ما من شيء حرمه الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه« فإن مؤدي قاعدة الاضطرار هو مؤدى قاعدة التزاحم بضميمة فهم الجعل التطبيقي. وأحياناً قد يقوم بتوسعة القاعدة كما في قاعدة »لا تعاد« حيث خصها الفقهاء بالصلاة لورود النص في ذلك بينما السيد السيستاني جعل صدر الرواية المتضمن لقوله »لا تعاد الصلاة إلا من خمسة« مصداقاً لكبرى أخرى تعم الصلاة وغيرها من الواجبات وهذه الكبرى موجودة في ذيل النص »ولا تنقض السنة الفريضة فالمناط هو تقديم الفريضة على السنة في الصلاة وغيرها من مصاديق هذا التقديم الوقت والقبلة.. الخ على غيرها من أجزاء الصلاة وشرائطها لأن الوقت والقبلة من الفرائض لا من السنن.

و. النظرة الاجتماعية للنص: أن من الفقهاء من هو حرفي الفهم بمعنى أنه جامد على حدود حروف النص من دون محاولة التصرف في سعة دلالات النص وهناك من الفقهاء من يقرأ أجواء النص والظروف المحيطة به ليتعرف مع سائر الملابسات التي تؤثر على دلالته، فمثلاً ما ورد من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم أكل لحم الحمر الأهلية يوم خيبر، فلو أخذنا بالفهم الحرفي لقلنا بالحرمة أو الكراهية لأكل الحمر الأهلية أما لو اتبعنا الفهم الاجتماعي لرأينا أن النص ناظر لظرف حرج وهو ظرف الحرب مع اليهود في خيبر والحرب تحتاج لنقل السلاح والمؤونة ولم تكن هناك وسائط نقل إلا الدواب ومنها الحمير، فالنهي في الواقع نهي إداري لمصلحة موضوعية اقتضتها الظروف آنذاك ولا يستفاد منه تشريع الحرمة ولا الكراهة وسماحة السيد هو من النمط الثاني من العلماء في التعامل مع النص.

أن السيد السيستاني يركز دائماً على أن الفقيه لا يكون فقيهاً بالمعنى الأتم حتى تتوفر لديه خبرة وافية بكلام العرب وخطبهم وأشعارهم ومجازاتهم كي يكون قادراً على تشخيص ظهور النص تشخيصاً موضوعياً لا ذاتياً وأن يكون على اطلاع تام بكتب اللغة وأحوال مؤلفيها ومناهج الكتابة فيها

أن السيد السيستاني يركز دائماً على أن الفقيه لا يكون فقيهاً بالمعنى الأتم حتى تتوفر لديه خبرة وافية بكلام العرب وخطبهم وأشعارهم ومجازاتهم كي يكون قادراً على تشخيص ظهور النص تشخيصاً موضوعياً لا ذاتياً وأن يكون على اطلاع تام بكتب اللغة وأحوال مؤلفيها ومناهج الكتابة فيها فإن ذلك غير معتمد على قول اللغوي أو عدم الاعتماد عليه وأن يكون على إحاطة بأحاديث أهل البيت عليهم السلام ورواتها بالتفصيل، فإن علم الرجال فن ضروري للمجتهد لتحصيل الوثوق الموضوعي التام بصلاحية المدرك. وله آراء خاصة يخالف بها المشهور مثلاً ما اشتهر من عدم الاعتماد بقدح ابن الغضائري إما لكثرة قدحه أو لعدم ثبوت نسبة الكتاب اليه.

فإن السيد المرجع لا يرتضي ذلك بل يرى ثبوت الكتاب وأن ابن الغضائري هو المعتمد في مقام الجرح والتعديل أكثر من النجاشي والشيخ وأمثالهما، ويرى الاعتماد على منهج الطبقات في تعيين الراوي وتوثيقه ومعرفة كون الحديث مسنداً أو مرسلاً على ما قرره السيد البروجردي قدس سره، ويرى أيضاً ضرورة الإلمام بكتب الحديث واختلاف النسخ ومعرفة حال المؤلف من حيث الضبط والتثبيت ومنهج التأليف وما يشاع في هذا المجال من كون الصدوق أضبط من الشيخ فلا يرتضيه بل يرى الشيخ ناقلاً أميناً لما وجده من الكتب الحاضرة عنده بقرائن يستند إليها.

فهذه الجهات الخبرية قد لا يعتمد عليها كثير من الفقهاء في مقام الاستنباط بل يكتفي بعضهم بالظهور الشخصي من دون أن يجمع القرائن المختلفة لتحقيق الظهور الموضوعي بل قد يعتمد على كلام بعض اللغويين بدون التحقيق في المؤلف ومنهج التأليف ولا يكون لبعض آخر أي رصيد في علم الرجال والخبرة بكتب الحديث.

وعندما ادخل بحث التعادل والتراجيح رأى أن سر البحث يكمن في علة اختلاف الأحاديث فإذا بحثنا وحددنا أسباب اختلاف النصوص الشرعية انحلت المشكلة المعقدة التي تعترض الفقيه والباحث والمستفيد من نصوص أهل البيت عليهم السلام وذلك يغنينا عن روايات الترجيح والتغيير كما حملها صاحب الكفاية على الاستحباب، وهذا البحث تناوله غيره كالسيد الصدر قدس سره ولكنه تناوله بشكل عقلي صرف، أما السيد السيستاني فإنه حشد فيه الشواهد التاريخية والحديثية وخرج منه بقواعد مهمة لحل الاختلاف وقام بتطبيقها في دروسه الفقهية أيضاً.

إن المعروف عن كثير من الأساتذة حصر البحث في مدرسة معينة أو اتجاه خاص ولكن السيد السيستاني يقارن بحثه بين فكر مدرسة مشهد وفكر مدرسة قم وفكر مدرسة النجف

إن المعروف عن كثير من الأساتذة حصر البحث في مدرسة معينة أو اتجاه خاص ولكن السيد السيستاني يقارن بحثه بين فكر مدرسة مشهد وفكر مدرسة قم وفكر مدرسة النجف، فهو يطرح آراء الميرزا مهدي الأصفهاني قدس سره من علماء مشهد وآراء السيد البروجردي قدس سره كتعبير عن فكر مدرسة قم وآراء المحققين الثلاثة والسيد الخوئي قدس سره والشيخ حسين الحلي قدس سره كمثال لمدرسة النجف، وتعدد الاتجاهات هذه يوثق أمامنا زوايا البحث والرؤية الواضحة لواقع المطلب العلمي.

أما منهجه الفقهي فله فيه منهج خاص يتميز في تدريس الفقه وطرحه، ولهذا المنهج عدة ملامح:

أ ـ الـمقارنة بين فقه الشيعة وفقه غيرهم من المذاهب الإسلامية الأخرى، فإن الإطلاع على الفكر الفقهي السني المعاصر لزمان النص كالإطلاع على موطأ مالك وخراج أبي يوسف وأمثالهم يوضح أمامنا مقاصد الأئمة عليهم السلام ونظرهم حين طرح النصوص.

ب ـ    الاستفادة من علم القانون الحديث في بعض المواضع الفقهية كمراجعته للقانون العراقي والمصري والفرنسي عند بحثه في كتاب البيع والخيارات، والإحاطة بالفكر القانوني المعاصر تزود الإنسان خبرة قانونية يستعين بها على تحليل القواعد الفقهية وتوسعة مداركها وموارد تطبيقها.

مثلما يدلل أن الإمام على دراية بتعقيدات وأزمات ومشاكل هذا الوسط حيث يتطلب الأمر دوراً أساسياً للفقيه في تذليل الصعاب وحل المشاكل وإيجاد كل السبل الكفيلة بصمود أبناء المغتربات من المسلمين في مناطقهم وبلدانهم الجديدة خدمة للإسلام وترويجاً للشريعة الإسلامية

ج ـ     التجديد في الأطروحة: إن معظم علمائنا الأعلام يتلقون بعض القواعد الفقهية بنفس الصياغة التي طرحها السابقون ولا يزيدون في البحث فيها إلا عن صلاحية المدرك لها أو عدمه ووجود مدرك آخر وعدمه، أما السيد السيستاني فإنه يحاول الاهتمام في بعض القواعد الفقهية بتغير الصياغة مثلاً بالنسبة لقاعدة الإلزام التي يفهمها بعض الفقهاء من الزاوية المصلحية بمعنى أن للمسلم المؤمن الاستفادة في تحقيق بعض رغباته الشخصية من بعض القوانين للمذاهب الأخرى وإن كان مذهبه لا يقرها، بينما يطرحه السيد السيستاني على أساس الاحترام ويسميها بقاعدة الاحترام أي احترام آراء الآخرين وقوانينهم، وانطلاقه من حرية الرأي.

وهناك مسائل فقهية هي ردود على أسئلة مغتربين مسلمين تؤكد أن الإمام في أجوبته التي ضمنها فتاواه الشرعية قارئ كبير للواقع الاجتماعي الإسلامي في بلدان الاغتراب مثلما يدلل أن الإمام على دراية بتعقيدات وأزمات ومشاكل هذا الوسط حيث يتطلب الأمر دوراً أساسياً للفقيه في تذليل الصعاب وحل المشاكل وإيجاد كل السبل الكفيلة بصمود أبناء المغتربات من المسلمين في مناطقهم وبلدانهم الجديدة خدمة للإسلام وترويجاً للشريعة الإسلامية.

الروح الـمحمدية والنهج الإصلاحي للإمام

إن من يقترب من الفضاء الإنساني للمرجع السيستاني (دام ظله) ويتصل به يرى فيه شخصية فذة تتمتع بالخصائص الروحية والمثالية التي حث عليها أهل البيت عليهم السلام والتي تجعل منه ومن أمثاله من العلماء المخلصين مظهراً جلياً لكلمة (عالم رباني) وقوله عليه السلام: ( مجاري الأموربيد العلماء أمناء الله مع حلاله وحرامه).

الإنصاف واحترام الرأي

فإن السيد السيستاني انطلاقاً من عشق العلم والمعرفة ورغبة في الوصول للحقيقة وتقديساً لحرية الرأي والكلمة البناءة تجده كثير القراءة والتتبع للكتب والبحوث ومعرفة الآراء حتى آراء زملاءه وأقرانه أو آراء بعض المغمورين في خضم الحوزة العلمية، فتراه بعض الأحيان قد يشير في بحث لرأي لطيف لأحد الأفاضل مع أنه ليس من أساتذته أو الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه أصول الفقه فطرح هذه الآراء ومناقشتها مع أنها لم تصدر من أساطين أساتذته يمثل لنا صورة حية من صور الإنصاف واحترام آراء الآخرين.

الأدب في الحوار

إن بحوث النجف معروفة بالحوار الساخن بين الزملاء أو الأستاذ وتلميذه وذلك مما يصقل ثقافة الطالب وقدرته العلمية، وأحياناً قد يكون الحوار جدلاً فارغاً لا يوصل لهدف علمي بل مضمونه إبراز العضلات في الجدل وقوة المعارضة وذلك مما يستهلك وقت الطالب الطموح ويبعده عن الجو الروحي للعلم والمذاكرة ويتركه يحوم في حلقة عقيمة دون الوصول إلى الهدف، أما بحث السيد السيستاني (دام ظله) فإنه بعيد كل البعد عن الجدل وأساليب الإسكان والتوطين فهو في النقاش مع أساتذته وآراء الآخرين يستخدم الكلمات المؤدبة التي تحفظ مقام العلماء وعظمتهم حتى ولو كان الرأي المطروح واضح الضعف والاندفاع، وفي إجابته لاستفهامات الطالب يتحدث بانفتاح وبروح الإرشاد والتوجيه، ولو صرف التلميذ الحوار الهادف إلى الجدل الفارغ عن المحتوى فإن السيد السيستاني يحاول تكرار الجواب بصورة علمية، ومع إصرار الطالب فإن السيد المرجع حينئذ يفضل السكوت على الكلام.

خلق التربية

التدريس ليس وظيفة رسمية أو روتينية يمارسها الأستاذ في مقابل مقدار من المال، لأنّ هذه النظرة تبعد المدرس عن تقويم التلميذ والعناية بتربيته والصعود بمستواه العلمي للتفوق والظهور، كما أن التدريس لا يقتصر على التربية العلمية من محاولة الترشيد التربوي لمسيرة الطالب بل التدريس رسالة خطيرة تحتاج مزاولتها إلى روح الحب والإشفاق على الطالب ويحثه نحو العلم وآداب العلم أيضاً وإذا كان يحصل في الحوزة أو غيرها أحياناً رجال لا يخلصون لمسؤولية التدريس والتعليم فإن في الحوزات أساتذة مخلصين يرون التدريس رسالة سماوية لابد من مزاولتها بروح المحبة والعناية التامة بمسيرة التلميذ العلمية والعملية وقد كان الإمام الحكيم قدس سره مضرب المثل في خلقه التربوي لتلامذته وطلابه، وكما كانت علاقة الإمام الخوئي قدس سره بتلامذته فلقد كان هذا الخلق متجسداً في شخصية السيد السيستاني (دام ظله) فهو يحدث دائماً بعد الدرس على سؤاله ونقاشه فيقول: اسألوا ولو على رقم الصفحة، لبحث معين أو اسم كتاب مُعين حتى تعتادوا على حوار الأستاذ والصلة العلمية به وكان يدفعنا لمقارنة بحثه مع البحوث المطبوعة والوقوف عند نقاط الضعف والقوة وكان يؤكد دائماً على احترام العلماء والالتزام بالأدب في نقاش أقوالهم ويتحدث عن أساتذته وروحياتهم العالية وأمثال ذلك من شواهد الخلق الرفيع.

الـــــــورع

أما بحث السيد السيستاني (دام ظله) فإنه بعيد كل البعد عن الجدل وأساليب الإسكان والتوطين فهو في النقاش مع أساتذته وآراء الآخرين يستخدم الكلمات المؤدبة التي تحفظ مقام العلماء وعظمتهم حتى ولو كان الرأي المطروح واضح الضعف والاندفاع

إن بحوث النجف ظاهرة جلية في كثير من العلماء والأعاظم وهي ظاهرة البعد عن مواقع الضوضاء والفتن وربما يعتبر هذا البعد عند البعض موقفاً سلبياً لأنه هروب من مواجهة الواقع وتسجيل الموقف الصريح المرضي للشرع المقدس، ولكنه عند التأمل يظهر بأنه موقف إيجابي وضروري أحياناً للمصلحة العامة ومواجهة الواقع وتسجيل الموقف الشرعي يحتاج لظروف موضوعية وأرضية صالحة تتفاعل مع هذا الموقف، فلو وقعت في الساحة الإسلامية أزمات ومشاكل وجب على العلماء بالدرجة الأولى التصدي لإزالة الشبهات وإبراز الحقائق الناصعة، فإذا ظهرت البدع وجب على العالم أن يظهر علمه فإن لم يفعل سلب منه نور الإيمان، كما جاء في الحديث ، ولكن لو كان مسار الفتنة مساراً شخصياً وجواً مفعماً بالمزايدات والتعصبات العرقية والشخصية لمرجع معين أو خط معين أو كانت الأجواء تعيش حرباً دعائية مؤججة بنار الحقد والحسد المتبادل فإن علماء الحوزة ومنهم السيد السيستاني (دام ظله) يلتزمون دوماً الصمت والوقار والبعد عن هذه الضوضاء الصاخبة كما حدث بعد وفاة السيد البروجردي قدس سره ووفاة السيد الحكيم قدس سره وما يحدث غالباً من التنافس على الألقاب والمناصب والاختلافات الجزئية كما هو الحال في يومنا الحاضر مضافاً لزهده المتمثل في لباسه المتواضع ومسكنه الصغير الذي لا يملكه وأثاثه البسيط.

الإنتاج الفكري

السيد السيستاني ليس فقهياً فقط بل هو رجل مثقف مطلع على الثقافات المعاصرة ومتفتح على الأفكار الحضارية المختلفة ويمتلك الرؤية الثاقبة في المسيرة العالمية في المجال الاقتصادي والسياسي وعنده نظرات إدارية جيدة وأفكار اجتماعية مواكبة للتطور الملحوظ واستيعاب للأوضاع المعاصرة بحيث تكون الفتوى في نظره طريقاً صالحاً للخير في المجتمع المسلم.

وبعد وفاة الإمام الخوئي قدس سره كان من الستة المشيعين لجنازته ليلاً وهو الذي صلى على جثمانه الطاهر، وقد تصدى بعدها للتقليد وشؤون المرجعية وزعامة الحوزة العلمية والتدريس على منبر الإمام الخوئي قدس سره في مسجد الخضراء، وبدأ ينتشر تقليده وبشكل سريع في العراق والخليج ومناطق أخرى كالهند وأفريقيا وغيرها وخصوصاً بين الأفاضل في الحوزات العلمية وبين الطبقات المثقفة والشابة لما يعرف عنه من أفكار حضارية متطورة، وهو دام ظله من القلة المعدودين من أعاظم الفقهاء الذي تدور حولهم الأعلمية بشهادة غير واحد من أهل الخبرة وأساتيذ الحوزات العلمية في النجف الأشرف وقم المقدسة.

إن الإمام السيستاني الذي يتحدر من جذور حسينية محمدية عربية هاجرت مع من هاجر إلى مشهد القداسة الرضوية ذو هموم عراقية غيورة موغلة بالحرص على الوطن ومستقبله السياسي وسلامة نظامه الاجتماعي وحرية وكرامة أبنائه. عاش الإمام سنوات عمره في النجف. وللنجف الأشرف قصة طويلة في روح ووجدان هذا الفقيه الكبير كما أن المكان في فلسفة العارفين ومنهم الإمام دور عقائدي ورباني وإنساني سيتحول في مرور فترات الوعي والتجربة وتراكم الخبرة إلى قيمة معرفية وفقهية وروحية لا تضاهيها أية قيمة.

وهنا السؤال

إن الإمام السيستاني الذي يتحدر من جذور حسينية محمدية عربية هاجرت مع من هاجر إلى مشهد القداسة الرضوية ذو نزعة عراقية غيورة موغلة بالحرص على الوطن ومستقبله السياسي وسلامة نظامه الاجتماعي وحرية وكرامة أبنائه

كيف عاش الإمام السيستاني النجف كقيمة للمعرفة والتجربة وأفق مفتوح على الإنسان والمسألة الشرعية ودراسة الفقه الإسلامي ومعرفة الدور القيادي في الأمة والنهوض بواقع الإنسان وخدمة الشريعة الإسلامية؟.

النجف في ذاكرة الفقيه هي الإسلام والشريعة والدعوة إلى الهدى والمساواة والعدالة الاجتماعية والانتصار الإنساني والإياب إلى النور بعد جاهلية والوعي بعد ظلمة والتنوير بعد ويلات التخلف والعمى الفكري والشرعي والثقافي والاجتماعي والأخلاقي والعقيدي كما أن النجف هي الحاضرة التي تستجيب لمتطلبات الواقع بكل حيثياته وتفاصيله وتعقيداته وهي الحاضرة التي تجيب على كل الأسئلة الحرجة والاستثنائية والقادرة على الإضافة والإنتاج والإبداع والعمل وسط الأمة بروح لا تهدأ وعقل متوقد وذهنية منفتحة على أشواق الإنسان.

النجف هي الحاضرة التي تستجيب لمتطلبات الواقع بكل حيثياته وتفاصيله وتعقيداته وهي الحاضرة التي تجيب على كل الأسئلة الحرجة والاستثنائية والقادرة على الإضافة والإنتاج والإبداع والعمل وسط الأمة بروح لا تهدأ وعقل متوقد وذهنية منفتحة على أشواق الإنسان

فمشروع النجف بهذه المواصفات والشروط التاريخية أكبر منها كمدينة ومساحتها الحالية أقل بكثير من دورها الفكري ومساحتها الحضارية في المشروع الإسلامي المعاصر والإمام يتطلع فيما يتطلع إلى النهوض بالمكان كقيمة للمعرفة كما النهوض به كحاضرة للعلم ومركز للنشاط الثقافي والعقائدي والأخلاقي وعاصمة مسؤولة عن العراق وآفاق مستقبله وأرواح أبنائه وتطوره بعد أن أجلت السياسات والمصالح السلطوية الدكتاتورية ومقاييسها الدموية في النظر لمصالح الشعوب هذه العاصمة من أن تتبوأ مقعدها الأساس في بناء الشخصية العراقية المسلمة وقاعدتها المتينة في بناء الهرم الوطني للسلطة والدولة في العراق.

قيمة الـمكان

في بيت الإمام المتواضع بالنجف تشهد أو أن المكان يضعك في عمق المشهد الإنساني للإمام وهو يتفاعل مع قضايا الحياة لكنك حين تدلف دارة هذا المفكر الكبير والقيادي البارز سرعان ما ستسقط أسيراً ومنجذباً لتلك الشخصية الإسلامية وساحتها الروحانية المحمدية.

في بيت الإمام المتواضع بالنجف تشهد أو أن المكان يضعك في عمق المشهد الإنساني للإمام وهو يتفاعل مع قضايا الحياة لكنك حين تدلف دارة هذا المفكر الكبير والقيادي البارز سرعان ما ستسقط أسيراً ومنجذباً لتلك الشخصية الإسلامية وساحتها الروحانية المحمدية

كوز الماء والعبقرية والذهنية المتوقدة والترابية الحسينية والحرص الشديد على الإسلام والأمة والعراق والمستقبل والتنمية وشيبة يجللها اليقين ـ كل شيء في هذا المكان يوحي لك بالتواضع والترابية دون تكلف. مكتبة هي حصيلة جهد دهور من الكدح المستمر إلى الله والناس إيماناً من هذه المرجعية بأن العمل إلى الله تعالى لن يرتقي إلى اليقين وعمق الحقيقة إلا بالعمل مع الناس لكن تلك المصنفات والكتب ليست كبقية المصنفات إذا ما وضعت الى جانب الإمام أو خلفه وتبدو صورتها الأولية الانطباعية عبارة عن مشهدية تاريخية لا تستطيع التفريق في قراءتك لأبعادها المادية بين الإمام والمصنف وبينه وبين كتب الحديث الفلسفة والأصول والدراسات القرآنية فهو جزء منها وهي جزء منه ولن ينفصلا حتى ينجزا المهمة الرسولية الملقاة على عاتقهما  في الحياة. إنها ستكتسب بالتأكيد قيمتها التاريخية وقيمتها الزمكانية ووهجها المستمر هذا إضافة إلى مجمل المؤلفات والأفكار التي وضعها الإمام بخط يده طيلة حياته العملية وعمره الشريف. إن المؤلف الفقهي المركون خلف الفقيه الإمام ليس مؤلفاً ساكناً إنه مؤلف متحرك كونه يستمد حركيته مديناميكيته من الذات المتحركة للفقيه.

هذا الكلام  لا يقال إلا في حضرة الفقهاء الكبار والقيادات الدينية البارزة التي أفنت ذاتها بساحة الفناء المطلق للحضرة الإلهية المقدسة أمثال آية الله العظمى الإمام السيد علي السيستاني.

ولا زالت الذاكرة الإسلامية والنجفية بشكل خاص تتذكر وأفعال كتائب المجاهدين العراقيين (علماء وكسبة وفلاحين وبسطاء) من الذين أرسلتهم القيادات الدينية والزعامات الفقهية في النجف الأشرف إلى ليبيا زمن الاحتلال الإيطالي لها

إن المكان في فلسفة الإمام يستند إلى الإرث الفقهي والفكري للنجف وسخونة التراب الذي يضم بين دفتيه وذراته الإمام علياً عليه السلام ولما تختزنه تلك المدينة من حركة تنويرية وجهادية ومعرفية وأصولية أمدت العالم الإسلامي بالأفكار المختلفة والمفاهيم المميزة، فبالإضافة إلى نشر الفكر ومسؤوليتها الشرعية في ترجمة نصوصها وأقوالها الأصولية إلى أفعال وريادتها في تسويق حركة التنوير الديني والأخلاقي ساهمت النجف في مجمل أفكار وأفعال الحركة الاستقلالية الوطنية التي راجت في أجزاء واسعة من الوطن العربي والإسلامي بدايات القرن الـماضي ولا زالت الذاكرة الإسلامية والنجفية بشكل خاص تتذكر وأفعال كتائب المجاهدين العراقيين (علماء وكسبة وفلاحين وبسطاء) من الذين أرسلتهم القيادات الدينية والزعامات الفقهية في النجف الأشرف إلى ليبيا زمن الاحتلال الإيطالي لها. إن بيت المرجع والإمام السيستاني يختزن تلك التأملات التاريخية ولا أستطيع النظر إلى هذا البيت الواقع في زاوية نجفية أو أتأمل ملامح هذا الفقيه من غير ما تقودني الذاكرة أو عينا ذاكرتي لتلك المعاني والمفاهيم والكتائب.

وفي هذا البيت النجفي أيضاً نشهد كل فصول المواجهات الفقهية والتأملات الفلسفية والأصولية والقرآنية التي تحتدم أو تلك التي احتدمت في هذا البيت منذ عشرات السنين  كما تشهد احتدامات ومواجهات سياسية عن مستقبل العراق بعد أن تبوأ الإمام السيستاني المكانة الأولى في فضاء القيادة المرجعية وزعامة الأمة والانفتاح على العالم.. هذا البيت وقيادته الدينية الكبيرة يمارس مواقف ويتخذ قرارات ويعمل اليوم على تقريب وجهات نظر العراقيين من مختلف الفصائل السياسية والتيارات الاجتماعية والحزبية مثلما يمارس الانفتاح على القوى السياسية في العراق من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وفي المحصلة  تحول هذا البيت الذي يضم مرجع الأمة الإسلامية إلى قبلة يؤمها الزعماء والقادة والتيارات السياسية والجمعيات والمؤسسات العراقية والعربية والاسلامية، هذا البيت سيكون له ـ  كما هو حاصل حالياً ـ شأن أكبر في تقرير مستقبل التنمية والتطوير في العراق مثلما يمتلك ذات الشأنية القيادية في تقرير حق الشعب العراقي بالحرية والاستقلال وتكوين تجربته السياسية في إدارة شؤونه بنفسه.


([1])   أساطين المرجعية العليا ـ محمد حسين الصغير.

([2])   ص 204 كتاب الفقه للمغتربين، مؤسسة الإمام علي المؤلف عبد الهادي السيد محمد تقي الحكيم.

([3])   نفس المصدر.

([4])   نفس المصدر.

الفصل الثاني

 

 ¨ الإمام الـمرجع والحركة الوطنية الاستقلالية

  ¨ الدفاع عن الأمة ـ الدفاع عن السيادة الوطنية

   ¨ نقل السلطة ـ التحول الوطني نحو الدولة العادلة

  ¨ ثبات في الـملمَّات التاريخية

الإمام الـمرجع
والحركة الوطنية الاستقلالية

شكل سقوط النظام الدكتاتوري في بغداد بتاريخ 9/4/2003 حدثاً سياسياً ودولياً عظيماً وهاماً. وأحدث دون شك دوياً هائلاً في كل مكان، في العالم العربي والإسلامي وفي أرجاء العالم. وأهمية هذا الحدث نابعة دون مواربة من أهمية الأزمة الوجودية التي أسسها النظام السابق في العراق وبين العراق وبقية المكونات العربية والإسلامية والدولية عبر حروبه ونزاعاته واحتلاله دولة الكويت وحربه ضد إيران واستخدامه الأسلحة المحرمة ضد الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب وقتل الناس وقمع الحريات وتحويل البلاد إلى مزرعة لرجال السلطة وأحفاد عوائلها وزبانيتها وحزبها.

وقد أكد سقوط النظام سقوط الدكتاتورية والعنف المسلح وقمع الحريات وبداية مجيء مرحلة سياسية خالية من أسلحة الدمار الشامل وحكم الفرد الواحد والحزب الواحد والإيديولوجية المتفردة وتلك البداية لابد أن يتم تشكيلها بإرادة الشعب العراقي ومرجعيته الدينية وقواه الوطنية السياسية من كافة المشارب والتوجهات والتيارات.

فالعراق القادم هو عراق مختلف تتشكل أدوات ومكونات دولته من خلال توافق الإرادات واتفاق المواقف ولو بحدودها المعقولة لبناء نظام وطني دستوري برلماني تعددي يقوم على أساس أن يكون الإسلام دين الدولة كون الإسلام يمثل أكثرية الشعب العراقي ومن هنا تدرك المرجعية الدينية الممثلة بالإمام آية الله العظمى السيد علي السيستاني أنها معنية بتأصيل وتكريس حقوق العراقيين وحماية مكتسبات انتفاضته وثوراته وكفاحه السياسي الطويل ضد الدكتاتورية وتدرك أيضاً موقعها في دائرة التحول الوطني من الدكتاتورية إلى الدولة القانونية ـ الدستورية ـ لكنها تعلم أيضاً أن أهمية المرجعية الدينية تكمن في تفاعلها الفقهي والفكري والسياسي مع إجراءات وتفاصيل وحيثيات التحول خصوصاً وأن القوات الأمريكية وإدارتها المدنية حسمت أمر إعادة السلطة للعراقيين بقرارها تسليم مقاليد الحكم بعد حزيران سنة 2004 كما أكد ذلك الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر.

بالإمام آية الله العظمى السيد علي السيستاني أنها معنية بتأصيل وتكريس حقوق العراقيين وحماية مكتسبات انتفاضته وثوراته وكفاحه السياسي الطويل ضد الدكتاتورية

ما بذله ويبذله الإمام السيستاني في هذا المجال كبير جداً بالقياس إلى قصر مدة دخول العراق في دائرة الاستهداف العسكري الأمريكي ووقوع البلاد تحت الاحتلال وبالقياس إلى الترتيبات التي سبقت قيام مجلس الحكم حيث كانت البلاد بدون سلطة مؤقتة أو حكومة شكلية تسّير الشؤون وتتولى بعض المقاليد والقرارات.

الإمام أدى وبحزم إرادة واعية وذهنية منفتحة على التطورات السياسية والعسكرية العاصفة التي شهدها العراق الدور المفترض أن يؤديه فقيه كبير مثله، فقد تصدى للمسألة العراقية بكل التعقيدات التي تحملها في داخلها بروح مخلصة لشعبها ودينها ومشروعها الاجتماعي ومستقبل إنسانها، ومن بين أهم المسائل الوطنية التي اهتم الإمام بها وأولاها الأهمية الاستثنائية مسألة صياغة الدستور الذي سيضع العراق على سكة الأمن والاستقرار والرفاهية والتطور والمدنية والديمقراطية وآفاق علاقاته العربية والإسلامية والدولية وكانت له آراءه وتوجهاته الفقهية والفكرية والسياسية حيث أصبح ما بعد سقوط النظام وتحريك ملف إعادة نظم إيقاع الحركة السياسية في البلاد بعد عهود من الديكتاتورية والاستبداد ملاذ القوى السياسية الوطنية الباحثة عن استقلال بلادها ورفاهيتها فضلاً عن تحول الإمام المرجع إلى مرجعية قرار خاص بتوجهات البلاد القادمة يؤخذ رأيه في كل صغيرة وكبيرة ويتطلع كل الذين يهمهم أمر العراق إلى النجف ومرجعيته الدينية باعتبارها القاعدة الفقهية والسياسية والفكرية التي تنظم الفعل السياسي الوطني وتوفق ما بين الفرقاء وتعيد إنتاج الحياة السياسية على أساس المشاركة والتعايش وقبول الآخر مهما كان هذا الآخر.

تحول الإمام المرجع إلى مرجعية قرار خاص بتوجهات البلاد القادمة يؤخذ رأيه في كل صغيرة وكبيرة ويتطلع كل الذين يهمهم أمر العراق إلى النجف ومرجعيته الدينية باعتبارها القاعدة الفقهية والسياسية والفكرية التي تنظم الفعل السياسي الوطني

المسألة الدستورية التي يلح الإمام السيستاني على ضرورة أن تكون المسألة الأولى نابعة من كون الإمام يريد تأسيس نظام سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي في البلاد غير قائم على حاكمية الفرد المطلقة ـ الحاكمية التي كلفت البلاد أكثر من ثلاثة عقود من الحروب والأزمات الحدودية والقتل والتعذيب والاعتقال والاختفاء لأكثر من أربعة ملايين مواطن عراقي. إن الإمام لا يريد إعادة الدكتاتورية ونظام الاستبداد ببراقع ووجوه أخرى تحت غطاء الديمقراطية ولوائها ولا يريد استعادة النهج السابق في التعاطي مع القيم والنظم التي لها علاقة بأخلاقيات الأمم وتوازناتها السياسية والثقافية كمسألة الدستور وكتابته والاتفاق على رأي عراقي واحد يقود البلاد إلى الوحدة لا الفتنة والتماسك لا التشرذم.

ففي جوابه لمراسل وكالة أنباء أسوشيتد بريس الأمريكية في بغداد بتاريخ 21/ شعبان /1424هـ رداً على سؤال حث الإمام على انتخاب من يكتب دستور العراق الجديد أن الاستفتاء على الدستور كتبه أناس تم اختيارهم من كل شرائح المجتمع وفئاته فهل تتم شرعيته على أساس اختيار فئات اجتماعية لكتابة الدستور يجيب الإمام على ذلك قائلاً: (في وضع العراق الحالي لا توجد أية جهة يمكنها أن تقوم باختيار أعضاء مجلس كتابة الدستور بصورة مقبولة من الجميع بحيث يتمثل في المجلس المشكل جميع شرائح المجتمع العراقي تمثيلاً عادلاً بل إن من المؤكد أن المصالح الشخصية والفئوية والعرقية والحسابات الحزبية والطائفية ستتدخل بصورة أو بأخرى في عملية الاختيار ويكون المجلس المشكل فاقداً للشرعية ولا يجدي عندئذ إجراء الاستفتاء على ما يضعه من الدستور بـ نعم أو لا فلا بديل عن إجراء انتخابات عامة لاختيار أعضاء المؤتمر الدستوري)(*).

الدفاع عن الأمة ـ الدفاع عن السيادة الوطنية:

الإمام السيستاني لا يسكن في النجف بل يتخذ هذه المدينة المقدسة قاعدة لانطلاق الفكرة المضيئة وتجسير العلاقة بين مختلف فئات المجتمع العراقي في الداخل وشعوب الأمة الإسلامية في الخارج إن هذا المرجع والمراجع الذين سبقوه عاشوا في أفئدة الـمدافعين عن الإسلام وشريعته مثلما عاشوا في قلوب الناس جميعاً. وقد لعبت النجف كقاعدة للتنوير والقرار السياسي المستقل دوراً مهماً في الدفاع عن أهداف الشعوب العربية والإسلامية وكان لها دور كبير أيضاً في التوفيق ما بين المذاهب الإسلامية على ما كان بين هذه المذاهب من خلافات فقهية وفكرية وعقائدية وقد شاركت النجف بأفضل علمائها تأريخياً بمؤتمر بحمدون أوائل القرن الماضي من أجل تأسيس مناخ الوحدة الإسلامية والكل يعرف مجمل الطروحات العقائدية والسياسية الدالة على الوحدة تلك التي اشتغلت عليها مرجعية النجف الأشرف وفي هذا الإطار نذكر المؤلف القيم الذي قام بتأليفه إمام الطائفة آنذاك آية الله العظمى المرجع الكبير محمد حسين كاشف الغطاء (الوحدة في الإسلام لا في بحمدون) وعلى هذا المنوال سارت المرجعية الدينية في الأمة على أن الهدف الإسلامي الكبير الذي كانت تسعى إليه تحصين الأمة بعقيدتها الإسلامية وتراثها وإرثها التاريخي في مواجهة ما يهددها من أخطار وتحديات.

الإمام السيستاني جزء لا يتجزأ من حركة المرجعية الدينية في الأمة حيث وقف الإمام معها ومع لحمتها ومأساتها التاريخية الكبيرة وأمانيها في الاستقلال والعدالة والمساواة في أحلك الفترات وأشدها وأكثرها قسوة ووطأة عليه وعلى كافة فئات الشعب العراقي ولم يتخلَ هذا المرجع الكبير عن الشعب العراقي ومأساته حين كان النظام في أقسى درجات تعامله مع الشعب العراقي ومع كل القيادات الدينية والسياسية التي حاولت أن تحدث انفراجاً ما في علاقة الشعب العراقي بنظامه السياسي المستبد.

إن وقوف الإمام مع شعبه وأمته في العراق لم يكن يترجم على شكل أفعال جزئية كأن يدافع الإمام عن حقوق الطائفة الشيعية دون بقية الطوائف والاتجاهات الاجتماعية والفقهية والمذهبية. لقد وقف الإمام بعد انجلاء غبرة التحول العسكري الأخير ونهاية الحرب الأمريكية ضد النظام بإسقاطه إلى جانب كل العراقيين بجميع طوائفهم واتجاهاتهم الدينية والاجتماعية.

الإمام السيستاني لا يسكن في النجف بل يتخذ هذه المدينة المقدسة قاعدة لانطلاق الفكرة المضيئة وتجسير العلاقة بين مختلف فئات المجتمع العراقي في الداخل وشعوب الأمة الإسلامية في الخارج

وفي هذا الإطار يقول الإمام على هامش ما تتعرض له أمتنا في العراق من عمليات إجرامية تستهدف مراكزها وبناها الاقتصادية والتجارية والتعليمية (يعاني الشعب العراقي منذ سقوط النظام السابق من سوء الأوضاع الأمنية وتزايد الأعمال الإجرامية التي يتعرض لها المواطنون في مختلف أرجاء العراق وكان من آخرها الاعتداء الآثم الذي استهدف مكتب سماحة المرجع الديني آية الله الحكيم (دامت بركاته) حيث أدى إلى سقوط العديد من الأبرياء بين قتيل وجريح ونجم عنه أيضاً أضراراً واسعة في الممتلكات والدور المجاورة. ونحن إذ نشجب جميع الأعمال الإجرامية ولا سيما ما يمس منها الحوزة العلمية المقدسة ندعو الجهات ذات العلاقة إلى وضع حدٍ لهذه الظاهرة الخطيرة واتخاذ الإجراءات اللازمة لتحسين الوضع الأمني ومنها تعزيز القوات الوطنية العراقية المكلفة بتوفير الأمن والاستقرار ودعمها بالعناصر الكفوءة والمعدات الضرورية. نسأل الله العلي القدير أن يجنب الشعب العراقي عامة والحوزة العلمية خاصة كل سوء ومكروه ويأخذ بأيدي الجميع إلى ما فيه الخير والصلاح إنه سميع مجيب)(*).

إن الإمام السيستاني يتحدث عن ضرورة إيجاد القوات الأمنية العراقية لا القوات الأمريكية أو الاستعانة بشرطة وقوات بقية أطراف التحالف الدولي مثلما يتحدث عن ضرورة إيجاد نظام سياسي وأمني قادر على ضبط الأوضاع وحماية الممتلكات والبنى الأساسية الخاصة بالمجتمع العراقي

إن الإمام السيستاني يتحدث عن ضرورة إيجاد القوات الأمنية العراقية لا القوات الأمريكية أو الاستعانة بشرطة وقوات بقية أطراف التحالف الدولي مثلما يتحدث عن ضرورة إيجاد نظام سياسي وأمني قادر على ضبط الأوضاع وحماية الممتلكات والبنى الأساسية الخاصة بالمجتمع العراقي لكن سماحته يربط حياة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم عبر الحادثة التي تعرض لها بحياة الشعب العراقي فهو يتحدث عن ضرورة ضبط الأمن في الشارع وتوفير الأمن للمرجع ما يعني أن الإمام السيستاني لا يفرق في تعاطيه السياسي ـ الإنساني بين مرجع وأمة أو أمة ومرجع فكلاهما ينتميان إلى دائرة الحكم الشرعي وإطار اهتمامات قيادته الدينية السياسية الراهنة وإلا فلا معنى لضرورة الحديث عن توفير الأمن للمرجع من دون المطالبة بتوفيره للشارع.

نقل السلطة ـ التحول الوطني نحو الدولة العادلة

تقف مسألة نقل السلطة السياسية والإدارية من قوات التحالف الدولي الموجودة في العراق لإدارة سياسية عراقية وطنية في عمق اهتمامات الإمام المرجع وهو يوليها ولا زال وسيبقى الأهمية البالغة في يومياته عبر لقاءاته السياسية ومحاضراته ومحادثاته مع مختلف الأطراف العراقية والعربية والدولية على أن الإمام يضع مصلحة الشعب العراقي وقيام الدولة الوطنية الدستورية البرلمانية الموحدة التي تستجيب لكل الواقع ولا تهمل شيئاً من تفاصيله وحيثياته في مقدمة المهمات لا في آخرها. وإذا ما عرفنا أن المسألة العراقية مسألة معقدة على خلفية حجم المطالب السياسية للأطراف والمذاهب والاتجاهات الاجتماعية والحزبية نعرف أيضاً أن مهمة الإمام السيستاني ليست سهلة على الإطلاق لكن الإمام وهذا ما دلت عليه مجمل لقاءاته السياسية وفتاواه الشرعية ومواقفه المبدئية يواجه هذا التعقيد والتحدي الكبيرين بروح القائد الكبير والمرجع الملهم والرمز الذي تلتف حوله بقية أطراف الفريق السياسي الحالي في العراق سعياً لإقامة الدولة الوطنية العادلة.

إن الإمام يضع مصلحة الشعب العراقي وقيام الدولة الوطنية الدستورية البرلمانية الموحدة التي تستجيب لكل الواقع ولا تهمل شيئاً من تفاصيله وحيثياته في مقدمة المهمات لا في آخرها

في جوابه عن سؤال وجه إليه من قبل مراسل صحيفة (واشنطن بوست) في بغداد بشأن التطورات السياسية في العراق وعلى هامش الحديث عن ضرورة وضع دستور دائم يحتكم إليه الشعب العراقي ويقوم بإنتاج الحياة السياسية العراقية القادمة بعد أن سأله المراسل بما يلي:

ما هي وجهة نظر سماحتكم بالنسبة للخطة الجديدة لانتقال السلطة في العراق؟

يجيب الإمام:

أولاً:   أنها تبتني على إعداد قانون الدولة العراقية للفترة الانتقالية من قبل مجلس الحكم بالاتفاق مع سلطة الاحتلال، وهذا لا يضفي عليه صفة الشرعية، بل لابد لهذا الغرض من عرضه على ممثلي الشعب العراقي لإقراره.

ثانياً



التعليقات «1»

احمد السادة - دولة القطيف - صفوى [السبت 10 فبراير 2007 - 1:57 ص]
اللهم احفظ مراجعنا الكرام

موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.129 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com