الاستاذ مازن الشماسي - 15/08/2010ظ… - 9:26 ص | مرات القراءة: 1761


السرُّ يكمن في القرآن وإن إنزال القرآن في شهر رمضان الفضيل هو الغاية من أن ندرك أننا حينما نتصل بالله تعالى ونتواصل بالقرآن ونقرأه على أنه غاية إلهية للوصول إلى أسمى المعاني الروحية والقلبية حينها سندرك حتما تلك العظمة التي كان عليها الإسلام وكيف استطاع أن يمتلك القلوب بالروح والفكر والمعرفة لا بالسيف.

هناك سرٌّ كبير يربط بين هذا الشهر الفضيل والقرآن الكريم، للأسف الشديد أصبحت تلاوة القرآن الكريم عند الكثيرين مجرد تلاوة للتداوي أو الشفاء، أو للتلاوة على روح الموتى، وللثواب لمجرد الثواب، وأفرغ المحتوى الأساس من تلاوة القرآن الكريم الذي هو أساس للحياة، سأبدأ كلامي هنا من خلال وقائع عشتها أثناء تجوالي في دولة إسلامية كبيرة وهي تركيا الرائعة،

والسؤال المطروح هنا كيف استطاع العرب، والذين لم يملكوا أي نوع من الحضارة أن يتمكنوا من فتح وجذب تلك المدن، والتي يصعب الصعود إليها بالسيارة فضلا عن الخيول، ويصنعوا حضارة إسلامية عريقة في تلك الدول ما السرُّ الحقيقي وراء تمكن العرب من أن يقوموا بتلك الفتوحات، طوال رحلتي كنت أفكر في نوع تلك الإجابة، حقيقة إن من يمتلك تلك الحضارة لن يستطيع أي شخص مهما كان أن يتغلب عليهم، ولكن العرب قدموا بسرٍّ استطاع أن يمتلك تلك القلوب، وهو القرآن الكريم.

نعم لم يكن النبي الأكرم محمد (ص) موجودا معهم، ولكن روحه تحلق حولهم كلماته وإرشاداته، ولكن الأهم هو القرآن الذي كان حاضرا في كل مفصل من مفاصل تلك الفتوحات، كنت أفكر هل بإمكان السيف فقط أن يكون قادرا على عمل تلك الفتوحات، فتلك الأمم لم يكن لينقصها السيوف والعقول والحضارة، ولكن ما جاء به العرب إلى تلك الدول أكبر بكثير من مجرد سيوف، لقد جاؤوا بالقرآن الكريم ، والدليل على ذلك أن تلك الدول فيما بعد أصبحت أكثر حبّا للقرآن من العرب أنفسهم، والتي انهارت إمبراطورياتهم لعوامل عديدة، لا يسعنا الحديث عنها، واستطاعوا أن يمتلكوا زمام الخلافة لقرون عديدة، ويكونوا حكاما وقادة للعرب أنفسهم.
القرآن الكريم كان وحده الكفيل بحفظ الإسلام في تلك المناطق، إذا على كل من يريد أن يقرأ القرآن عليه أن يقرأه بفكره وروحه وقلبه، وعليه أن يكتشف السرَّ الذي جعل العرب من أعظم الأمم، حينما كان القرآن وسيلة للتغيير والحياة والسياسة والإدارة، والسرَّ الذي جعل العرب من أرذل الأمم حينما جعلت القرآن الكريم مجردا من معنى الحياة والهداية والسياسة والإدارة، مما جعلها من أرذل الأمم في عالمنا المملوء بالمتكبرين والمتعجرفين.

إذا ونحن في شهر رمضان علينا أن نفهم أمرا مهما، وهو أنه في رمضان أنزل القرآن يقول تعالى "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)".
هذا الترابط القوي والمتين بين القرآن الكريم وبين ليلة القدر، فأفضلية ليلة القدر نابعة من تنزيل القرآن فيها، هذا القرآن الذي هو خلاص للأمم والشعوب.
ولهذا فعلى كل من يقرأ القرآن يجب أن تكون قرآته لوحدة الصف ومعرفة الحق والصدق ولنشر الهداية ومعرفة أسرار الخلقة والكون وحقيقة الصراع بين الأمم لأخذ العبر والمواعظ منها، إن من يعرف أسرار القرآن ومن يقرأ القرآن على أنه كتاب عالمي، فحتما سيتمكن من فتح قلوب وعقول الأمم الكونية تماما كما حصل للمسلمين الذين استطاعوا أن يفتحوا العالم، وهذا أمر بديهي يقول تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ "سورة فاطر(39) فالخلافة الإنسانية على وجه الأرض تستدعي السيطرة عليها كائنة من كانت هذه الأمة بحسب قول بعضهم" إن الذي جعل الخلافة الأرضية في العالم الإنساني هو ربهم المدبر لأمرهم،

وجعل الخلافة لا ينفك عن نوع الخلقة فخالق الإنسان هو رب الإنسان"، وبناء على هذا فمن يتمسك بزمام القرآن كعنوان للحياة والوحدة سيكون هو الخليفة على وجه الأرض ونحن نلاحظ كيف أن غير المسلمين من أوروبا وأمريكا أخذوا بزمام الوحدة فتوحدت دولهم وبالتالي استطاعوا أن يملكوا زمام الخلافة الأرضية، بينما نلاحظ المسلمين ودولهم مفرقين مجزأين وبالتالي لم يتمكنوا من إمساك زمام الخلافة الأرضية.

وبالتالي قاموا باستضعاف المسلمين إلى درجة عالية من المهانة والذل فأصبحت ديار المسلمين هدفا سهلا لهم، فقاموا بزرع الدولة الغاصبة على أراضي فلسطين الحبيبة، ولعلنا من ضعفنا أصبحنا لا نجد حتى في الإعلام العربي لفظ العدو المحتل، بل يطلق عليها دولة إسرائيل على أرض عربية شرد أهله، بالقوة والغصب، واحتلوا دولتين إسلاميتين هما العراق وأفغانستان، وأي أمر أفظع واكبر من هذا الذل الذي بلغناه، أليس هذا دليلا واضحا على هجرنا للقرآن وأننا مهما قرأنا القرآن فإننا نقرأه خال من المعنى الأساس، في الماضي حينما صرخت امرأة في أقاصي الدنيا وامعتصماه هرعت جيوش الإسلام لنجدتها،

العامل القرآني كان لا يزال حيا في تلك الشعوب، واليوم دول كاملة تغتصب ولا مغيث لهم اليوم كما هو حال أهلنا في غزة المظلومة، ولكن القرآن الكريم ينبئنا بأن الذين استضعفوا هم الوارثين للأرض يقول تعالى " وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) " سورة القصص .

وهو مشروط بكون القرآن منبعنا وأساسنا للحياة وكل شيء، وليس مجرد كتاب عادي نقرأه للثواب أو للموتى أو نعلقه في المكاتب والرفوف للزينة أو نتناقله كهدية فقط، هذا القرآن العظيم الذي لو أنزل على جبل يقول تعالى" لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) " هذه هي حقيقة القرآن ندعوا الله تعالى أن يريها إيانا فيجعل حقيقة قلوبنا كهذا الجبل الذي يتصدع ويخشع من خشية الله، ولكن قلوبنا نحن البشر أقسى من هذا الصخر يقول تعالى " ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) " إذا كانت قلوبنا بهذا الوصف فحتما نحن لن ندرك حقيقة هذا القرآن العظيم.

إذا هناك ترابط بين القرآن الكريم وبين ضعف المسلمين وقوتهم، يقول تعالى" ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) ".
هناك ذم واضح من القرآن حول أسباب ضعف المسلمين ومن أهمها الاختلاف، والذي يعتبر من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى ضعف المسلمين، وهو وسيلة بيد الأعداء لبث الشقاق بين المسلمين، كما هو حالهم تماما الآن.

القرآن الكريم يملك كل آليات القوة التي من خلالها نستطيع أن نظهر الدين على كل الأرض، إن القرآن الكريم بما يحتويه من حوارات مع الأمم الأخرى ومن أسلوب حواري حضاري راق جدا يستطيع المسلمون أن يتعلموه من قرآنهم ـ وليتنا نتعلم القليل منه ـ لاستطعنا أن ندرك حقيقة كيف استطاع العرب في صدر الإسلام أن يمتلكوا تلك الهمة ويبنوا تلك الحضارات الرائع في ربوع بلاد الشام الجميلة وفارس والترك وصولا إلى الأندلس الضائعة، وفي أعماق أروربا والصين والهند.
السرُّ يكمن في القرآن وإن إنزال القرآن في شهر رمضان الفضيل هو الغاية من أن ندرك أننا حينما نتصل بالله تعالى ونتواصل بالقرآن ونقرأه على أنه غاية إلهية للوصول إلى أسمى المعاني الروحية والقلبية حينها سندرك حتما تلك العظمة التي كان عليها الإسلام وكيف استطاع أن يمتلك القلوب بالروح والفكر والمعرفة لا بالسيف.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.084 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com