الاستاذ مازن الشماسي - 27/08/2010ظ… - 8:00 ص | مرات القراءة: 2143


ولهذا ينبغي على المجتمع أن يحذر في التعامل مع العلماء حتى لو كانوا يتوهمون بجهلهم المحير الذي لا يستفيقون منه، وأقوال أهل البيت واضحة وجلية في ذلك.
يكمل الإمام "بل الحجّة عليه أعظم ، وهو عند الله ألوم ، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه ، مثل ما على هذا الجاهل المتحيّر في جهله ، وكلاهما حائر بائر مضل مفتون متبور ما هم فيه ، وباطل ما كانوا يعملون"

خطبة الإمام علي ( عليه السلام ) المعروفة بالديباج

"قال ( عليه السلام ) : ( الحمد لله فاطر الخلق ، وخالق الإصباح ، ومنشر الموتى ، وباعث من في القبور ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله ، وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ( صلى الله عليه وآله )" .
إن ما يميز الإمام علي عليه السلام هو ذلك الكم الهائل من المعارف التي أودعها في صدر هذه الأمة، لقد كان أمير المؤمنين عليه السلام، محلقا مع القرآن عاكسا له من خلال نهج البلاغة والكثير الكثير من الخطب.
ولنا أن نستمد الكثير من المعاني والأفكار، التي لو انتبه لها المسلمون لاستطاعوا أن يحلوا الكثير من قضاياهم العالقة، أليس هو من جملة من خصهم الرسول الكريم (ص) بقوله" كتاب الله وعترتي" ونريد هنا أن نستشف تلك المصطلحات.

التوسل
يقول الإمام علي:
"عباد الله ! إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى الله جل ذكره ، الإيمان بالله وبرسله " .
التوسل إلى الله تعالى من الأمور التي اختلف فيها المسلمون، حيث ينكر البعض التوسل إلى الله تعالى بالبشر، وكأن حال اللسان هنا يقول إلهي نحن نتوسل إليك بما جاءت به الأنبياء إذا هناك مقدمة للتوسل لم ينكرها الإمام علي، ووسيلة هذا التوسل ما عند الأنبياء، بل ويعدد الإمام طرق عديدة للتوسل إلى الله تعالى، وهنا يقرُّ الإمام علي التوسل إلى الله تعالى بالرسل والرسل أليسوا من البشر، ولو كان في الأمر نوع من الشرك كما يدعي البعض، لكان خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين أولى بالأمر بالمعروف والنهي المنكر من غيره وهو سيد البيان وخليفة الزمان، وهنا نريد الغاية من مرادنا وهو جواز التوسل وجعله وسيلة بيننا وبين الله تعالى.

القرآن
يقول أمير المؤمنين "وتعلّموا كتاب الله تبارك وتعالى ، فإنّه أحسن الحديث ، وأبلغ الموعظة ، وتفقّهوا فيه ، فإنّه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره ، فإنّه شفاء لما في الصدور ، وأحسنوا تلاوته ، فإنّه أحسن القصص ( وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) ، وإذا هديتم لعلمه ، فاعملوا بما علمتم منه لعلّكم تفلحون" .
تعلم القرآن، لأن القرآن الكريم بما يحتويه من المعاني وطرق الهداية وصلاح القلوب والنفوس، ما يصون هذه الأمة، ولهذا نلاحظ أن الإمام علي (ع) يركز على تعلم القرآن الكريم، وهنا يضع الإمام علي منهجية شاملة للقرآن الكريم نذكر منها ( التفقه ، الشفاء، تحسين التلاوة، العمل به).
ولو أن الأمة أخذت بهذا لكانت أحوالها في أحسن حال.

العالم
يقول أمير المؤمنين"فاعلموا عباد الله ! أنّ العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله ، بل الحجّة عليه أعظم ، وهو عند الله ألوم ، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه ، مثل ما على هذا الجاهل المتحيّر في جهله ، وكلاهما حائر بائر مضل مفتون متبور ما هم فيه ، وباطل ما كانوا يعملون".
هنا يرسم الإمام علي منهاجا واضحا وصريحا لأي أمة من الأمم ويحدد علاقتها بالعالم، وأتصور أن هذه المسألة من أخطر المسائل، لأن القرآن الكريم، يمثل المنهج الذي من خلاله يتناول العالم علاقته بالأمة، وطرق الهداية للبشر، وبإمكان العالم إن لم يكن صالحا أن يَحرِف الكثير من المعاني القرآنية، لأن الإعجاز ليس في التفسير والشرح، ولكنه في القرآن من حيث الألفاظ أما التفسير فهذا أمر متروك للإنسان .

يقول أمير المؤمنين"فاعلموا عباد الله !" هنا يعملنا الإمام علي، وهذا الأمر جاء بيصغة التعجب، خطاب ونداء موجه للعباد، الغاية منه التعلم، وأي الناس أحق بتعليم الناس من إمام الناس .
يقول أمير المؤمنين" أنّ العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله"
ابتدأ الإمام بالتأكيد لما في الأمر من أهمية وخطر، وهنا معادلة يرسمها الإمام علي على عكس تفكير الكثير من المؤمنين الذين يتوهمون أن من يطلب العلم ويكون عالما فهو يستحق صفة العالمية لمجرد جمعه للمعلومات، الإمام أوجد حلا لهذه الإشكالية في العقول، فقال " العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله".
معضلة ليس لها إلا أبو الحسن عليه السلام، العالم ليس فقط من لم يعمل بعلمه، ولكنه العالم العامل أيضا ولكن بغير علمه، فهم كالجاهل الحائر، أي تشبيه حواه فكرك يا أمير المؤمنين، حقيقة تكمن أهمية العالم الحقيقي في قدرته على حل المعضلات التي قد تجعل البشر لمئات السنين في حيرة من إيجاد مخرج لها.

ولكن قد يظن أني أبالغ في وصفي للإمام علي عليه السلام بظن منهم، ولكن لو بحثنا في التاريخ وسيرة الأنبياء والحكام، لوجدنا أن أخطر المكونات الاجتماعية هم طبقة الكهان والعلماء ورجال الدين والقساوسة نظرا لاختلاف مسمياتهم عند كل ديانة أو أمة، حيث لهم من السلطة الروحية من القوة ما يمكنهم بسهولة من التحريف والتزييف والتضليل وأيضا وفي المقابل الهداية والإصلاح والصلاح، والخير الكثير للمجتمعات.

ولذا في نظر أمير المؤمنين لا قيمة للعالم العامل بغير علمه ، وهنا المسألة أخطر، والتخصيص للإمام علي للعالم العامل، وليس للعالم الغير عامل، إذ خطورة العالم العامل في نظره أخطر لماذا لأن العالم الغير عامل هو ونفسه وله توصيف آخر في فكر أهل البيت أما من يدعي العمل، هو في الحقيقة يعمل يقوم بمجهود، ولكن عمله ومجهوده على خلاف علمه.

فهو كالجاهل الحائل لا يستفيق من جهله، عجب هذا التوصيف " لا يستفيق من جهله"، هذا المعنى للإمام علي عليه السلام يحمل في طياته معانٍ وأسرار من المعارف والقدرات ما لا يستطيع أي عقل أن يتوصل إلى كنهها، وإلا لماذا لقب بسيد البلغاء، إي قدرة شخصية معجزة على فهم للمعاني وقولبتها بمفردات تدهش القاريء لها، فيقول لا يستفيق من جهله، نقول يا أمير المؤمنين هو عالم فكيف لا يستفيق بجهله،
"عالم عامل بغير علمه = جاهل حائر لا يستفيق بجهله"
هو ليس فقط جاهل وإنما حائر وهنا يكمن سر الجهل، أضاف صفة فوق صفة جهله الحيرة، وهذه الحيرة تسبب له عدم استفاقة من جهله، فحقيقة لا قيمة لعلمه هنا، لأنه لا يستفيد من علمه هو يعلم الحق وطريق الصلاح والهداية للناس ولكنه متحير ، ولو أخذنا مصطلح الحيرة لدلتنا على معانٍ عميقة، ولكي ندرك عمق مغزى أمير المؤمنين، فما هي الحيرة؟

الحيرة
"الحيرة لغة: ومعناها: التردُّد؛ يقال: حار يَحار فهو حائر وحيران، وتحيَّر إذا تبلَّد الأمر وتردَّد فيه؛ قال تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71].
والحائر: الموضع يتحيَّر به الماء، واستحار شبابها وهو: أن يَمتلِئ حتَّى يرى في ذاتِه حيرة، والحيرة موضع سمِّي بذلك لاجتماع ماءٍ كان فيه ".
والحيرة .
الأزمات النفسيَّة سببها الحيرة:
ما يذكُره عُلماء النَّفس من أمراض نفسيَّة، منشؤُها الحيرة، وعدم الثِّقة، وفقْدان اليقين، وحرج النَّفس، والسَّبب واضحٌ وجليٌّ".منقول من مقال يحمل عنوان(حسن الانتباه في علاج الحيرة والاشتباه لكاتبه مرشد الحيالي)
إذا منشأ الحيرة أمراض نفسية منشؤها عدم الثقة وفقدان اليقين وحرج النفس، إذا عملية الحيرة للجاهل هي السبب في قول الإمام علي "لا يستفيق بجهله".
ولهذا ينبغي على المجتمع أن يحذر في التعامل مع العلماء حتى لو كانوا يتوهمون بجهلهم المحير الذي لا يستفيقون منه، وأقوال أهل البيت واضحة وجلية في ذلك.
يكمل الإمام "بل الحجّة عليه أعظم ، وهو عند الله ألوم ، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه ، مثل ما على هذا الجاهل المتحيّر في جهله ، وكلاهما حائر بائر مضل مفتون متبور ما هم فيه ، وباطل ما كانوا يعملون"
ولولا خطر العالم في أي مجتمع وما يمكن أن يمارسه من دور سلبي أو إيجابي كبير لما اهتم القرآن ولا الروايات الواردة عن النبي الأكرم ولا أهل البيت بمسألة العالم.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.115 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com