الوقت - محمد الهاجري: - 27/01/2007ظ… - 4:14 ص | مرات القراءة: 958


يكشف تقرير التنمية الإنسانية العربية 2005 ‘’نحو نهوض المرأة في العالم العربي’’ عدة قضايا ومبادئ تتعلق بالمرأة ودورها. والتقرير إذ يدعو إلى تنمية شاملة للوطن العربي فهو في إصداره الرابع يطرح قضية نهوض المرأة وليس النهوض ‘’بالمرأة’’ كمرتكز أساسي لاتنهض المجتمعات من دونه.
والبحرين جزء من المنظومة العربية تتلاقى مع بعض جوانب التقرير وتبتعد في جوانب، كونها اجتازت مراحل متقدمة مقارنة مع دول عربية أخرى. فهي تتلاقى مع المنظومة العربية في قضايا الاقتصاد والثقافة. وهي قضايا جوهرية أساسية تبدأ من خلالها الخطوات العملية نحو النهضة. فالاقتصاد والجانب المعيشي والرفاه وهو جانب الاستقلال المادي وأحد أدوات الاستقلال الرئيسة.
والآخر هو الجانب الفكري الثقافي والذي يعتمد على الديانة وهي الإسلام في الجزء الغالب من الوطن العربي، وهو الجانب الذي يحدد تصرفات المرء وسلوكه وقراراته. وفي هذه الحلقة سوف يتم عرض تشخيص الواقع الذي تعيشه المرأة العربية من خلال هاذين الجانبين خصوصاً.
وتبتعد البحرين عن مظاهر أخرى فيما يتعلق في قضايا حرمان المرأة من التعليم والصحة. فنرى أن البحرين أحرزت تقدما يوصف أنه ملحوظ في هاتين القضيتين بالذات على أقل تقدير. ففي التعليم تتفوق الطالبات على الطلبة بشكل لافت ولولا أن تقسم البعثات الجامعية بين الذكور الإناث لأخذت الإناث جلها وما أبقت للذكور إلا الفتات. وفي مجال الخدمات الصحية المتعلقة بالنساء كالحمل والولادة تشهد البحرين المعدلات الأدنى في الوفاة.
يرى الأمير طلال بن عبدالعزيز آل سعود، من خلال كلمته في مقدمة التقرير، أن هنالك جدلاً متوقعاً سوف يثور حول هذا الإصدار. ويعتقد أن الخبراء والباحثين الذي تصدوا للقضية وموضوع التقرير قد سلطوا أضواء كاشفة على جزئيات شديدة الأهمية في قضية المرأة العربية، وخصوصاً ما يتصل بالمنظور المتقادم تجاه المرأة ومكانتها ودورها.
ويعبر عن أسفه لوصف هذا المنظور مرتبط بمفهوم البعض للدين، معللا أن الاستقراء الواقعي يعيده إلى العادات والتقاليد.
ويضيف ‘’لا علاقة للدين بأي من الممارسات الخاطئة ضد المرأة، ولكن مجتمعاتنا تغلب العادة على العبادة، وتؤسس لمسلمات ليس لها أصل لا في القرآن الكريم ولا في الأحاديث الصحيحة’’.
ويرجع الأمير معاناة المرأة العربية في معظمها عائدة إلى تراكمات العادات والتقاليد، ويرى أن تصحيح هذا المنظور هو أولوية متقدمة. ويتطلب ذلك تدابير مجتمعية وثقافية في المقام الأول لتنشئة الأجيال على الرؤية الصحيحة للمرأة ودورها. وهذا التقرير بإحصاءاته ومعلوماته السابرة للأغوار هو جزء من التدابير المطلوبة. كما يؤمن أن إعادة الاعتبار للمرأة وصون حقوقها هي مسؤولية تكاملية تقوم بعبئها المجتمعات العربية، ولاسيما أن جميع الدول العربية وقعت معاهدة عدم التمييز ضد المرأة. وفي الوقت نفسه يرى الأمير أن المرأة هي الأكثر قدرة على الدفاع عن حقوقها ودفع قضاياها إلى دائرة الضوء. وإذا لم تكن المرأة كذلك فستظل مشكلاتها مؤجلة وتحت الركام حقباً أخرى. ولكن مؤشرات الواقع لنماذج من الناشطات العربيات تنبئ عن ما هو مبشر وباعث على التفاؤل.
حال المرأة في الوطن العربي
يمثل وضع المرأة في البلدان العربية محصلة تفاعل عدد من العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تتشابك بصورة مركبة، وبعضها إشكالي الطابع، ما يستدعي تحليلاً واسعاً ومعمقاَ لكثير من مكونات المجتمع العربي.
يتقصى التقرير حال المرأة في الوطن العربي على المحاور الأساسية للتنمية الإنسانية، أي اكتساب القدرات البشرية وتوظيفها، ومستوى الرفاه الإنساني المترتب عليهما. كما يقيم تجربة تقدم المرأة من خلال النظر في عاملين رئيسين هما مقدار رغبة المجتمع العربي في تحقيق هذا التقدم، والأشكال المعتمدة للتحرك مجتمعياً لتحقيق هذا الهدف.
توظيف القدرات البشرية النشاط الاقتصادي..
يفرض تباطؤ النمو الاقتصادي قلة الطلب على العمالة النسائية في المنطقة. إضافة إلى ذلك فإن غلبة التصورات التقليدية لدور المرأة ارتبطت على وجه التحديد بأولوية الرجال في إعالة الأسر، وبتدني تفضيل تشغيل الإناث، ما يساعد على ارتفاع معدلات البطالة بين النساء، مقارنة بالرجال. وتواجه مساهمة المرأة في مجالات النشاط البشري خارج نطاق الأسرة صعوبات وعوائق متعددة تحد من إمكاناتها. غير أن الأهم هو أن النساء في حالة الاشتغال، لا يتمتعن بالمساواة مع الرجال في ظروف العمل أو العائد عليه. ناهيك عن التمتع بفرصة متساوية في الترقي لقمة سلم اتخاذ القرار.
ويعود ضعف المشاركة الاقتصادية للنساء العربيات إلى أسباب عدة، من بينها الثقافة الذكورية السائدة، حيث يفضل بعض أرباب العمل تشغيل الرجال على النساء، وشح فرص العمل عموماً، والتمييز بين الجنسين في مستوى التشغيل والأجور، وارتفاع مستوى الإنجاب. وتعتبر القوانين المتعلقة بالعمل أو الأحوال الشخصية من المعوقات. فبعض قوانين الأحوال الشخصية والعمل تقيد حرية المرأة بهدف ‘’الحماية’’ حين تلزمها بالحصول على إذن أبيها او زوجها للعمل، أو السفر، أو الاقتراض من المؤسسات المالية. كما أسهم ضعف الخدمات المساندة وبرامج التعديل الهيكلي في تضييق فرض العمل أمام المرأة.
ومازال معدل الإعالة في المنطقة العربية من أعلى المعدلات في العالم، حيث يقوم كل شخص عامل بإعالة أكثر من اثنين من الأفراد غير العاملين، مقارنة مع أقل من شخص واحد في شرق آسيا والمحيط الهادي. ويرجع السبب الأساسي في ذلك إلى تدني مشاركة المرأة ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما يتزامن مستوى الإعالة المرتفع مع وجود خطة تقاعد وشبكة أمان وطنية تغطي جميع فئات العاملين.
ومع ازدياد اتساع القطاع غير الرسمي الذي تتدنى فيه تغطية العاملين، يصبح عبء الإعالة هائل الضخامة على العدد القليل العامل في السوق، كما سيتزايد العبء على النساء في توفير الرعاية للأطفال والمسنين والمرضى والعاجزين وذوي الإعاقات في غياب دعم مجتمعي كاف.
إن عدم استغلال رأس المال البشري، خصوصاً النساء ذوات التعليم المرتفع، يكبح نمو الاقتصاد، ويهدر طاقات واستثمارات كبيرة كان من الممكن أن تساهم في تحقيق التنمية للمجتمع.
الانتقاص من مساهمة المرأة في النشاط الاقتصادي
لا يعترف المجتمع العربي بمدى مشاركة النساء الفعلية في النشاط الاجتماعي والاقتصادي وفي إنتاج مكونات الرفاه الإنساني، ولايكافئ هذه المشاركة كما ينبغي. وبما أن غالبية النساء تعمل من دون أجر لدى أسرهن، فإن مساهمتهن لا تندرج في عداد النشاط الاقتصادي الرسمي. وقد انعكس هذا الغبن التاريخي في بخس مساهمة المرأة في صنوف النشاط البشري عامة، ولاسيما في مجال النشاط الاقتصادي.
كما يؤثر الاقتصاد السياسي في المنطقة تأثيراً كبيراً على درجة تمكين المرأة في البلدان العربية. ويتميز نمط الإنتاج ومستوى الأداء الاقتصادي في البلدان العربية بسيادة استهداف الريع وضعف النمو ويترتب على تزاوج هاتين السمتين وهن البنى الإنتاجية وقلة تأثر التوسع في الاقتصادات العربية، ما يمهد السبيل لانتشار البطالة والفقر. ومحصلة ذلك كله قيام نمط من النشاط الاقتصادي يحمل عواقب وخيمة على التمكين الاقتصادي للبشر. وتضاعف ظروف مجتمعية أخرى من نتائجه الأقسى على النساء، بسبب ضعفهن في مجال الاقتصاد الرسمي.
وتشمل هذه الآثار السيئة ارتفاع معدلات البطالة في البلدان العربية، خصوصاً بين الشباب من خريجي النظام التعليمي. وترافق البطالة بالضرورة زيادة للفقر وتدهور في عدالة توزيع الدخل والثروة، حيث تمثل قوة العمل المورد الاقتصادي الأهم للغالبية العظمى من الناس في الاقتصاديات الأقل نمواً. ويعني اجتماع هذه العوامل انكماشاً وتضاؤلاً في معدلات التوسع في سوق العمل من خلال خلق فرص عمل جديدة في العالم العربي. ويضاعف من أثرها على معدلات البطالة انخفاض مستوى الكفاءة في سوق العمل الإقليمي العربي، ما يؤدي بدوره إلى الاعتماد على الأيدي العاملة الأجنبية. ومن الطبيعي أن تتعرض الفئات الاجتماعية الأضعف ومن بينها النساء، لهذه الآثار الضارة أكثر من غيرها.
ويتضافر ضيق سوق العمل وخلق فرص العمل الجديدة، وانتشار تعليم الإناث، والتحيز المجتمعي غير الرشيد ضد تشغيل النساء لإعطاء الأولوية للرجال في الحصول على فرص العمل ليؤدي كل ذلك إلى ارتفاع معاناة النساء للبطالة، خصوصاً بين المتعلمات، حتى في بلدان عربية تستقدم قوى عاملة غير عربية.
وقد شهدنا في الوقت نفسه انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي والخدمي، والحد من التشغيل في الإدارة الحكومية، وهو قطاع التشغيل المفضل والحامي لحقوق النساء. فتبلورت ظاهرة يصفها التقرير أنها ‘’خبيثة’’ تتمثل في توافر رأس مال بشري مؤهل بين النساء يعاني من معدلات البطالة أعلى من المتوسط.
وساهم عامل آخر في إضعاف النساء في المنظور الاقتصادي. فقد أدى التمييز ضد النساء في عوائد العمل، عندما يعملن، وخصوصاً في القطاع الخاص، إلى انخفاض نسبي في كسب المرأة من العمل.
مفاهيم وقضايا إشكالية
يرى التقرير أن لدى المرأة والرجل على حد سواء، ولمجرد كونهما من البشر، حقاً أصيلاً بالتمتع في حياة كريمة على الصعيدين المادي والمعنوي. وذلك هو الهدف الأسمى للتنمية الإنسانية. من هنا، ينظر التقرير إلى نهوض المرأة في إطار يجمع بين الحقوق الإنسانية، والتنمية الإنسانية. كما أن نهوض المرأة، في نطاق الحقوق الإنسانية جزء من تمتع المجتمع بالحرية، في تعريفها الأكثر شمولاً. ولا ينحصر تعريف الحرية هنا بتمام التمتع بالحريات المدنية والسياسية، وهما عماد المواطنة، ولكنه يمتد أيضاً إلى التحرر من الجهل والمرض والعوز والخوف، ومن جميع أشكال الحط من الكرامة والإنسانية.
وفي سياق مفهوم التنمية الإنسانية فإن نهوض المرأة يستلزم: المساواة التامة في فرص اكتساب القدرات البشرية وتوظيفها، بين النساء والرجال، ضمان حقوق المواطنة لجميع النساء، على قدم المساواة مع الرجال، الإقرار بوجوه الاختلاف بين الجنسين واحترام هذا الاختلاف. فالنساء مختلفات عن الرجال بيد أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أنهم ناقصات. ولاينبغي على الإطلاق استخدام هذا الاختلاف لمساندة النظريات الداعية إلى عدم المساواة بين النوعين أو إلى أي شكل من أشكال التمييز بينهما.
من الوجهة التاريخية، تباينت أهداف المنظمات النسائية غير الحكومية المختلفة. فقد ركز بعضها على المساواة في الحقوق وإزالة مظاهر التمييز الراسخة في القوانين العربية، سواء منها ما يتعلق بقضايا الأحوال الشخصية أو الضمانات الاجتماعية واستهدف بعضها الآخر الأنشطة التنموية الخيرية، من خلل تقديم القروض ودعم المشروعات المدرة للدخل للنساء، أو الخدمات في ميادين الصحة والتعليم والقطاعات الأخرى. ولم تركز إلا قلة نسبية من هذه المنظمات على تمكين المرأة بوصفه هدفاً جماعياً ومهمة يتولها المجتمع بأكمله .
مواقف الحركات الإسلامية من المرأة
كان موقف التيارات السلفية دائماً واضحاً في أن المرأة مكانها المنزل ودورها رعاية الأسرة. وإذا تم قبول حق الانتخاب قياساً على البيعة، فإن حق الترشح وتولي المناصب العامة أمران غير مقبولين ‘’سداً للذرائع’’. وهكذا فإن مجموع تصورات التيار السلفي كانت ضد الفعالية والنشاطية النسائية في الحياة المدنية. وهو يتبنى رؤية مبدئية لتقسيم العمل الاجتماعي تقصر دور المرأة على الإنجاب والأمومة والتربية، وتحذر من الاختلاط بين الجنسين. وأقصى ما يمكن توقعه هو قبول النشاط الاجتماعي النسائي المستقل في مجالات العمل الأهلي ذي الطابع الخيري.
على الجانب الآخر، نجد أن تيار الأخوان يتخذ موقفاً مبدئيا يناصر حصول المرأة على حقوقها السياسية، ويقبل فقهاً واجتهاداً صاغه علماء معاصرون داخل الحركة أو من المقربين منها، مثل الغزالي والقرضاوي.
ومن هنا فإن التحدي المطروح على الإسلاميين بشأن المرأة هو كيفية تنمية البديل الإسلامي وتطويره وتعايشه مع سياقات مختلفة أو مخالفة، لا باعتباره نتيجة لبناء المجتمع الإسلامي، بل بوصفه شرطاً من شروط إقامته.
قضية الداخل والخارج
أثار انتشار مفهوم ‘’تمكين المرأة في المنطقة العربية حفيظة بعض القوى السياسية الاجتماعية الفاعلة في المجتمع، التي رأت أن المفهوم ‘’مفروض’’ من الغرب، ولا ينبع من واقع أو احتياجات المجتمعات العربية التي تقوم على تكريس دور الأسرة كلبنة أساسية للمجتمع’’. وحدا ذلك بالبعض إلى مقاومة خطط التنمية التي تأخذ بمنظور النوع الاجتماعي، ومقاومة الحكومات والمنظمات النسوية التي تعمل بمقتضاه.
إلا أن الفصل التشريحي القسري بين الداخل والخارج لم يعد ممكنا في العصر الحالي؛ فما نسميه ثقافة ‘’الخارج’’ إنما يعيش في المجتمعات العربية، ولاسيما في ما يتصل بالقيم وأنماط السلوك، من خلال العولمة المتزايدة للمجتمعات العربية. وليس ذلك الفصل مفيدا أيضا لتطلعات التقدم في الوطن العربي، وهو نزوع أصيل ومازال، منذ بدايات النهضة العربية، يتأثر إيجابيا بأفضل إنجازات البشرية في الحضارة الغربية السائدة.
وبتعبير أدق، فإن ثمة تضافراً حميداً في الغالب بين النضال من أجل تحرر المرأة في البلدان العربية كتوجه تحرري في المجتمع، وحركات تحرر المرأة في العالم، بما في ذلك الغرب. وتكتسب جهود المنظمات الدولية أهمية خاصة في هذا الصدد، وخصوصاً فيما يتصل بالاتفاقات والمواثيق، والآليات والأنشطة الدولية الهادفة لحماية حقوق المرأة وإنصافها. غير أن فظاظة المناداة بالإصلاح من الخارج، ولو قسراً في بعض الأحيان، خلفت ردود فعل سلبية لدى بعض الفئات المجتمعية. واستهدفت هذه الردود أجندة تمكين النساء التي فرضتها القوى الغربية المهيمنة باعتبارها افتئاتاً على الثقافة العربية والاستقلال الوطني على حد سواء.
ويدعو التقرير إلى أن يبقى نهوض النساء، في الفكر والعمل سوياً، محوراً أساسيا لمشروع عربي لنهضة إنسانية. فتقدم المرأة في منظور مكافحة الاستبداد في الداخل، والاستباحة من الخارج كليهما، هو جزء لا يتجزأ من صرح نهضة تحقق الحرية والعزة والمنعة للعرب جميعاً، نساء ورجالاً على السواء.

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=34434

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.07 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com