الاستاذ فؤاد نصر الله - 07/06/2011ظ… - 7:54 ص | مرات القراءة: 2018


ما يدعونا إلى طرح هذا التصور ما تشهده المنطقة العربية من تحولات عميقة تتطلب المزيد من إعمال الفكر ، والبحث عن مشروعات ممكنة تستطيع الوفاء بكل ما يمكن أن يبعث الدفء في أوصال الأمة في وجودها الراهن0

في زخم التغيرات الدراماتيكية على الأرض بمنطقة الشرق الأوسط يجب أن تتسم وجهات نظرنا بقدر كبير من الوضوح والشفافية والإبانة ، والقدرة على تحليل الخطابات المشفرة التي تتراسل عبر الفضاء السياسي الراهن ، وذلك حتى يكون في استطاعتنا أن نقرأ خريطة التحولات بفهم واستبصار ، وأن نتجاوب معها بعمق ، وهذه أبسط التصورات المشروعة للحفاظ على كيان أمة عريقة ، أسهمت وما زالت تسهم في مد البشرية بالعديد من التجارب الإنسانية المؤثرة0

قبل كل شيء علينا أن نطرح مفهوم " الاندماج الوطني "ماهو ؟
يعتبر مفهوم الاندماج الوطني أقرب ما يكون لقبول واسع من المواطنين على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم لمشروعية الدولة ، واقتناعهم التام بكل ما يمكنه أن يحقق فكرة المواطنة الدستورية كإطار سياسي واجتماعي واقتصادي ، تستطيع الدولة من خلاله التخلص من مشكلة إتهام البعض-زورا- بالولاءات المتعددة ، والقناعات المتباينة ، وحصرها في الولاء الكامل للدولة0
إن هذا المدخل يتفهم بالطبع أغلب الحساسيات التي يحملها أفراد من المجتمع ما زالت لديهم مخاوف الإندماج ، وهواجس تخشى محو الخصوصية ، وفي هذا الإطار فمن الضروري أن تسعى الدولة لتقديم حزمة إصلاحات تقضي على ما يمكن أن يعرقل المشروع الطموح للاندماج ، بوضع كافة المواطنين على محك التكافؤ والمساواة والعدل ، وهو شرط ضروري وملح لإنجاز المهمة0.

إن الدول الحديثة تستطيع أن تعيد فحص الخطابات المناوئة والمؤسسة لفكرة علو أحد العناصر على عناصر أخرى بفرض المواطنة الكاملة على الجميع وتشكيل مؤسسات تساهم في دعم هذه الفكرة ، مما يعني تجسير الهوة التي نشأت في مراحل تاريخية سابقة ، كانت ـ في الغالب ـ محكومة بمفاهيم أخرى غير عصرية.
المساواة الكاملة والشفافية في تسيير الأمور ، والأخذ في الاعتبار الاستحقاقات القانونية التي تدعم هذا التوجه مسألة أساسية ، بعدها تشرع الدولة في بسط مظلتها على جميع المواطنين ، وتنبسط مروحة المساواة على أرض الواقع بعد اعتمادها نظريا0
ينبغي أن تلعب المنظمات الأهلية وجماعات الفكر والأندية الأدبية وجمعيات الثقافة دورا كبيرا في التأسيس لهذا النمط من الحركة حيث المواطنة الدستورية هي ركن ركين للدولة الحديثة التي تسعى بكل السبل للرقي بمستوى المعيشة مع الرعاية الكاملة للأفراد ومساواتهم في الحقوق والواجبات، ومنحهم نفس الامتيازات دون نقصان0
ومن الحتمي أن يقبل الجميع فكرة تجاور وتحاور العناصر المختلفة بالمجتمع وصولا إلى تعددية تتشكل من واجهات إثنية وطائفية ترتضي فيما بينها بفكرة العيش في رحاب دولة قوية عصرية يخضع الجميع لقوانينها التي لا تفرق بين أحد من رعاياها.

يضاف إلى ذلك وجود قدر كبير من الاتفاق والرضا والاقتناع بالدولة ، الشيء الذي يحقق مشروعية القانون وشرعيته ، بدون تجزئة أو انتقائية0
إن المسارات السياسية لهذه الفكرة يمكنها أن تؤسس العديد من القواعد التي تسهم في تفعيل معنى المواطنة عبر سلسلة من اللوائح والقوانين والبنود التي تضفي المصداقية على الطرح الأنف الذكر حيث يخضع جميع المواطنين لنفس القوانين بلا تمييز أو انتقاص أو هدر .
ثمة ضمانات هائلة يمكنها أن توفر الحد الأدنى ـ ربما والمعقول كذلك ـ من الحقوق والواجبات مع تقييد كل امتيازات سابقة وإخضاع حزمة الإصلاحات لمراقبة مجتمعية صارمة . ومن الضروري في هذا التوجه التعويل على مسألة صلاحيات المجالس المنتخبة بشكل يؤدي إلى نهوض الدولة على حقائق تستوعب معنى الاختلاف والتعدد والتدرج دون التهميش والنفي أو الإزاحة0

من واجب السلطة التنفيذية في المراحل الأولى من التجربة أن يكون لديها المرونة والإدراك والحدس ما يمنع تصلب القوانين أو تحجيمها أو حتى القفز عليها بغرض تمرير ما هو أقل من المتوقع .
هنا تؤسس السلطة السياسية على أرضية واسعة من القبول والرضا ، وتحفيز كافة القوى الوطنية لإنجاز مشروع الدولة العصرية من خلال قرارات تتميز بالدقة والمرونة في آن واحد . من أجل ذلك يعاد بناء الدولة وتشكيل بنيتها على أسس تشاركية ، وعبر أفكار خلاقة تمنح الأفراد الحق في الاتفاق والاختلاف دون تجريم أو تأثيم مجتمعي ، طالما يجري ذلك في إطار دولة عصرية ، قوية ، محمية بقوانين تم القبول بها ، ومن هنا يكون الاحتكام لمشروعية المواطنة الدستورية هو حجر الأساس في البناء0

وحول قضية الاندماج الوطني ، يمكننا رصد بعض النقاط الأساسية التي تستوجب التأمل ، كمداخل لتحقيق المشروع ، كي يصل إلى القواعد التي تتبناه لتساهم في جعله واقعا ممكنا :
* أن الوحدة من خلال التعددية رهان صحيح ، وصالح للتداول كما علمتنا أدبيات الثقافة السياسية0
* الرضا عن السياسات التي تنتهج طالما تمارس قواعد العدل والمساواة وتكافؤ الفرص0
* الانصهار الثقافي مقدمة ضرورية للاندماج الخلاق في كافة المجالات الأخرى في الوطن0
* تحرير الخطابات من ثقل المرجعية الواحدة لصالح تصورات ممكنة لها إطار واحد يتسع للتصورات الثانوية.
* تنضيد التشكلات الخاصة بالجمعيات المدنية والمؤسسات الأهلية، بل والمشروعات الحكومية التي ترعى قيم الحوار ، وصولا إلى قدر كبير من التفاهم والتصالح مع الآخر0
* لا يمكن إغفال ضرورة المشاركة الواسعة في الحراك الثقافي والإجتماعي وغيرهما ، وهذا رهين الانفتاح الفاهم على تجارب التحديث بالمملكة0
* ترسيخ مسألة التسامح والاستيعاب للمختلف ضمن مكونات ثقافية ينبغي الترويج لها باقتناع كامل ، ونزاهة فكرية يعتد بها0
* العمل على التنمية بكل تنوعاتها، فالتنمية واحدة من ركائز نجاح فكرة الاندماج الوطني0
* اسناد المناصب القيادية لكافة أطياف المجتمع ، فهذا يسهل عملية إثراء الإندماج الوطني لوجود مساحة مناسبة لاتخاذ قرارات لا تمس السيادة بل تضفي قدرا كبيرا من الشعور بالانتماء عبر الفضاءات الواسعة من الجغرافيا0
مثل هذه الموضوعات قد تسهم في تهيئة الأجواء لنجاح " الاندماج الوطني " كضرورة ،

حيث يعيش كاففة الأطياف والفئات على قدم المساواة ، لاسيما أن المتغيرات العالمية والتحولات العربية تهب على بلادنا وتطالبنا بقدر من الكشف والمصارحة ، والعصف بالأفكار عصفا ذهنيا حميدا0

غير أن الاندماج الوطني كطريقة تعامل مثلى مع المشكلة ، قد تواجه بعدد من العقبات التي تحول دون تحقيق الفكرة على وجهها الأكمل ، وهو الشيء الذي يمكن رصده في هذه العقبات التي قد تبدو متداخلة أحيانا ، ومتراكبة أحيانا أخرى:
ـ عدم الاقتناع بالفكرة الجوهرية ، ومحاولة تحويلها إلى إطار شكلي خالص0
ـ النزوع المتزايد لوضع تصورات مضادة تهدف إلى التباطؤ في إصدار القرارات التي يمكنها جعل الفكرة واقعا عمليا0
ـ محاولة طرح بدائل ثبت ميدانيا فشلها ، تدعو لتأجيل " الاندماج " إلى زمن مستقبلي بغرض تهيئة الأجواء للقبول بها ، وهو شيء لا يمكن التحقق منه مطلقا0
ـ السعي إلى فرض درجة أقل من الاندماج ربما تقارب " الاحتواء " ، الشيء الذي يؤدي إلى فشل إمكانيات عظيمة لتخطي المشكلة.
ـ الاستسلام لثقافة النظرة الأحادية للأمور، تحت ضغوط مجتمعية مما يعطل المشروع برمته0
ـ اصطفاء بعض النقاط الهامشية وجعلها المتن وهو ما يطرح مناهج بديلة للفكرة المحورية التي تعتمد أساسا على معنى المواطنة الكاملة0
ـ وجود بعض الشطط في هذا الجانب أو ذاك مما يمكنه أن ينزع الثقة في قدرات كل طرف في التغلب على الخطاب السائد الذي ثبت عدم إخلاصه للتجربة كليا0
ـ انتهاج خطوات عملية تسعى لفرض النمط الشائع من التفكير التلقيني الذي لا يعتمد الحوار بل منطق الفرض والوصاية والاستحواذ0
ـ لما كانت المتغيرات الحادثة في الساحتين الخليجية والعربية تنبئ بضرورة البدء فورا في اتباع طرائق أداء غير تقليدية في التعامل مع مشاكل طال تأجيل البت فيها فثمة أصوات قد تتوجه لاستمرار التأجيل والتسويف بغرض التخلص من الاستحقاقات التي ينبغي تقديمها إذكاء لفكرة الإندماج0

لاشك أن الإصلاح الذي بدأته المملكة بقيادة خادم الحرمين الشؤيفين يتطلب مراعاة الفروق في درجات التحول بين تجربة وأخرى ، لكنه في ذات الوقت يسمح بإلقاء نظرة عابرة مع ما يخصنا من عناصر ومفردات تشير إلى إمكانية نجاح فكرة " الإندماج الوطني " لو توافر لها عقول متفتحة وأذهان تتوقد بفكر خلاق غير نمطي ، يستطيع استيعاب ما تطرحه الرؤى المتوجهة نحو المستقبل بنوع من التوازن ، والتفهم ، والثقة بالنفس ، وإدراك لغة العصر0
علينا توطيد فكرة الاندماج الوطني بكل أبعادها ، وبحرص بالغ على نجاح التجربة بدون أي نوع من التخوف أو الهواجس القديمة ، ذلك أن تحريك مثل هذا المشروع بنجاح يتطلب مساهمة واعية وعميقة بدءا من مراكز الابحاث ومؤسسات اتخاذ القرار ، مرورا بالنخب المثقف ، وصولا إلى القطاعات الواسعة من الناس في مدنهم ، وهجرهم ، وقراهم0

لقد بات من الضروري تحريك مؤسسات البحث للتعريف بالمشروع ، والبدء في طرح أوراق عمل لجعل التصورات منهجا متسقا مع خطط التنمية ، والارتقاء المهني ، والتطور الوظيفي ، والانخراط ضمن مجموعة عمل تتسم بالتجانس والتوافق عبر محكات واقعية ، لا تركن كثيرا للفرضيات القبلية بل تسعى لبسط التجربة على الأرض الممهدة لمعرفة مدى تأثيرها ونصيبها من النجاح أو عدم التوفيق0
تستطيع الدولة أن تضطلع بأدوار مهمة في هذا الشأن بما لديها من إمكانيات مادية وتراتبية وظيفية ، مع التخفيف كلما أمكن من حدة التمايز الاجتماعي بحيث يمكن للمتابع أن يتعرف بكل سهولة على مدارات النجاح لتعميمها وتعزيزها0

وفي هذا المجال لابد من التأكيد على أهمية المساعي الحكومية التي تسهم في جعل الاندماج الوطني أمرا أساسيا وضروريا بزيادة كم المساعدات لدى الهوامش وتعزيز فرص متكافئة للجميع مع الحرص على رفع سقف التنمية بحيث يطال كافة الشرائح الأكثر 0
لاريب أن تعزيز الوحدة، يجعل فكرة الاندماج توازي أو تقترب اقترابا حثيثا من معنى ضرورة الابقاء على الدولة قوية مع دوران دولاب العمل بحيث يمثل الاندماج دور الرافعة التي تعين الدولة في تحقيق معنى التماسك وقوة الإرادة والتحكم المركزي بغية خدمة الأطراف قبل القلب أحيانا أو بالتوازي معه .
إن تطبيق المشروعات بكفاءة وحرفية يعني أن النجاح الاقتصادي سيتردد صداه على المكون الاجتماعي وهو بدوره سيؤسس لحالة فريدة من الرضا السياسي0
قد تبدو مسألة تفاوت القدرات والطاقات امرا مؤلما في بدايات التجربة لكن تحقيق مشروع الاندماج الوطني سيقيل الفئة المهمشة من عثرتها ، وسيسمح لها بهامش حركة يعزز الثقة في النفس عبر آداء وطني خالص لا تشوبه شائبة0

ربما بدت المسألة قابلة للمراجعة ؛ فوطن كريم ، واحد ، قوي ، حديث التقنيات ، قادر على استيعاب الاختلافات أفضل مائة مرة من وطن به قلاقل ، عرضة للانقسام والتآكل والضعف . والحمد لله ـ على أية حال ـ أن أبناء الوطن متمسكون بوحدتهم ، ولديهم الحس الوطني السليم الذي يجعلهم واثقين من كون الوحدة ضرورة لا ترف، ومخطط بقاء مشروع ، لا تجربة هلاك0
من هنا نبعت المراجعة وتأمل الحالة السعودية بقدر كبير من الإحساس بحتمية التطوير والسعي لرؤية الأفضل حيث قوامة القانون على الجميع ، وفي هذه الحالة ثمة طموح لتوسيع حجم المشاركة الشعبية في صناعة القرار ، والمشاركة هنا تعني دون شك قيمة الانتماء للكل الأكبر دون إسقاط الخصوصيات الثقافية ، هنا وهناك0
نحن نطالب بالاندماج الوطني دون أن يؤثر ذلك على ما تملكه كل جماعة من خصوصية ثقافية ، تحافظ عليها ، وتجعلها تشعر بالأمن والطمأنينة في إطار وطن واحد ، قوي ، يقف في وجه الرياح القوية التي تهب بعنف من كافة الاتجاهات ، ليؤكد معنى أن العلو بتسامح وحسن استبصار وعمق قراءة المشهد الكلي للعالم وللمنطقة وللبلاد ، فوق الانتماءات الخاصة والهويات المغلقة ، وهو ما يعني تبني إيديولوجية التنوع الثقافي حيث المواطنة الكاملة ، ومساواة الجميع في الحقوق والواجبات0
وهذا مدعاة للفخر لأن معنى ذلك نشوء دولة حديثة تلحق بركب الدول الكبرى في العالم بأسره. وبلادنا تستحق ذلك بامتياز وعن جدارة واستحقاق،شريطة أن يكون ذلك خيارنا0



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.097 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com