الأستاذ : حسين أحمد آل درويش - 21/01/2012ظ… - 9:47 م | مرات القراءة: 1474


يعتبر الرفق واللين والرحمة والتسامح من أهم القواعد الأساسية في معاملة الناس والدخول إلى قلوبهم وكسبهم والتأثير فيهم .. وذلك لأن فطرة الإنسان وطبيعته تميل إلى حب الخير والفضيلة والرفق واللين والرحمة والتسامح ...

فهو يعيش مع بشر لهم مشاعر وأحاسيس وعواطف فضلاً عن عقول وإرادات لا مع حيوانات وبهائم بل حتى هذه الأخيرة لا تفضل أن يتعامل معها الناس بالعنف والشدة وإنما تفضل الرفق واللين والرحمة ... خذ على سبيل المثال : ( القطط ) فهذه إن عاملتها بالعنف والشدة والقسوة والغلظة فلربما واجهتك بالخدش والتكشير عن أنيابها .

 ولكنك لو قمت – عوضًا عن ذلك – بتمرير راحة يدك على شعرها بعطف ورحمة وشفقة لأحست بالأمن والأمان منك وراحت تداعبك في هدوء وارتياح فرحة مسرورة بك وبتعاملك ..

بل حتى ( القطط المتوحشة ) حينما تعامل معاملة لينة رفيقة وتتعود على ذلك تتحول بالفعل تدريجيًا من قطط غير أليفة إلى قطط أليفة (1) !!! وإذا كان الأمر هكذا بالنسبة للحيوانات والبهائم فكيف بالناس الذين هم مكرمون على كل الخلائق والكائنات ؟؟؟ أليس خليقًا بالإنسان أن يتعامل مع الناس في حياته مستعملاً معهم الرفق واللين والرحمة والتسامح ؟؟؟

إن جميع البشر – بطبيعتهم – لا يميلون إلى الّذين يستخدمون سلاح العنف والشدة والقسوة والتسقيط والإقصاء والتصفية بل يميلون إلى الّذين يستخدمون الرفق واللين والرحمة والتسامح ويشعرون بالاستقرار والاطمئنان والوئام والسعادة ...

و في هذا الصدد يقول العلامة الشيخ محمد مهدي النراقي ( رحمه الله ) : " ثَمّ التّجربة شاهدة بأن إمضاء الأمور وإنجاح المقاصد موقوف على الرفق واللين مع الخلائق فكلّ مَلِك كان رفيقًا بجنده ورعيته انتظم أمره ودام ملكه وإن كان فظًّا غليظًا اختل أمره وانفض الناس من حوله وزال ملكه وسلطانه في أسرع زمان .

وقس عليه غيره من طبقات الناس من العلماء والأمراء وغيرها من ذوي المناصب الجليلة وأرباب المعاملة والمكاسبة وأصحاب الصنائع والحرف " (2) .

ومن الأساطير القديمة التي تنقل في باب حسن اللين والرفق وفائدتهما في التعامل وهي: يقال أن الشمس والرياح اختلفتا. هذه تقول أنها أقوى وأفعل وأشد بأسًا وتلك تزعم هذه الصفات لنفسها دون الأخرى. وأخيرا قالت الرياح للشمس: أترين ذلك العجوز المتدثر بمعطفه ؟؟؟ أتحداك أن تجعليه يخلع معطفه بأسرع مما أستطيع !!!

فقبلت الشمس التحدي وأهابت بالرياح أن تثبت قولها وأسرعت الشمس فاختبأت وراء غمامة ثقيلة بينما زمجرت الرياح وراحت تصول وتجول . ولكنها كلما ازدادت عصفًا كلما أحكم الرجل معطفه حول جسده وتشبث به .

فلما يئست الرياح بإخفاقها ألقت سلاحها وهنالك بزغت الشمس من وراء الغمامة وابتسمت في دعة ورفق فما لبث العجوز أن تخلص من معطفه !!! وعندئذٍ قالت الشمس للرياح : إن للرفق واللين قوة تفوق ما للغلظة والعنف (3)!!! .

ولنا في رسول الله (ص) أسوة حسنة من خلال تعامله مع الناس وخاصة أعدائه إذ تكشف لنا مواقفه الإنسانية الشامخة التي جسدها (ص) على الواقع العملي .

يقول الله تعالى في كتابه الحكيم: { لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا }(4) .

ويخاطب الله تعالى رسوله (ص) في القرآن الكريم بقوله عز من قائل : { فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله إن الله يحب المتوكّلين }(5) .

في الحقيقة وبصراحة .. لقد آذى المشركون رسول الله (ص) بشتى أنواع الأذية فقابلهم (ص) بالعطف والحنان والرفق واللين فلم يدعو عليهم بنزول العذاب والهلاك بل أخذ يستغفر لهم ويدعو لهم بالرحمة ويقول : " اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون " (6) .

لقد كان رسول الله (ص) بالفعل لينًا رفيقًا ولم يكن فظًا غليظًا مع أي أحد ليس فقط كنبي في تعامله خلال دعوته بل كزوج مع زوجته وكأب مع أولاده وهكذا كان أيضًا قائدًا وزعيمًا سياسيًا ناجحًا بكل المعايير والمقاييس مع أصحابه وجنده بل حتى مع الذين ناصبوه أشد العداء والحرب وعاملوه بالقسوة والشدة والمقاطعة والحرمان شهدوا على أخلاقه العالية وفضائله النبيلة ( والفضل ما شهد به الأعداء ) و هكذا كان رسول الله (ص) عذب اللسان رحب الجنان دائمًا و أبدًا .

أما في مجال تبليغ رسالته السماوية فرغم كل الضغوطات والصعوبات القاسية التي تعرض لها من قومه ومعارضتهم الشديدة لدعوته حتى شنّوا عليه الحروب في بدر وأحد وغيرهما وهو من عُرف بينهم قبل ذلك (الصادق الأمين ) رغم كل ذلك لم يعهد أنه (ص) تعامل بفظاظة وقسوة وغلظة مع أحد منهم طيلة حياته المقدسة

وكان دائمًا يحظى بأخلاق عالية جدًا ولذلك كان يعامل المسلمين بل حتى أعداءه بالمحبة والرفق واللين والأخلاق الحسنة فكان بأخلاقه العظيمة يكسب أعداءه ويحولهم إلى أصدقاء ويزيد من محبة أصدقائه له .

لقد عاش النبي (ص) في قومه أربعين سنة لم يعرف عنه أنه آذى أحدًا بل كان الوحيد الذي لقب من بين العرب بالصادق الأمين ولكن ما إن أعلن دعوته حتى بدأت مضايقاتهم له ومقاطعاتهم وحروبهم التي استمروا عليها مدة عشرون عامًا تحمّل وصبر خلالهما هو وأصحابه الجوع والشدائد والمصائب وحوصروا في شعب أبي طالب وهاجروا إلى يثرب وكم من محاولات عديدة قاموا بها لقتله وتصفيته (ص)

ولكن الله تعالى حفظه ورعاه وحماه ورغم كل ذلك استطاع النبي (ص) أن يبني دولته المباركة وينتصر على مشركي مكة في جميع الحروب التي شنّوها عليه بقوة الأخلاق قبل قوة السلاح حتى جاء في الروايات أنّه : " لما دخل النبي (ص) مكة كانت إحدى الرايات بيد سعد بن عبادة وهو ينادي : اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة أذل الله قريشًا فسمع أبو سفيان ونادى : يا رسول الله أمرت بقتل قومك !!! إن سعدًا قال كذا وإنّي أنشدك الله وقومك فأنت أبر الناس وأرحم الناس وأوصل الناس فوقف النبي (ص) وقال : بل اليوم يوم المرحمة أعز الله قريشًا وأرسل إلى سعدًا وعزله عن اللواء وقال لعلي (ع) : خذ منه الراية وناد فيهم وأخذ علي (ع) اللواء وجعل ينادي : اليوم يوم المرحمة " (7) .

وهكذا كان رسول الله (ص) في تعامله مع الناس في حياته المباركة حتى في ظروفه القاسية والصعبة.. رؤوفًا ورحيمًا ولينًّا وعطوفًا ومتسامحًا بكلّ معنى الكلمة .. وهل هناك حقًا .. في التاريخ قائدًا بهذه العظمة وبهذا الخُلُق السّامي غير رسول الله ( ص ) ؟؟! ..

فلكي يزيّن الإنسان تعامله مع الآخرين ويكسبهم إلى جانبه عليه - دائمًا و أبدًا - أن يتوسل بالرفق واللين والتسامح والرحمة معهم ويدع الغلظة والعنف والتصلب والشدة وليعلم أن الرفق واللين وسيلته إلى النجاح في معاملة الناس هذا النجاح الذي يشكل جانبًا هامًا من جوانب السعادة في حياته .


(1) فن التعامل مع الناس .. لمحات سلوكية في أخلاقيات العلاقات الإنسانية : رضا علوي سيد أحمد , ( ص 138) .
(2) محمد مهدي النّراقي : جامع السعادات , ج1 , ص 340 , الطبعة الرابعة , الشيخ الجليل النّراقي من أعلام المجتهدين , ولد في " نراق " وهي قرية من قرى كاشان بإيران عام 1128هـ , وتوفي عام 1209هـ , في النجف الأشرف بالعراق .
(3) فن التعامل مع الناس .. لمحات سلوكية في أخلاقيات العلاقات الإنسانية : رضا علوي سيد أحمد , ( ص 139 ، 140) .
(4) سورة الأحزاب , الآية : ( 21) .
(5) سورة آل عمران , الآية : (159) .
(6) إعلام الورى بأعلام الهدى : الفضل بن الحسن الطبرسي , ( ص 83 , الركن الأول ب 4 ) .
(7) شجرة طوبى : محمد مهدي الحائري , ( ج2 , ص 303 ) .

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.076 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com