الاستاذ مازن الشماسي - 31/07/2012ظ… - 8:38 م | مرات القراءة: 2259


يقول تعالى " كل نفس بما عملت رهينة".
ويقول أيضا " لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ "

هناك الكثير من الآيات القرآنية التي تتحدث بهذا المنطوق الفكري، والسلوكي والعملي، كثير من الواهمين يعتقدون أن الهداية أمر واجب وإلا فسوف يختل الميزان الكوني، وهناك انطلاقات قرآنية تؤيد ما ذهبوا إليه، كقوله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر".

ولكن في المقابل هناك العديد من الآيات التي قد يتوهم البعض أنها تناقض هذا المبدأ، والحقيقة ليس هناك من تنافي بين هذا وذاك، فخصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين أنفسهم، أمر فرضه الله تعالى لحماية هذا المجتمع المسلم، وهناك آليات فقهية صاغها الفقهاء، ربما تتسع وربما تضيق، وحتى مجال التطبيق قد يتخلف فيها الفقهاء، ولكن ليس هذا موضوع الحديث هنا.

هناك أيضا فرق بين المفهوم النظري والمفهوم العملي للمسألة أحيانا يكون النظر القرآني متوجها للفعل، فيدخل مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يفهم من كلامي أن المجالات النظرية لا يكون فكريا أيضا، بل قد يكون الجانب الفكري أهم من الجانب العملي في هذه المسألة، ولكن ما أريد طرحه هنا هو مسألة أخرى.

المسألة التي أريد مناقشتها هنا من نوع آخر، هل الإسلام يتناسب واللبرالية المزعومة أنها نوع من التعايش الحقيقي بين المجتمعات المختلفة في الفكر والسلوك أو نفس المجتمع الواحد، متلبسة بلباس مبهم من الدعوة للحرية الكاذبة، أما لماذا هذا الطرح،

فلأن الملاحظ أن هناك مجموعة ممن كانوا في يوم من الأيام من أصحاب الفكر الديني المتشدد جدا، ونتيجة لظروف معينة سواء كانت عن قناعات أو أهواء أو ميول، أورغبات نفسية وجسدية، أو حتى قناعات فكرية بأن الفكر الديني فكر جامد ولربما يحلو للبعض أن يتلاعب بالألفاظ التي يسمعها ويلتقطها من هذا الكاتب الغربي أو ذاك، كالأصولية الدينية في مقابل فكره الليبرالية المنفتحة، حتى أن البعض، من السذاجة بمكان يقول حينما كنت مع الخط الأصولي،

لم أكن أعلم ما أريد، في إشارة استهجانية للفكر الديني على أن أتباعه لا يعلمون ماذا يريدون حقيقة من فكرهم، مع أن هذا الطرح الساذج يمال شخصيته هو أولا، لأن الفكر الديني النابع من الفكر القرآن يرفض هذا الإتباع الأعمى قال تعالى" قالوا إنا وجدنا أباءنا على أمة وإنا على أثارهم مقتدون"، فهذا الطرح فيه من المغالطة الكثير وتجني على الفكر الديني، الذي يحمل بين طياته الكثير من المرونة، والكثير من المفكرين، الذين قدموا انفسهم شهداء في سبيل الكثير من المبادئ وفي مقدمتها الحرية وكرامة الإنسان،

ولو لم يكن إلا الإمام الحسين لكفى، مع أني أعتقد أنه لا توجد عند الكثير من هؤلاء أصالة فكرية سوى الإتباع وحفظ كلمات رنانة يفهما أو لا يفهما هذا شأنه، وحفظ الكثير من الأسماء الغربية والشرقية، يسارية كانت أو شيوعية أو رأسمالية، مع اختلاف المسميات، وربما نجد أمامنا خليطا من الشرق والغرب، ولهذا ربما يجد البعض صعوبة في استيعاب ما يطرحه هؤلاء الذين لا قاعدة أصيلة لهم، لأنهم يعتبرون أن أي قاعدة فكرية لربما تعتبر قاعدة أصولية، هم لا يعتبرون إلا للظاهر والشكل والمفردات، أين العمق الفكري في أطروحاتهم، لا نجد منها طائلا،

وكأنهم ساروا وراء سراب لا أساس له حتى في عند نفس أصحاب الأفكار التي طروحها، ففي الاتحاد السوفيتي لم تفلح نظريات الشيوعية واليسارية، حتى انهارت قواعدهم، وهاهم بعض الالتقاطيون ينقلون لنا فكرا لفظه أهله وواضعوه، ولفظت أنفاسه في عقر داره، وهاهم أصحاب الفكر الليبرالي، الذي هو امتداد للفكر الرأسمالي يحاولون أن ينظروا لنا عن أن الفكر الليبرالي فكرا موحدا وجامعا للأمم، في حين أن المتتبع يلاحظ ويلات هذا الفكر على أصحابه أنفسهم،

فارحمونا ودعونا قليلا مع أصوليتنا وديننا الذي نحن قابلون به بالرغم من الكثير من الاختلافات التي به والتي تعايشنا بها لمئات من السنوات ولولا ليبراليتهم المزعومة بالحرية وفكر أصحابها الذين حملوا الاستعمار والدمار والجهل والتخلف لنا، حتى تزعموا بأنها عالم من الحرية والتعددية والتي لم تستطع إلى اليوم أن تنهي العنصرية حتى في عقر دارها، بل هانحن نلاحظ أثار تلك الأفكار على مجتمعاتنا من بطالة وحروب على عالمنا الإسلامي.

واحتلال لمقدرات الأمم والشعوب المسالمة، انهارت المنظومة الشيوعية ومالها من امتدادات يسارية، وستنهار المنظومة الرأسمالية وما لها من امتدادات ليبرالية وغيرها، حينها أين سيقع نظركم أيها السادة، نعم هناك صراع ربما يكون مؤدلج وربما يحمل فكرا، ربما لا مجرد اتباع، ولكن هناك الكثير من المجتمعات تعيش هكذا نوع من الصراعات، لربما مجتمعنا يكون في الركب الأخير من تلك المجتمعات التي تتفاعل فيها هذه الصراعات الدينية وغيرها، وهناك عدة عوامل، منها مثلا الجانب الاقتصادي،

لنتحدث حول هذا الأمر القطيف بما تملك من تاريخ، اجتماعي كانت على مر التاريخي منطقة تعتمد على الزراعة والبحر وكانت فيما مضى تعيش هذا التمايز الطبقي مما ساهم في عدم نشوب مثل هذا الصراع لقلة التعليم والقراء، ولكن القلعة وبعض المناطق التي اتسمت بنوع من الثراء كصفوى وسيهات وتاروت ، في منتصف القرن الماضي ومع ازدهار الحركات اليسارية، وإمكانية اتصال شباب هذه المناطق، ازدهرت فيها بعض الحركات اليسارية، وفي ظل غياب مطلق لأي توجه فكري ديني منافس، ولكن تلك الحركات كانت مندفعة

ومن واقع الواقع لنشوء المد الحمر كما يسمى، وتلاطم الفكر الماركسي، ودغدغته لمشاعر المحرومين والمضطهدين في معظم أصقاع العالم، نشأت أفكار وليدة وجديدة في مجتمع القطيف، ولأنه مجتمع بسيط أصبح اختراقه من الأمور السهلة حتى بالنسبة لأبناء رجال الدين في تلك الفترة إذا هو واقع، ولكن مع انهيار المنظومة الشيوعية، أصبحت تلك العقول في حالة الصدمة الفكرية،

وظلت لفترة تائهة الجزء الأكبر منها رجع إلى أصالته نوعا ما، وشعر بانتمائه الديني، والجزء منها والذي كان متأصلا في ذلك الفكر الغريب أصلا عن واقعنا، ولعدم إدراكه، أو عدم رغبته في البحث بعمق عن مكامن الفكر الديني، استطاع أن يجد لنفسه بديلا وسطا فهو لم يتخل عن ماركسيته بالمطلق ولم يرفض الفكر الليبرالي بالمطلق بل زاوج بين الفكرين، في محاولة منه لسد الفراغ الذي خلفه انهيار الشيوعية والماركسية كواقع وتطبيق، هذا فيما يتعلق بالكتاب والمفكرين الأوائل.

هذا التيار القديم ونتيجة للخبرة الفكرية والثقافية، وجد نفسه فجأة ودون سابق إنذار وسط زخم ديني عارم، بالنسبة له جديد وطارئ، كيف يتعامل معه، في البداية حاول فهم ودراسة وقراءة هذا الفكر الجديد الطارئ عليه والذي أصبح واقعا ومسيطرا، والبعض منه يحمل مشروعا نهضويا مؤثرا في عقول الشباب، وهذا التيار القديم الذي يريد أن يفهم الواقع وجد نفسه مضطرا أن يتعامل مع هذا التيار الديني الجديد، من خلال دراسة البنيوية وأصالته،

وساعدته الكثير من الدراسات الغربية في تحليل النص، وفهم معطياته ومفاهيمه، على جميع المستويات، هل استوعب هذا التيار الصدمة أم لا زال في طور الدراسة، ولكنني أتصور أن هناك في بعض الدول هناك إشارات قوية للمواجهة، ومن الطبيعي أن يكون مستوى المواجهة هذا نابع من الصراع الغربي الإسلامي الذي أصبح اليوم واضحا، فهل يكون هؤلاء الذين أعبر عنهم بالخليط الغربي والشرقي مع المنظومة الرأسمالية في صف واحد لمواجهة هذا الفكر الديني، أم سيأخذون منحى فكريا خالصا، أم سيبقون منظرين فقط، دون أي حراك خارج إطار منظومتهم الفكرية والثقافية،

والتي لا يستطيعون أن يجاروا بها الجمهور لعدة أسباب منها نظرتهم الاستعلائية والإقصائية لمن يخالفهم، أو لمن لا يجد سبيلا لفهم مصطلحاتهم التي هي أساسا مصطلحات النخبة الفكرية في الغرب والشرق والتي يجيد البعض التلاعب بها لكثرة ما يجلس على كتب الغربيين ويحاول حفظها، دونما قردة على تبسيطها وجعلها في متناول عموم الناس، كما هو حال أسلافهم المتأصلين من شيوعيين وماركسيين، وليبراليين لاحقا.

وهنا أقول لا يعني أن تتلبس بلباس الفرنجة أن تكون إفرنجيا، ولكن الأصالة الحقيقية أن تكون قادرا على فهم تاريخك، وتملك قدرة على فهم تاريخ الآخر مهما كان وتخرج لنا بفكر جديد بسيط يكون قادرا على تحويل المسارات التاريخية إلى خير دائم للمتجمعات.
ولعل الدكتور علي شريعتي أوضح مثال على ذلك، وفي نفس الوقت لم يتخل عن أصالته، أما أن تتلبس بالفكر الغربي والشرقي وتكون مجرد حافظا لمصطلحاته فلا يعني هذا أنك مفكرا .
وأخيرا هاتان الآيتان وغيرها من الآيات وضحتا الدلالة على حرية الاختيار لدى الإنسان في لباس ما يشاء من فكر، وفي النهاية كل إنسان رهين بما يكسبه، قال تعالى " كلُّ نفس بما عملت رهينة".



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.568 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com