الحلقة الثانية
الاستاذ مازن الشماسي - 04/08/2012ظ… - 12:45 م | مرات القراءة: 1752


لكي نفهم الليبرالية أكثر دعونا نستقيها من مصادرها، وبعدها لنرى هل إن المدعين لليبرالية ليبراليون حقيقة، أم مدعون لها.

الليبرالية" فكرة إنسانية أوروبية الولادة والمنشأ".
والمعنى من " الإنسانية: أن الإنسان محورها، فمن أجله صدرت وقررت وأسست وقعدت، أي لأجل منفعته وكرامته، ورفع معاناته من ذوي السلطة الدينية ـ سلطة الرهبان ـ والدنيوية ـ والحكام المستبدين".

هذه هي مشكلة الليبراليين في المجتمعات الإسلامية، وهو التناقض بين الفكر الليبرالي والفكر الإسلامي، والذي يستساغ لهم أن يصفوه (بالديني) أما لماذا يركزون على الديني، حتى لا يتصادموا مع المجتمع المسلم خاصة حينما يكتشف أن الليبرالية جزء من مفهومها الهجوم على الإسلام، أما قولهم بالديني، فهو مصطلح متناغم مع الديانات الأخرى والتي هي موضع صراع حقيقي بين الليبراليين والدينيين في الغرب نفسه على مختلف مواقع الصراع، كما هو الحال في موضع الليبرالية في أوروبا،

الفكر الإسلامي محوره التشريعي هو ( الله ) تعالى وهذا يمثل الأساس في الفكر الإسلامي، بينما الفكر الليبرالي يجعل الإنسان هو المحور في مقابل ( الله ) تعالى، وهذا الأمر ينطبق في عديد مسائل كالتشريع، ففي المفهوم الليبرالي يحق لهذا المحور الإنسان أن يشرع، في مقابل ( الله )تعالى الذي هو المشرع في الفكر الإسلامي.

إذا هذا هو التناقض الأساس والمحوري بين الإسلام والليبرالية.
" رسالة الليبرالية :حماية الفرد والدفاع عنه وعن سيادته وصيانة كرامته ، فإذا ضاعت حقوق الفرد، ضاعت الليبرالية".

من هذه العبارات يتبين الفرق بين الفكر الشيوعي بامتداداته، والفكر الليبرالي، وأيضا الفكر الديني محورية الفرد ومحورية الجماعة، بكلا المحوريتين، وهو ما يتبناه الفكر الإسلامي.

وهذا ما قامت عليه الرأسمالية من حماية الفرد، مما أدى إلى عدة انهيارات في المنظومات الرأسمالية جرَّت على نفس الغرب ويلات اقتصادية عاصفة، ولعلنا نلاحظ مدى الضعف الاقتصادي في أوروبا وأمريكا والتقشف في أكثر من بلد أوروبي، كله بسبب الليبرالية وحماية الفرد،

هناك تناقض واضح في الرؤية الإسلامية عن الرؤية الليبرالية في هذا المجال فالفكر الإسلامي يراعي الفرد كما يراعي المجتمع، بل قد يكون الحق الجماعي مقدم على المصلحة الفردية، بخلاف الفكر الليبرالي الذي ينتفي بانتفاء مصلحة الفرد.

" رسالة الليبرالية حماية الفرد وسيادته وصيانة كرامته، فإذا ضاعت حقوق الفرد، ضاعت الرأسمالية".
"ونشأتها في أوروبا خاصة دون غيرها يفرض دراسة الظروف التي عنها ظهرت وتكونت الفكرة، ولعل في بيان كونها إنسانية المذهب إشارة إلى واقع تلك الظروف.. ويقصد بها ظروف تسلط الكنيسة والرهبان على عقول الناس وتفكيرهم".

هل يجوز أن نطبق الليبرالية على مجمل المجتمعات الأخرى، وأعني هنا المجتمع الإسلامي، هناك اختلافات جذرية بين الأطروحة الليبرالية والأطروحة الإسلامية، نستطيع أن نلخصها فيما يأتي:
1- نشأت الليبرالية في ظروف خاصة في المجتمع الأوروبي، بينما الإسلام نشأ في بيعة مغايرة تماما الإسلام نشأ مقاوما للظلم الذي لحق بالإنسان فكان الإسلام عاملا مهما من عوامل الحراك التحرري للبشرية من قيود الظلم والاستعباد، ولهذا نجد تمسك الأمم والشعوب الإسلامية به واضحا وجليا، بخلاف المجتمعات الأوروبية التي حاربت الكنيسة، بل في فرنسا لم يكد يوجد أي رائحة للكنيسة، نتيجة للظلم الذي مارسته بحق تلك الأمم.

2- تؤمن الليبرالية بإنسانية الإنسان وجعله محورا للتشريع ، بينما في الفكر الإسلامي المحور للتشريع هو ( الله ) تعالى، ولا يحق لأحد أن يقوم بدور التشريع.

3- محاربتها لسلطة الكنيسة والرهبان، وهذا هو السبب الرئيس وراء ظهور الليبرالية كمذهب في مقابل الكنيسة، بعبارة أخرى الليبرالية تحارب الدين، بينما في الفكر الإسلامي هناك تناغم بين المرجعيات الدينية وبين المجتمعات الإسلامية، نعم هناك نقاشات وتوجهات بين المذاهب الإسلامية،

ولكن هذا لا يجعل من الفكر الإسلامي فكرا مستبدا كما هو الحال عليه في الفكر الكنسي والظلم الذي مارسته الكنيسة، مما ساهم في نشوء الليبرالية كمذهب بديل عن الكنيسة،

 ومن السذاجة عند البعض أن يقارن السلوك الإسلامي والسلوك الكنسي، من دفاع الإسلام عن المحرومين، في وجه الليبرالية الاستعمارية الغربية التي استعمرت العالم الإسلامي، ولما تزل سببا رئيسا في الكثير من الويلات للمجتمعات الإسلامية والإنسانية، نتيجة لسلوكيات الفرد.

وبالتالي كون "الليبرالية مذهب فكري وسياسي ينادي بالحرية المطلقة في الميدان الاقتصادي والسياسي والاجتماعي"، ساهم في الكثير من الويلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إضافة إلى نشوب الكثير من الحروب في سبيل إرضاء هذا الوحش الليبرالي الغربي،

 ولا زال العالم يعيش خطر نشوب حروب كونية نتيجة لا محدودية التوجه الليبرالي على مستوى الفرد، فمن يملك القنابل النووية بل من استعملها على مستوى العالم، ومن قاد العالم إلى مجاعات حقيقية سوى هذا المد الليبرالي الذي لا يشبع.
وأخيرا هل يجوز لنا أن نتغنى بهذا الفكر الليبرالي اللقيط والغريب عن مجتمعاتنا الإسلامية.

وما يحاول البعض من تدجين لهذا الفكر الاستعماري ومحاولة تسويقه على أنه لا يتعارض مع الإسلام، وما هذا في حقيقة الأمر إلا إفلاس للفكر الليبرالي، الذي يرى أن التشريع للإنسان، بينما يحاول أن يتناغم مع الإسلام الذي يناقضه في أهم مبدئ إسلامي وهو التشريع.

"الليبرالية هي أفضل المناخات لخدمة الإسلام وتوطيد مبادئه في العدالة والمساواة والصدق والوضوح وتحقيق الازدهار للإسلام والمسلمين فالليبرالية ليست دينا ولا بديلاً عن الدين ولا هي ضد الدين بل هي (موقفٌ إيجابي من الإنسان إن الأخذ بـها يوفر فرصاً متكافئة للتفكير الحر والتعبير الآمن وازدهار الفكر والفعل والحياة

 فمحورها هو الإنسان الفرد وجوهرها حماية الحريات الأساسية لكل الأفراد وسيادة القانون وضمان الحقوق للجميع وتحديد المسؤوليات وتوزيع السلطات وتداول السلطة سلمياً وتوفير الضمانات للأقليات ولكل الفئات) إن الليبرالية تخدم الدين فالدين لا يعمل حقاً إلا في الضياء وليس في الخفاء وهو أقوى من أي اتجاه يعاديه إذا كانت فرص ووسائل التعبير متكافئة ومتى أُتيح هذا التكافؤ فإن الغلبة بالإقناع ستكون دائماً للدين الحق".

هذا الطرح المبسط لعلاقة الفكر الإسلامي بالليبرالية في محاولة لتدجين المسلمين من خلال تضعيف منظومتهم الفكرية، من خلال اعتبار الليبرالية وسيلة للدين تطبيقا وفكرا وسلوكا، وحرية وازدهارا، وسيادة وقانونا، وهذا كله كذب وافتراء، فأرينا أيتها الليبرالية،

 فماذا يحدث في المجتمعات التي تعتبر حاضنة للفكر الليبرالي الأروبي والأمريكي، التقشف في اليونان وأسبانيا، الركود الاقتصادي الذي يخنق أوروبا وأمريكا، فكيف ترجون منا أن نصدق هذه الكذبة ونحن نرى الانهيارات الاقتصادية في امريكا.

لا يوجد بديل عن الإسلام وبالرغم من كل عيوب المسلمين إلا أنهم قادرون على صنع حضارة تكون منقذا حقيقيا لكل الشعوب في العالم، والحديث هنا وكان الفكر الإسلامي أصبح عاجزا عن الإبداع الفكري والفلسفي حتى يحتاج لليبرالية داعما له، وهذا خطأ بيّن ومغالطة كبرى للنيل من الإسلام.
ومن المثير للاستغراب إدعاء البعض بأنه ليبرالي ديني، وهذا قمة الجهل وضعف الحيلة



» مواضيع ذات صلة



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


موقع حروفـي © 2007
استغرق انشاء الصفحة 0.056 ثانية
InnoCastle-Hosting and Designing
Powered by innoPortal
Developed by innoCastle.com